إسلاموتوبيا العصر في الدين والسياسة ، حوار مع الدكتور جعفر المظفر - بؤرة ضوء .. جزء رابع

فاطمة الفلاحي
fati.elfalahi@gmail.com

2013 / 5 / 10

إسلاموتوبيا العصر في الدين والسياسة ، حوار مع الدكتور جعفر المظفر - بؤرة ضوء .. جزء رابع

ولشهرزاد المظفر وجع من سياسة

** من وحي الأصدقاء :

1. الدكتور سعد الصالحي ، ممن تحرص اضمامة كف الجليل المظفر على اطباقتها عليهم حباً ..قال في معلمه : "أستغل هذه الدعوة لأتقدم بكل الإحترام والعرفان لأستاذي وأبي ومعلمي الأول الأستاذ الدكتور جعفر المظفر لاختياري من قبله وما أنا إلا من آلاف الأطباء ممن تتلمذوا على يديه الفاضلتين في كلية طب الأسنان / جامعة بغداد منتصف عقد السبعينييات من القرن الماضي ، فكان والله خير الصديق والأستاذ والأب الناصح ومعلم الأخلاق قبل أن يكون معلم الطب ، جزاه الله عنا بخير مايجزي به أنبياء العلم والحكمة والمعرفة ." ..
فراعني عرفانه هذا بمعلمه ، وبما تلاه من بيان رقم "اسكت" في "مَـقـَاتـِلُ تمّوز" قائلاً:
إني عدت من زبد النار برداً وسلاماً، لأرى أرضاً خضراء،
ونساء يهرعن مثل الماء صوب سواحل تلمع من فرط النور، لأرى
أسراباً تكتب هجرتها بالفصول، وصبية يرحلون عني.. فلا أدرك
مغزى هذه المكيدة!!


كانت لنا معه ثلاثة محاور

1.كيف يمكننا أن نصف فضاءات التجربة السياسية الثرية التي مر بها أستاذنا المظفر وصولاً إلى الهجرة إلى الولايات المتحدة ؟

الجواب:

منذ مطلع شبابنا ونحن نمارس العمل السياسي, أو قل إبتلينا به, وكانت شهرزاد قد بدأت حديثها معنا في السنتين الأخيرتين من عمر النظام الملكي, وقد كنا بعد أطفالا, لقد كبرنا مع تأميم قناة السويس والعدوان الثلاثي على مصر. مداركنا لم تكن قد إتسعت وقتها لتجعلنا نتحدث خارج الأحاسيس الوطنية البسيطة التي حركها ذلك العدوان الثلاثي فخرجنا نهتف بهتافات إمتزجت فيها الشعارات الوطنية ب (وكاحة) الطفولة التي تحاول اللحاق بالرجال. ثم سرّعت ثورة الرابع عشر من تموز من ذلك اللحاق المبكر الذي أختصر طفولتنا ومراهقتنا ليجعلنا نعيش الرجولة التي دخلت علينا بلا إستئذان. في تلك المرحلة وما بعدها لم أترك كتابا إلا وقرأته, وكان في معشر الصداقة من كان جعل لقاءاتنا أشبه بحلقة ثقافية دائمة الإنعقاد, ولذا إختلطت السياسة بالثقافة التي أبطأت بدورها جنوح السياسة المنمحور على ذاتيته. يومها تعرفت على نجيب محفوظ والعقاد وطه حسين ويوسف إدريس وسومرست موم وهمنغوي ودستويفسكي وتيولستوي وغيرهم من أساطين الأدب العالمي, ولم أتردد عن قراءات فكرية سياسية تتحدث عن الماركسية وديكارت وهيجل ووجودية سارتر وسيمون ديبفوار ولاإنتمائية كولن ولسن, وصارت لدي إطلالات على الشعراء من أمثال الجواهري والرصافي والزهاوي والأدب القديم ثم وقعت في حب السياب ودرويش والقاسم والماغوط. ثمة مستوى من اللاإنتماء خلقته تلك السياحة, فرغم ميولي السياسية المعرفة الهوية, إلا أن ذلك الخزين الثقافي كان يطل دائما برأسه ليجعلني خاصا في إطروحاتي وتوجهاتي إلى حدود التمرد الواضح الذي كان يعبر عن نفسه من خلال تحدي المقدس الأيديلوجي ومد يد الصداقة والحوار والتفاعل مع المدارس السياسية الأخرى, فلم أقطع صلاتي مع أصدقائي الذين كانوا محسوبين على فئات أخرى, وكانت مرحلة الدراسة الثانوية بعد الرابع عشر من تموز حافلة بالصراعات المحتدمة التي تفاعلت لتأسيس أفكار كانت تميل في طابعها إلى الخروج من مساحة الصدام إلى مساحة التفاعل. لا أدعي بأنني لم أكن جزءا من ذلك المشهد السياسي المحتدم, إذ لم يكن مقدرا لأي شحص بإهتمامات سياسية أن يفعل ذلك. لكن العقل يستدعي الآن ضرورة العودة إلى تلك التجارب لإستخلاص الدروس والعبر ودون تردد عن نقد مشاهد التجربة السلبية. ولعل هذا ما يحتاجه العراق من أصحاب التجارب السياسية السابقة, فالكل أخطأ على مستويات متباينة وصار لزاما أن نستفيد من تلك التجارب لا أن نضعها في خدمة إستمرار النزاعات, وهذا ما أفعله الآن, نقد التجربة بكل صراحة وتجرد وبلا إنحياز, وأعترف بأن وجودي في أمريكا قد منحني فرصة تحقيق ذلك بكل حرية دون خوف, وهذا ما كنت أتمناه على الدوام, أن أتواجد على أرض تمنحني حق أن أكتب بدون توقف, فهناك ثمة الكثير مما يمكن أن يقال ويفيد.

*
*
*

2. هل يمكننا الحديث عن ( التحليل السياسي ) بوصفه فعلاً تحريضياً قائماً بذاته ينبري له مبدعون في فن كتابته وإنتاجه من خلال مقومات أساسية متفق عليها ؟

الجواب:

يحتاج التحليل السياسي إلى قدرة وخبرة, وأظنه مثل العديد من النشاطات الإنسانية الأخرى بحاجة إلى قدرات فردية تضاف إلى المطالعة والمتابعة والكتابة أو المحاضرة والحوار, لكن الخبرة تقف لتعطي التحليل بعدا معقولا وعمليا مثلما يفعل المران على صقل تلك الخبرة وتقديمها بشكل جاذب. إن التحليل هو البحث عن الأسباب العائمة تحت سطح النتائج, وغير الظاهرة للعيان تماما, التي تراها عين المحلل بدقة, وتقديمها للمتلقي كوسائل إيضاحية للوصول بعدها إلى التشخيص المطلوب كدليل سير نحو الهدف الموسوم.ودونما أدنى شك أن الكاتب ذا الإمكانات التحليلية سيكون أكثر قدرة على التأثير على القارئ من الكاتب الذي يعوم كتاباته حتى يجعلها مواضيع إنشائية تجري بإتجاه واحد وتنتهي تماما مثلما بدأت. المحلل هنا ليس هدفه إقناع القارئ فحسب, فتلك هي المرحلة الثانية, أما المرحلة الأولى فهي تستهدف إقناعه لنفسه, ومن خلال عملية الإقناع هذه يعبر المحلل إلى مرحلته الثانية, اي إقناع القارئ.
خلال عملية ديناميكية وجدلية كهذه, إقناع النفس وليس خداعها أو تزيين الأمور لها, يتم إستجلاء الموقف والغوص للتفتيش عن حقائق ما تحت السطح, ولغرض العثور على الأسباب الحقيقية التي تكمن وراء المشهد الواضح للعيان, ثم تقديم الإسنتاجات التي تدعم الحلول مثلما تدعم عملية النقد الواضحة, فلكي يكون المحلل أمينا مع القارئ يجب أن يمتحن هذه الأمانة مع نفسه أولا ويكون وفيا لها, ومن خلال جسر كهذا يمكن العبور إلى الضفة الأخرى, أي من ضفة الكاتب إلى ضفة القارئ.

*
*
*

3.لمستُ في الآونة الأخيرة لدى سيدي وأستاذي المظفر ميلاً لكتابة الشعر وبخاصة القصيدة الحديثة ، ترى ماذا يشكل الهم الشعري لديه بإزاء الهموم المجاورة التي اعتاد تحديها دائماً ؟.
تقديري واحترامي ومحبتي الدائمة لأبي وشيخي وأستاذي الدكتور جعفر المظفر .

الجواب:

لقد كانت لي محاولاتي الشعرية في مطلع نشاطي الأدبي, ربما لأنني جزء من شعب لا يوجد أحد فيه لم يجرب كتابة الشعر, ولكنها كانت محاولات لا ترتقي إلى مستوى التشجيع على الإستمرار في التجربة التي تعاون لإبعادي عنها إنشغالين, واحد في السياسة وآخر يكمن في طبيعة المهنة التي توجهت لدراستها ومن ثم لتدريسها في كلية طب الأسنان من جامعة بغداد بعد حصولي على الشهادة العليا من أمريكا. ثم أن الإغراق في الكتابة السياسية الذي أمارسه هو طارد للقصيدة التي تحتاجك أن تكون دائم التواجد في ساحتها, لأن القصيدة ليست وحي يوحى, ولهذا فهي لا تهبط من السماء أو الفضاء وإنما تولد من إرهاصات الشاعر وإنفعالاته وبدون قصد اي بدون إستعداد لتصنيعها, عكس الكتابة الفكرية أو التحليل السياسي الذي يحتاج أولا إلى تنمية الإنفعالات الإنسانية التي تحاج القصيدة الحقة إليها. الكتابة الفكرية تحتاج إلى تشغيل الحواس جميعها, وكتابة الشعر ربما تحتاج إلى العكس من ذلك, أي تعطيل الحواس, ربما كمن ينصب فخا لإصطياد القصيدة, التي بنبغي أن لا تراك تراها, ولا تحسك تحسها, ولا تسمعك تسمعها, وحالك في هذا كحال الجسم الوسيط الذي ينبغي تنويمه لإستدعاء الحالة كما هي في العمق من قلبك وبصيرتك. ولذا وجدت أن علي أن أختار, بين تنشيط عملية خلق وإستحضار القصيدة التي تحتاج إلى إلى جلسة خروج من المحيط, وبين الكتابة السياسية التي تتطلب الدخول إلى ذلك المحيط, وسألخص.. القصيدة لا تحضر إلا بعد أن تضمن خروج الكاتب السياسي من صاحبه لأنها لا تقبل الشراكة من أحد, فكيف إذا كان هذا الأحد يشترط تسخين المحيط وهي تشترط تبريده أو حتى تجميده وصولا إلى ولادة مبهرة سيوكل لها فقط مهمة تسخين المحيط من حولها. ولذا تراني قليل العطاء كمن يحرم عليه دينه الزواج بإثنتين, إمرأة الشعر وإمرأة الكتابة

* * *
انتظرونا مع المظفر عند عمود آخر في رواق "من وحي الأصدقاء" والصديق الروائي والقاص إبراهيم داود ، ألتقيكم في الجزء الخامس من الحوار .. يتبـــــــــــــــــــــــــعـ ... حيث وقفة مع المظفر ، في "غفلة من الذاكرة "



https://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن