اتفاق أميركي روسي على إعادة إنتاج الطغاة

قصي غريب
qusai_ghareeb@yahoo.com

2013 / 5 / 10


منذ أن اندلعت الثورة السورية العظيمة، والغرب ولا سيما الولايات المتحدة الأميركية، ومعهم روسيا، وإيران، وإسرائيل لا يريدون ويعملون على منع وصول نخبة سورية وطنية مؤمنة بالثقافة العربية الإسلامية إلى الحكم في دمشق، من منطلق أن هذه النخبة الوطنية الرشيدة التي تعمل بعقلية وسلوك الآباء الأوائل للاستقلال سوف تعمل على إحداث تغييرات جيوستراتيجية، وسياسية، وفكرية في المنطقة بحيث تؤثر على مصالحهم، وبخاصة على أمن واستقرار إسرائيل، ولذلك تعمل الإدارة الأميركية التي لا تزال صاحبة القرار والفعل في الساحة الدولية، وبخطوات حثيثة على إطالة آمد القتال في سورية بين كتائب الجيش الحر ونظام العصابات الطائفية، مع سعيها الدؤوب لمنع كتائب الجيش الحر من تحقيق الانتصار من خلال منع وصول السلاح النوعي إليها من أجل أن تحقق أحد هذين الهدفين :
الهدف الأول : المحافظة على بقاء واستمرار نظام العصابات الطائفية الأقلوي من خلال إعادة إنتاجه، لأنه يحرص على احترام قوانين اللعبة الدولية في المنطقة، والحارس الأمين لمصالحهم، وفي مقدمتها أمن واستقرار إسرائيل، من خلال إعطاء الضوء الأخضر له للإمعان في قتل وذبح السوريين، وتدمير ديارهم، باستخدام مختلف الوسائل والأسلحة، بما فيها استخدام البراميل المتفجرة، وصواريخ سكود، والأسلحة الكيميائية من أجل القبول بالحل السياسي، ومنه تحقيق هذا الهدف، أي إعادة إنتاج النظام، فوزير الخارجية الأميركي جون كيري كان قد أكد أن بلاده ترغب برؤية الحكومة والمعارضة السورية على طاولة المفاوضات بغية تشكيل حكومة إنتقالية بحسب إتفاق جنيف، فدعا الرئيس والمعارضة إلى التفاوض على تشكيل حكومة إنتقالية وفق تفاهمات جنيف، وأن تشكيل حكومة انتقالية في سورية لا يتطلب سوى أن يغير الرئيس من حساباته، وتتوصل المعارضة إلى توافق بينها.
وفي 20 نيسان 2013، كرّر الوزير كيري التزام مجموعة أصدقاء سورية الداعمة للمعارضة السورية بتشكيل حكومة انتقالية يتفق عليها الجانبان، تضع إطاراً لعملية انتقال منتخب للقيادة الجديدة في سورية.
وبهذا السياق وفي 7 أيار 2013 أعلن وزيرا الخارجية الأميركي جون كيري والروسي سيرغي لافروف عن مؤتمر لبحث الأزمة السورية نهاية الشهر الجاري، من المقرر أن يشارك فيه ممثلون عن النظام الحاكم والمعارضة أملاً في تشكيل حكومة انتقالية من الطرفين.
وقد أكد الوزير كيري في مؤتمر صحفي مشترك بموسكو أن التوصل إلى حل سياسي سيضع نهاية للصراع في سورية التي تقترب من الفوضى، ومن الأزمة الإنسانية، وخطر التقسيم، وأن التوصل إلى هذا الحل قد يؤثر على القرار الأميركي في ما يتعلق بتسليح المعارضة، ودعا الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إلى إيجاد أرضية توافق مشتركة بشأن سورية، وقال : إن الولايات المتحدة تؤمن حقاً بأن لنا مصالح مشتركة مهمة جداً في سورية.
أما الوزير لافروف فقد أكد أن واشنطن تشاطر موسكو وجهة نظرها بشأن سورية، وأن الطرفين يسعيان لاستقرار سورية بعيداً عن التطرف والمشكلات التي يمكن أن تمس المنطقة، وأن البلدين وقعا على بيان جنيف الصادر في 30 حزيران 2012 ولا ينص على تنحي الرئيس، وأنهما اتخذا موقفا مشتركاً، وأنه لا يدافع عن شخصيات ولا عن مصيرها، وإنما يهتم بمصير الشعب السوري، وأن المعارضة السورية لا تمثل كل الأطياف، وأن عليها توحيد صفوفها قبل المشاركة في المؤتمر المرتقب والإعلان عن ممثليه.
وهنا تريد الإدارة الأميركية والقيادة الروسية مشاركة ما يسمى هيئة التنسيق الوطنية القريبة من نظام العصابات الطائفية، والتي تفتقد إلى الحاضنة الاجتماعية والتأييد الشعبي، إلى جانب الائتلاف السوري البائس في المؤتمر المزمع عقده، والذي سيشارك فيه ممثلون عن نظام العصابات الطائفية والمعارضة أملاً في تشكيل حكومة انتقالية من الطرفين.
ولذلك ومن أجل تحقيق هذا الهدف كان ارتفاع وتيرة جرائم الإبادة الجماعية المرتكبة من قبل نظام العصابات الطائفية ضد الشعب السوري الثائر من خلال استخدام البراميل المتفجرة، وصواريخ السكود، والأسلحة الكيميائية، وسكوت المجتمع الدولي المريب حيث البعد منه محاولة الالتفاف على الثورة السورية، من خلال الضغط عليها بالقتل والذبح المفرط لرفع الرايات البيض من قبل الشعب السوري الثائر، والقبول بالحل السياسي الأميركي الروسي، وفي حال الرفض والفشل لا يستبعد أن يتم تحويل الملف السوري إلى مجلس الأمن باعتبار الجرائم التي يرتكبها نظام العصابات الطائفية تهدد بحرب إقليمية طائفية، ومن ثم تهدد الأمن والسلم الدوليين، ولذلك لا بد من فرض الحل السياسي أممياً باستخدام الفصل السادس، وهذا ما تريده وتسعى إليه الإدارة الأميركية والقيادة الروسية.
وقد جاء العدوان الإسرائيلي الأخير على سورية من أجل تحقيق عدة أهداف مجتمعة تصب في محصلتها في هذا الشأن :
الهدف الأول : تدمير مستودعات الأسلحة والذخيرة كي لا تقع بيد كتائب الجيش الحر، ولا سيما بعد أن أصبحت داخل دمشق كي لا يحصل تغيير في ميزان القوى على الأرض، وهذا ما لا تريده الإدارة الأميركية والقيادة الروسية.
الهدف الثاني : إظهار نظام العصابات الطائفية أمام البعض من الشعب السوري، ومن الشعب العربي على أنه نظام مقاوم لإسرائيل مع أنه حام لحدودها، ومن ثم لا بد أن يكون من ضمن الحل السياسي.
الهدف الثالث : إبعاد الأنظار عن جرائم الإبادة التي يرتكبها نظام العصابات الطائفية ضد الشعب السوري الثائر، وبخاصة بالساحل السوري.
الهدف الرابع : توجيه رسالة استعراض قوة استباقية من قبل إسرائيل إلى سورية الجديدة حكاماً ومحكومين بأنها ستضرب أي هدف مستقبلاً ترى فيه خطراً عليها.
أما الهدف الثاني الذي تسعى الإدارة الأميركية إلى تحقيقه من خلال إطالة آمد القتال في سورية بين كتائب الجيش الحر ونظام العصابات الطائفية : إن الحرب ستنهك السوريين وتدمر بلدهم، ومن ثم ستصبح سورية فيما بعد أقل خطراً على المصالح الأميركية والغربية في المنطقة، وفي مقدمتها المحافظة أمن واستقرار إسرائيل، من خلال توجه كل الاهتمام في سورية إلى إعادة بناء نفسها، وترتيب الأوضاع الداخلية.
إن الولايات المتحدة الأميركية، وروسيا، وإيران، وإسرائيل يعملون بخطوات حثيثة على افشال الثورة السورية ووأدها، والسعي المحموم لإعادة إنتاج النظام الطائفي الأقلوي الذي يحرص على احترام قوانين اللعبة الدولية في المنطقة، والحارس الأمين لمصالحهم، وفي مقدمتها المحافظة على أمن واستقرار إسرائيل من منطلق أن انتصار الثورة السورية، وتسلم أصحاب الثقافة العربية الإسلامية السلطة سيكون له تداعيات جيوستراتيجية، وسياسية، وفكرية على المنطقة، وستغير جذرياً بموازين القوى وهذا ليس في صالحهم أبداً.
ولذلك وبما أن مصالحهم الإستراتيجية قد أصبحت في خطر فهم يحاولون أن يكون لهم دور فيما يحصل في سورية عن طريق التدخل في تحديد النتائج، فيعملون بخطوات حثيثة وسعي محموم من أجل إعادة إنتاج الطغاة، ولهذا بالتأكيد يضعون خطط الإختراق بالإتجاه الذي يرغبون فيه، ولكن بمقدورهم وبخاصة الإدارة الأميركية والقيادة الروسية أن يتدخلا في عملية توجيه التطورات السياسية الداخلية والحراك السياسي السوري، إلا أن مصير ومستقبل سورية والشعب السوري الثائر يعتمد في نهاية المطاف وبدرجة كبيرة على الآليات الداخلية السورية، مع وعي أهل الحل والعقد في سورية بالمصلحة الوطنية السورية، وإدراكهم أيضاً مصالح الولايات المتحدة الأميركية وروسيا وغيرهم، فالأمر كله يعود إلى إرادة الشعب السوري لا على القوى الخارجية في صياغة أهدافه، وانتقاء خيارته، وتحديد مصيره ومستقبله.



https://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن