عقلية الطوائف

راغب الركابي
rakeb.alrekabi@gmail.com

2013 / 3 / 29

إن إعتقادنا ثابت في نبذ - عقلية الطوائف - ونبذ ما تنتجه وماتؤول إليه ونبذ المروجين لها والداعمين ، ولقد أثبتت تجربة السنيين العشر التي تلت التغيير أهمية هذا الإعتقاد وأهمية الوطن وأهمية القيم الوطنية المشتركة ، وهذا الإعتقاد عندنا راسخ متجذر مرتبط بإيماننا بالحرية وإيماننا بالديمقراطية ، هذا الإيمان المناقض والمغاير للعقلية المتخلفة الضحلة التي تتبناها الطوائف في سلوكها وعملها ، وإننا في هذا إنما ننبه ونشير إلى مخاطر هذه العقلية داعياً الجميع للنظر بعين الرعاية لحاضر الوطن ومستقبله ، وهو تنبيه نريد منه مساعدة الشعب على التخلص من هذه العقلية ومايترتب عليها من آثار ومن تبعات و من ثغرات ومن نقص ومن شوائب ، وفي ذلك إنما نبحث عن قيم المجتمع التي تشعره بمسؤولياته الوطنية والتاريخية الغير متزاحمة والتي فيها حياته وأمله وأهدافه التي بنى عليها بنيانه .

إن الكلام حول العقلية الطائفية كلام خطير لأنه كلام في الدين وفي المذاهب وفيه حديث صريح عن الحقيقة الغائبة وعن المبالغة وعن النقص وعن التزوير وعن الأحقيات وعن الحكم وعن الدولة ، هو إذن حديث في صميم واقع المجتمعات العربية والإسلامية التي تعج بالتخلف التاريخي والعلمي التخلف العقلي والمنطقي ، وفي هذا الكلام لا نبالغ إذا ما قلنا هنا : إنما نحن نحاول أن نجدد الثقة بالوطن الواحد الغير مجزء وهذه الثقة هي مسؤولية وشرف وإنتماء وهوية للجميع ، والتي فيها يتساوى الإنسان في وطنه من غير علامات فارقة إلاّ بالعمل والتفاني والخدمة الوطنية النصوح ، وحين أتابع العقلية الطائفية بالنقد والتفنيد إنما أتابع العمل المدفوع بالحرص على سلامة الوطن وسلامة الشعب وهدفي في ذلك هو البناء والإعمار والإصلاح ماأستطعت ، ولكي أساهم مع الخيرين من أبناء وطني لخلق المناخ الصحيح الذي تنعقد فيه النوايا الطيبة لرفع هذا التوتر الذي يسعى له أعداء وحاقدين ومغرضين ، كما وأسعى من خلال ذلك إيجاد الأرضية المناسبة للقبول بالآخر والإيمان بالتغيير كسُنة تاريخية وطبيعية من خلال نسيان صدمات الماضي وعنفه وقهره فلقد عفا الله عما سلف ، وتاريخنا في ذلك يحدثنا عن روح التسامح في مكة وفي غيرها من الأماكن التي تمكن فيها أهل الحق .

في العراق العقلية الطائفية نشأة من دوافع مزاجية ومن قلق نفسي ومن كلام عن الماضي وعن الأحقيات في السلطة وفي الحكم وهو كلام تاريخي تراثي غير دقيق وغير موثق ، ولكي لاتتضخم هذه العقلية وتغدو هي السائدة ولكي لاتكون الأشياء التي تتحدث عنها طريقة وسنة لابد من التركيز في الوعي الثقافي المجتمعي على أهمية الإيمان بالوطن الواحد ، وإستبدال الخطاب الفئوي المثير بخطاب وطني أعمق شامل وجامع ، وهذا ما أشرنا اليه في غير مناسبة ونبهنا عليه في أكثر من موقع وهدفنا كان ولازال هو معالجة الإختلالات قبل أن يستفحل الأمر وقبل أن يدخل الجيران على الخط فيخربوا ماتبقى بين الأخوة ، وكل ذلك قبيح وسيشوه صورة العراق في أعين الناس ويحرك من بقلبه مرض لكي يستغل البعض من ضعاف النفوس ، وكلنا يعلم مدى الحنق لدى البعض من التغيير ومن الديمقراطية .

إن عقلية الطوائف هي عقلية مزاجية عاطفية ونفسية بإمتياز وإنها لاتستند على منطق وعلى قيم وعلى حب وعلى إيمان ، بل هي عقلية متخلفة جحودة مستهترة بقيم الوطن وبماضيه وبتاريخه ، ولقد كان للحكم البائد دورا في تنمية هذه العقلية عبر مشروع - الحملة الإيمانية - وإستقدام المتطوعين والحاقدين من العرب من القاعدة وأنصار الإسلام ، جيء بهم في ظروف قاهرة تحكمت فيها قوى الأمن والمخابرات والأجهزة القمعية وقسوة الحزب وخداعه وتلاعبه بالمشاعر والعواطف ، مما أوجد حالة من الإرباك الغريب الذي لم يعتده المواطن العراقي والتي حركت فيه نوازع الشر والسلبية مما أفقدت فيه الروح وجعلته يتحرك وفق ردات الفعل ، كما إن ممارسة البعض للطقوس والشعائر الدينية على نحو مسرف شجع وضخم هذه العقلية ونماها ، وإذا كنا اليوم نتخوف من العقلية الطائفية فلأننا نشعر بأنها تستغل لتجييش الشعب ضد بعضه البعض ، ولذلك نحن قلقون منها لأن البعض يستخدمها في خطابه السياسي والثقافي والتربوي وهذا كله إستخدام ضد مصالح الشعب وحقوقه الطبيعية وضد مصالح الوطن وقيمه ، ولهذا أتخوف على الوطن من أن يضيع وتتلاشى رسومه وأبعاده وحدوده ، وأتخوف إن تمادت بعض القوى السياسية وتورطت في دعم وترويج للخطاب الطائفي وإتجاهاتها المتعسفة ، والتي تحركها في العادة الأنانية والمصالح الشخصية و الإنفعالات والأحقاد والمنافسات السلبية .

إن الموقف الطبيعي الذي يجب ان نبادر إليه هو بدعم وتعزيز ثقافة التسامح الثقافة الوطنية الجامعة والطاردة ، كما إن الموقف الوطني الرصين يتطلب تجريد قوى السلطة من الطائفيين والفئويين الذين يمارسون أعمالهم السيئة بأسم السلطة والنظام ، إن ممارساتهم السيئة رسمت أخاديد وجروح في جسم الوطن ، وماهذه التفجيرات اليومية المتتالية إلاّ دليل على ذلك ، دليل على تلك العقلية الفاسدة التي كانت موجودة قبل التغيير والتي أستطاعت بفعل غياب الوعي أن تجد لها من المروجين والمناصرين الكُثر ، إن عقلية الطوائف التي نحذر منها ستدفع بالبلد وبالشعب للإنغلاق والفئوية والعنصرية ، وهذا كله ضد الطموحات والآمال التي كانت معقودة على التغيير ..



https://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن