ليمونتان بغياهب الروح

سلمى مأمون

2013 / 3 / 6

تشكلت بيوتنا و اشجار الليمون الأخضر كالتوائم الملتحمة. رفقة حميمة منذ الأزل، تجعل مقام "الليمونة" لدينا أشبه بمقام شجرة الزيتون في حضارات أخرى. فالليمونة، ركن خامس للبيت السوداني و ليست مجرد شجرة. هي الرواء المنعش و هي طبيبنا المحنك، و هي رمز الالفة و التواشج. تشرئب مزهوة بخضرتها المترفة فوق الحوائط الطينية المنخفضة لأحياء أم درمان القديمة. و دائماً بمحاذاة الاسوار و في ظلها (جرة فخارية) لتبريد و تنقية ماء الشرب. تُشاكسنا فروعها بمجرد أن نجتاز باب البيت فننال خدوشاً دامية او ربما مزقاً في الملابس، فأشواك الليمون صلبة و ذات وخز كاوي كأنها مسمومة. لكننا نفهمها، فهي تقصد الترحيب بنا، نتقبّل ذلك و نربت عليها و نقطف بعض اوراقها الجديدة قبل الدخول، نتشمُّمها بفرح يكتمل بعناق أهل الدار. و ما أحلى تناول كوب الشاي الأحمر و قد تغمست به ورقة ليمون من مقدمة فرع وليد.
هنالك دائماً شجرة ليمون في عمق الذاكرة. فرد أساسي بالبيت، تحبو و تتفتق و تكبر معنا، شاهدة على جميع تحولاتنا و قراراتنا. كم تفيأناها واستغرقنا اللعب و نصبنا الشِراك للطير مع أترابنا و صنعنا "العروسات"(بنات أم لِعاب) من بقايا قصاصات الأقمشة و تعلمنا أول دروس الطبخ من التعامل مع قشور و مخلفات الخضروات. كم أدينا في كنفها الواجبات المدرسية، و شطفنا ثيابنا، كم لذنا بها من اكتظاظ الغرف، و اوان انقطاع الكهرباء. كم احتسينا معا شاي العصرية، و كم أشبعناها بللاً بخرطوم الماء في المساءات المكتومة الانفاس، فكانت مكيف هواء طبيعي. ظلت أنيستنا، و كاتمة سرنا الذي صغناه باصوات أشبه بضجيج الطيور العائدة مساءاً الى اعشاشها، و سرعان ما كبرنا و تركناه وعداً سابحاً بعروق الليمون.

الأولى، كانت لجدتي لأبي. فهي الأكبر، مسنودة بعدة دعامات خشبية، جعلتها أشبه بمظلة دائرية مترامية الأطراف، و الى جوارها (مزيرة) من الصبة الخرسانية بها جرتين فخاريتين كبيرتين لتبريد الماء. إن شئنا الشرب أو طلب أحد مناولته كوباً منها، تسلقنا المصطبة التي قامت عليها الجرار. و قد كانت النساء يصنعن من قماش أبيض خفيف غطاءاً (لفم الزير) أشبه بذاك الغطاء البلاستيكي لوقاية الشَعر أثناء السباحة أو الاستحمام. يروق الماء ويبرد تحت تلك المظلة الوارفة فيُغني الظمآن عن ماء الثلج، الذي لم يكن مطلوبا بكثرة آنذاك.
كانت كالملكة، في زمن ادُخرت فيه اشجار الليمون و النيم و الفل كأنها ثروة، فتربّت مترفة تتطاير حولها تلك الفراشات باللون الاخضر المبرقش بالاصفر التي لسبب أجهله تماماً، لم أعد اراها في الجوار كأنها كانت ديكورا خاصاً بذلك الزمن. و اصناف من الحشرات المرقطة بالاحمر و المبرقشة، التي تظهر و تختفي الى ان اندثرت تماماً، و قد كان بعضها ينتشر في الخريف. لا أنسى حينما كنا صغاراً نربط خيطا حول رأس إحداها المسماة (كُدُنداره) و نطيّرها في الهواء فتبدو كطائرة مصغّرة. يا لها من مُتع بسيطة ألّفت بيننا و مكونات الطبيعة منذ وقت مبكر. فقد كانت الزراعة المنزلية زينة البيوت و نعيمها، و سعيد الحظ من مكّنه اتساع الحوش من زراعة الجوافه و المانجو و اللارنج بل و البلح اضافة الى تلك المذكورة آنفاً. فهو ملك متوج في الحيّ. يجني لبيته و يبعث ال(ضواقه) للجيران. ما أعجب هذه الايام، التي انقرضت فيها تقاليد الضواقة و لو بالطبخات البسيطة في المواسم و الأعياد و ما عدنا نعرف شكل أواني أحد! و لم الاستغراب و قد تعذر بين الجيران مجرد تبادل عبارات السلام في بعض الأحيان!
أنصرف الناس عن الليمون و تلك الاشجار و حضَرنا التهافت على (النمط الواحد) في كل ذوق و مظهر و رؤية. و من الضمن تسابقوا على زراعة اشجار (زينه) بعينها؛ و بالطبع لا هي ظليلة ولا مزهرة ولا مثمرة ولا تفوح منها أي نكهة. لكن انتشرت زراعتها في السنوات الاخيرة كالصرعة؛ (لاشوقا) ، (نخليات) و مثيلاتها، ليس حباً في الطبيعة ولا تقرّباً للاوزون، بل لان شتولها تشترى بالشيء الفلاني! يا للبيوت التي كانت خضراء بأجوائها المنقوعة في الطِيبة المزججة بهفيف الأشجار، التي تنمو ممزوجة بسجايا و روائح أهلها البسيطين، فتراها مكتنزة، و كأنها استقت خصباً من تلك الارواح الرحبة، فسمقت حبلى بظلالها و ثمارها. ايامها كان إكرام الضيف (كباية شُب) من شربات الليمون المثلج، مقطوفة حباته من شجرة البيت. مجهز يدوياً (كما أحبه)، أو بالخلاط حسب المتاح. و هل من شراب أنجع منه (ليقطع العَطشة) في طقس متأجج الحرارة!
ثم أن أهلنا كانوا يهدون جيراننا و زوارنا حفنات منه، و إن لم يبادروا بطلبه، اذ تمر بالشجرة ايام نصحو من النوم لنجد الارض اسفلها مزركشة بحبات الليمون الناضجة. كان دخول الضيف سبباً للفرح و ليس التساؤل بامتعاض (الجابو/الجابهم شنو؟)، فالنفوس منشرحة، و الجود بالموجود فعل متاح، و تلقائي والبيوت أنيسة، تقصدها (للونسة) فتتشبع بالقصص الطريفة عن شخوص كنجوم الكوميديا كان بعضهم يقطن الحيّ و بعضهم من روايات لجدات جدتي. تغتني الروح و المخيلة بنماذج متفردة من النساء و الرجال الذين تركوا مواقف و مقولات باقية. و لكنك اليوم تعود من معظم المجالس التي قصدتها (للونَسة) مكدوداً كالعائد من جلسة استنطاق أمني! و اللافت في هذا الصدد أن غالبية الناس على نطاق الحيّ، الذي كان حتى مطلع الثمانينات غاصاً بشخوص طريفة جديرة بالتوثيق، باتوا متشابهين كأنهم مستنسخين. لا ميزة و لا فرادة لا حكايات طريفة. ترى هل دخلنا طور القطيع؟
نعود الى الليمون، الذي ما عاد مشروب الضيافة الأول الآن، ربما فقط في دائرة ضيقة رفقة الكركدي أو التبلدي و مثيلاتها، لدى من مازالوا يقيّمون المشروبات المحلية الطبيعية. لقد خبا نجم شربات الليمون و صار (دقه قديمه) أو دليل بؤس، و لم لا، فهذا اوان التفاخر و الاستهلاك الأعمى لكل مُصنّع. للاسف، ابتعدوا عن الليمون الشافي واتجهوا الى المشروبات الغازية و العصائر المحفوظة. و لكنهم و ياللعجب، فجأة يتذكرونه مع حلول شهر رمضان فيصبح (المطلوب) رقم واحد. و هنا (يتعَزَز الليمون) و تباع 3 حبات فقط بجنيه !!!

في ظروف مؤسفة ازيلت ليمونة جدتي رفقة صف كامل من أجمل الأشجار الظليلة و تلك المثمرة ببيتنا، نتيجة تخطيط الحيّ، فنهضت ليمونة بديلة بأقصى غرب الحوش. عاشت بيننا بضع عقود لكنها فجأة جفت. ذات يوم لاحظنا تيبس غصن كبير في المنتصف، ثم تهاوت بقية الفروع تباعاً، بعد وقت قصير. ماتت. و أُلقي بجسدها العزيز خارج السور و هو مايزال مطرزاً بالنجيمات و بحبيبات الليمون الوليدة. حَزنّا جميعاً. و لم تنجح المحاولات اللاحقة لتعويض الشجرة الأولى أو التخفيف من زوال الثانية. الى الآن مازالت امي تتحسر و تجزم ان "عين السواد" أصابت ليمونتها "السمحة"، التي ظلت معطاءة لم تحوجنا يوماً لشراء الليمون، لا سيما في هذا "الزمن الفَقٌر" الذي لم يسلم فيه حتى "حَبّ الليمون" من الازمات المفتعلة!
لقد فقدناها كأمور كثيرة جيدة حُرِمنا منها، و ماعادت مستعادة. لكن أصرّت أمي على ضرورة وجود ليمونة بحوش البيت. لأن الليمونة "روح البيت"، فجلبوا لها (شتلة) جديدة و غُرست في ذات الموقع الذي كانت تحتله ليمونتها المأسوف عليها. و لكن ما ان بدأت تكبر، حتى تسلقها نبت خيطي عنيد، كلما مزقَته عنها عاد بقوة و كثافة اكبر يتكالب و يعوّق نموها. لم يُجد المبيد نفعاً. إذن، لن تكون هنالك ليمونة أخرى معطاءة بالبيت في أي وقت منظور. يا للخسارة! استسلمَت أمي مكرهة و أبقت على ليمونتها المريضة و تخلت عن حلم جني نجومها المنعشة. قبِلَت بالامر الواقع على مضض. و هي تردد كلما نظرت اليها: "يا خسارة ليمونتي السمحة"! و أردد في سرّي، تسممت الأرض و الهواء يا أمي، فكيف تحلمين بليمونة معافاة؟

خاتمة:
كان إخضرار الليمون هو المقابل الشعري لخدود النساء السودانيات في زمن ما من القرن الماضي. عندما تولّه بها الشعراء و أنشد المغنين مخلدين نضارة (غير مزوَّرة) و أهدونا تراثاً من الغزل الليموني، الذي لا ينقطع ترديده في افراح الناس.
معلوم أنه لاوجود لانسان اخضر اللون إلا في عوالم السينما و القاموس السوداني، إذ (لسبب ما) درج الناس على القول بأن فلانة خضراء أو فلان اخضر لكل من زادت دكنة بشرته و بدَت ملساء. بلا شك تلك فكرة مثيرة للاهتمام، و بحاجة الى معالجة مفصلة و لكن في مقام آخر.
على اية حال، عاشت النساء آنذاك سعيدات فخورات بجمالهن و حضورهن (الأخضر)، إلى أن لفحتنا جائحة (الاغتراب) الى ما وراء الساحل الآخر للبحر الأحمر، و تبدلت سحنتنا و لهجتنا، و وقع التنصُّل من (العنصر الليموني) على كل الأصعدة، و تاهت خطى النيل في الرمال المتحركة.



https://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن