في مقالة مهمة لزعيم كتلة اليسار اليوناني/ مقترحنا لحل الأزمة في اليونان وأوربا

رشيد غويلب
rachidlu@t-online.de

2013 / 3 / 5

زار المانيا في كانون الثاني الفائت زعيم كتلة اليسار الراديكالي (الجذري ) اليوناني المعارض (SyRIZA) ، الكسيس تسبراس. وكان مثيرا للاهتمام اللقاء الذي أجراه بناء على طلبه، مع وزير المالية الاتحادي الألماني شويبله. فقد كان مهما بالنسبة له، ان ينقل مباشرة مطالب تحالفه بشأن التغلب على الازمة، التي تعصف ببلاده، لأحد زعماء مجموعة تكبيل اليونان اقتصاديا.
وقال تسبراس بعد حديثه مع وزير المالية الألماني: " قلت له، ان برامج التقشف قد فشلت". والآن على المرء ان يواجه الفقر، البطالة، وصعود الأحزاب الفاشية. وان من غير الممكن السماح بتحول اليونان الى "مستعمرة للديون، وجنوب اوربا الى منطقة اجور متدنية، ومنطقة اقتصاد استثنائي". واضاف " رأينا هو أن تتم مساعدة الشعب اليوناني ليخرج من الأزمة منتصب القامة"، وبعد ايام قلائل عرض تصوراته مفصلة في مقالة نشرت في الأول من شباط الفائت في جريدة لوموند ديبلوماتيك . ونقدم في ما يأتي ترجمة لنصها المنشور على موقع شيوعيون الالكتروني التابع للحزب الشيوعي الألماني: انه الـ 27 من شباط عام 1953، جمهورية ألمانيا الاتحادية تئن تحت عبء ديونها وتهدد بجر بقية البلدان الأوروبية الى دوامة أزمة. البلدان الدائنة، وبضمنها اليونان قلقة على مستقبلها. عندما استوعب الدائنون، باستثناء الليبراليون الجدد، ما كان منذ فترة بعيدة واضحا: سياسة "تخفيض العملة الوطنية" – والمقصود تخفيض كلفة الأجور لا يوفر إمكانية تسديد الديون، بل يؤدي الى عكس ذلك تماما. وهكذا وفي قمة استثنائية عقدت في لندن (1953) ، قرر 21 بلدا تكييف مطالباتهم المتعلقة بخدمة الديون مع الأداء الفعلي لشريكهم المانيا . فقرروا الغاء 60 في المائة من الديون الألمانية، وتأجيل تسديد حتى المتبقي لمدة خمس سنوات (1953-1958) وتمديد فترة السداد لتكون 30 سنة. وعلاوة على ذلك اعتمدوا نوعا من شرط الاستدامة: لا توظف بموجبه ألمانيا أكثر من 1 من 20 من عوائد صادراتها لخدمة الديون. لقد كان قرار أوروبا هذا على العكس تماما من معاهدة فرساي عام 1919، ووضع بذلك اساس التنمية الاقتصادية لألمانيا الغربية بعد الحرب العالمية الثانية.
ولا تطالب كتلة اليسار اليوناني (SyRIZA) اليوم بغير ذلك. فعلينا مراجعة الغاء جميع معاهدات فرساي الصغيرة، التي فرضتها المستشارة الألمانية ميركل ووزير ماليتها فولفغانغ شويبله على بلدان المديونية الأوربية، وإلغائها. ولنستمد الإلهام في ذلك من اليوم العظيم في اوربا ما بعد الحرب، الذي كان فيه الكثير من التبصر، نادر الظهور.
لقد فشلت برامج الإنقاذ المختلفة الخاصة ببلدان الجنوب الأوربي. وخلفت وراءها قاعا بلا نهاية، طلب من دافعي الضرائب ان يردموه. ولم يصبح ملحا في اي وقت مضى كما اليوم، إيجاد حل تضامني عالمي ومستدام لمشكلة الديون. وسيكون غير مفهوم، ان يجري السعي بأي شكل لتأجيل ذلك، من اجل ضمان إعادة انتخاب المستشارة الألمانية (في الانتخابات التي ستجري في ألمانيا في الخريف القادم). اننا نعتبر مؤتمر الديون الأوروبية الذي نقترح عقده على غرار مؤتمر لندن بشان الديون الألمانية في عام 1953 الحل الواقعي الوحيد حاليا لصالح جميع الأطراف المعنية.و سيكون هو الرد العالمي على ازمة الديون، و على الفشل الواضح للسياسة الأوروبية. ووفقا لذلك فان مطالبنا بشأن الوضع في اليونان هي:
• اجراء خفض كبير في القيمة الاسمية للدين العام؛
• تأجيل تسديد خدمة الديون، بما يحرر القدرات المالية لتحفيز الاقتصاد؛
• العمل بشرط "الاستدامة" لمنع خدمة الديون من خنق الانتعاش الاقتصادي وهو في مهده؛
• إعادة رسملة البنوك وعدم السماح بإضافة المبالغ الموظفة الى مديونية الدولة اليونانية.
وينبغي أن تصاحب هذه التدابير اصلاحات ترمي إلى توزيع أكثر إنصافا للدخل والثروة. فانهاء الازمة يعني قطع الصلة بالماضي الذي تسبب فيها. وهذا بدوره يعني المزيد النضال من اجل مزيد من العدالة الاجتماعية، والحقوق المتساوية، ومزيدا من الشفافية في السياسة والشؤون المالية. وباختصار: مزيد من الديمقراطية. ولا يمكن تنفيذ هذه المهام الا على يد حزب مستقل حقا. مستقل عن الطغمة المالية، اي عن شلة مدراء الشركات التنفيذيين، الذين اخذوا الدولة رهينة، وعن ملاك السفن، الذين لم يدفعوا حتى وقت قريب الضرائب وعن زعماء الإعلام ، والبنوك المفلسة، الذين يضعون في كل مكان من اللعبة أصابعهم، أي عن الناس الذين يتحملون المسؤولية الأولى عن اندلاع الأزمة، ويفعلون الآن كل ما في وسعهم للحفاظ على الوضع القائم. وان منظمة الشفافية الدولية غير الحكومية اعطت في احدث قائمة أصدرتها، توصيف البلد الأكثر فسادا في أوربا (تسلسل اليونان في القائمة العالمية هو 94 من بين 174 بلدا، وهو نفس مستوى الهند، وكولومبيا، والسنغال).
وفي قناعتنا يمثل هذا المقترح، البديل الوحيد لمزيد من النمو الهائل لمديونية الدولة في أوربا، والتي بلغ متوسطها في بلدان الاتحاد الاوربي 90 في المائة من الناتج الإجمالي المحلي . وهذا بالضبط ما يجعلنا متفائلين بعدم إمكانية رفض خطتنا، لأن الازمة وصلت الى البلدان الرئيسية في منطقة اليورو. وان اي تأجيل سيؤدي الى مزيد من ارتفاع التكاليف الاقتصادية والاجتماعية، ليس في اليونان وحدها، بل في ألمانيا أيضا، والبلدان الأخرى الأعضاء في الاتحاد النقدي.
ووفقا لمنطق الليبرالية الجديدة ظلت منطقة اليورو، في الـ12 سنة الماضية، محض اتحاد نقدي، ولم يتحقق ما يماثله على الصعيدين السياسي والاجتماعي. وكان العجز التجاري لبلدان الجنوب الأوربي، صورة طبق الأصل للفائض المتحقق في بلدان الشمال. باستثناء ذلك استفادت ألمانيا من العملة الموحدة، لأنها ساهمت في تباطؤ الاقتصاد بعد إعادة توحيدها المكلفة. ولكن الازمة جعلت هذا التوازن يهتز. وكان رد حكومة برلين تصدير وصفاتها التقشفية. وأدت هذه السياسة من جهة الى تعميق الانقسام الاجتماعي في بلدان جنوب أوروبا، وفي الوقت نفسه الى زيادة التوترات الاقتصادية في مركز منطقة اليورو. وبدأ يتشكل تقسيم للعمل بين الدائنين في الشمال والمدنيين في الجنوب، بتنسيق من قبل أغنى دول منطقة اليورو. وأعطي للجنوب في هذا التقسيم دور بلدان الأجور المنخفضة، التي ينبغي لها التركيز على المنتجات التي تتطلب كثافة في العمل، وعلى تقديم الخدمات، في حين تركز بلدان الشمال على الجودة العالية والابتكار، مما يوفر - للبعض على الأقل- رواتب اعلى. يجب ان لا تتحول اليونان الى مستعمرة مالية لأوربا في لقاء مع النسخة الالكترونية من مجلة "شبيغل"، الصادرة في العاشر من ايلول 2012 ، اقترح هانز بيتر كايتل رئيس اتحاد الصناعات الالماني ان تصبح اليونان "رقعة اقتصاد استثنائي في منطقة اليورو". وهذا المقترح يسلط الضوء على الدوافع الحقيقية وراء مذكرة ايار 2010 التي فرضت بموجبها الترويكا* برامج التقشف الوحشية على اليونان، وبيّن ان الاجراءات التي تضمنتها الاتفاقية النافذة في الاقل حتى عام 2020، فاشلة ومدمرة، وهذا ما اعترف به حتى صندوق النقد الدولي. وبالنسبة لاولئك الذين ابتدعوا هذه الاتفاقية، فان المفيد لهم هو وضع اليونان تحت الوصاية، التي تعطي البلاد وضع مستعمرة مالية في منطقة اليورو. ولهذا فان إنهاء العمل بالاتفاقية هو شرط أساسي لإنهاء الأزمة. لان هذا النوع من العلاج مميت، ليس بسبب حجم جرعته فقط، كما يحاول البعض اقناعنا بذلك. فنحن لا ننسى تأثير العوامل الداخلية للازمة المالية في اليونان، لكن هذا لا يغير من حقيقة اهدار المال العام. فلا يوجد مكان في أوربا يكلف فيه تعبيد كيلومتر واحد من الطرق أكثر مما في اليونان. ومثال آخر: يدعون ان خصخصة الطرق السريعة ستخدم "تمويل" انشاء طرق جديدة، ولكن هذه الطرق بقي انشاؤها معلقا حتى الآن.
ولهذا لا يمكن تفسير التفاوت المتزايد على انه تأثير ثانوي للازمة، فالنظام الضريبي اليوناني هو تعبير عن المحسوبية التي اشاعتها النخبة في البلاد. وبفضل مواد الاعفاء العديدة، اصبح هذا النظام مليئا بالثقوب ويشبه الغربال، ومصمما خصيصا ليعود بالفائدة على هذه النخبة. ان هذه الحزمة انما تستند، منذ نهاية الدكتاتورية في اليونان، الى اتفاق غير رسمي بين الشركات ونظام الحزبين: حزب الديمقراطية الجديدة، وحزب باسوك. وهذا هو احد الاسباب التي تجعل الدولة تقوم بمزيد من خفض الأجور والرواتب التقاعدية، بدلا من استحصال واردات الضرائب ضرورية. وقد استطاع الحزبان، في الانتخابات الأخيرة، البقاء على الحياة ، بفضل نشرهما الخوف من الخروج من منطقة اليورو، ومنحهما الفساد إكسير الحياة مرة أخرى. وسيكون من أولويات حكومة الشعب بقيادة SYRIZA تحطيم الاتفاقات السرية بين النخب الاقتصادية والسياسية.
واننا لنطالب بخفض كبير للديون أيضا ، تحقيق تغيير في اليونان. واذا لم يحدث هذا، فسيكون الفشل مصير كل المحاولات لإعادة تأهيل الدولة ماليا. مثلما هو حال مساعي سيزيف المعروفة. ولن تحدث الدراما في مدينة كورينث وحدها، بل ستشمل اوربا كلها.



https://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن