سيكولوجية الخيانة : تحليل لدور الضحية

حمودة إسماعيلي
Bboyhamoud@hotmail.com

2013 / 3 / 5

ثق في الآخرين لكن لاتجعلها ثقة مطلقة
¤ فينلي بيتردان

الحديث عن الخيانة، هو حديث عن فعل أو سلسلة أفعال تؤدي لهدم علاقة إنسانية تجمع بين طرفين، بين الفاعل أو الذي يقوم بهدم الأساس الذي تُبنى عليه العلاقة، نسميه الخائن؛ وبين المنفعل أو الذي يسبب له انهيار العلاقة وقعا سلبيا على نفسه، نسميه الضحية طالما أنه يمكننا تعريف الضحية بالشخص الذي تعرّض لضرر مادي أو معنوي. نشير هنا أن انهيار العلاقة يلزمه هدم للأساس وهو الثقة، فمن دون ثقة لا وجود لخيانة.
يتم توجيه الخيانة من فرد نحو فرد كشريك، زوج، صديق، قريب؛ أو من فرد نحو جماعة كالطائفة الفكرية، الدينية، السياسية، الإجرامية؛ أو من جماعة نحو جماعة وهو مايعرف بالانشقاق أو الاختلاف.
حسب النظرة الاجتماعية هناك فرق بين الخيانة والغدر، فإن كان الأخير خيانة مقصودة عن طريق تخطيط مسبق كالنصب والاحتيال، فإن الأولى طارئة أي تبرز بسبب ظروف مساعدة، وهذا لا ينفي طبعا وجود قابلية للفعل. كلا الحالتين لا يكمن حدوثهما دون وجود ثقة الطرف الآخر، الأمر الذي يبين الدور المهم الذي يلعبه هذا الطرف في العملية، ففي الخيانة كما في الأفعال الإجرامية يتم التركيز على الفعل والفاعل دون التركيز على المنفعل بنفس الدرجة، ما يجعل الدراسة أو التحليل ناقصا.

يمكن أن نعرّف الثقة بأنها رؤية أي فكرة مسبقة عن شخص، تتوقع أفعاله المستقبلية لدرجة اليقين من منطلقات آنية، فانطلاقا من الحاضر يتوقع الإنسان أن سلوك الآخر لن يتغير مع المستقبل، رغم أن الواقع في تغير مستمر مع حركة الزمن، مايعني احتمال تغير أفكار وسلوك الإنسان طبقا لظروف الحاضر المتغيرة، كمحاولة منه للتكيف مع الواقع. فعدم الأخد بالاحتمال يولد إيمان جازم، فالإيمان بوجود شيء، يعني التصديق بوجود شيء يحتمل أن يوجد أو لايوجد؛ والقطع بالوجود مع احتمال عدم الوجود يسبب صدمة نفسية إن تم الكشف عن عدم الوجود، فحدوث عكس ماكان يتوقعه المعني يكشف عن بلاهته التي جعلته ينخدع، الأمر الذي يعتبر إهانة للذات. وسبب عدم أخده بالاحتمال هو اعتقاده بامتلاك الآخر والسيطرة عليه دون اعتبار لاستقلاله أو حريته، فالتملك يشعر صاحبه بالأمان "فهو يعتمد في وجوده على ما يملك.. أي على شيء خارجه. فما الذي يبقى منه إن هو فقد مايملك ؟"، كأنك تجده يقول "إذا كنت أنا هو ما أملك، ثم فقدت ما أملك، فمن أكون؟ لن يبقى سوى شاهد مهزوم، متضائل، مثير للشفقة"(1)، وبذلك يستمر في اعتقاده بامتلاكه للآخر، ما يحقق له سلطة على هذا الآخر ومحاولة للتحكم فيه، الطرف الآخر يرى من جهته الأمر على أنه استغلال له، وكمحاولة لرد الاعتبار يُظهر للمتملك أنه مستقل ولاسلطة له عليه وذلك بالبحث عن موضوع أو علاقة أخرى، هذا التغيير اللامتوقع الذي يحدثه المستَغل(المتضرر) في نطاق العلاقة يشكل صفعة للمتملك الذي يعتبر ذلك خيانة وإخلال بالاتفاق. الأمور التي تجعل الطرفان يبدوان ضحيتان لعلاقة ملتبسة ومشوهة حيث يرى كل منهما "الآخر ، هو الجحيم"(2). وغالبا مانجد للخائن تبريرا لما قام به، فتصرفه بالنسبة له ليس فعلا بقدر ما هو رد فعل عن تعرضه للإذلال الذي سببه الآخر، أي رد الاعتبار لذاته كما ذكرنا سابقا. ولا يخفى علينا أن أهم دافع هنا هو البحث عن المصلحة الشخصية، هذه المصلحة التي تُبقي أحيانا على العلاقة رغم الخيانة، طالما أن الطرفان يستفيدان من البقاء على ذلك الوضع منه لو انفصلا.

فيما يتعلق بالانخداع فإن الإنسان يحتاج "في الحقيقة إلى تجربة ما في العيش ليصبح ما أقول إنه إنسان صحيح شاك في طبيعة الدوافع البشرية. وأنا أنصح أن يغدو شاكا في طبيعة الدوافع البشرية بصورة صحية. إن ذلك يجعل الحياة أوضح بكثير، ويحمي المرء من الأخطاء الكثيرة، ويعني أن المرء لا يسقط جراء كل الحيل العاطفية حسنة القصد، التي من أجلها يخادع الناس بعضهم بعضا ويخدعون أنفسهم"(3). أما بالنسبة لشبه المغيبين من يتعرضون للنصب من طرف غريب كان أو قريب، فتلزمهم ركلة ديكارتية [ أنا أشك إذا أنا أفكر ]، فطَمعُهم يشل قدرتهم على التفكير المنطقي.

يمكن أن يشكل دور الضحية بالنسبة للبعض فرصة للظهور بمظهر المضهَط الذي يحتاج للدعم لافتا بذلك انتباه الآخرين، وهم من يضعون أنفسهم في مثل تلك الوضعية عن طريق التظاهر بالسذاجة والتمادي مع تصرفات الخائن بل تسهيل الأمور له (هذا إن لم يتم توهّم الأمر بأكمله !)، بهدف تتبيث اعتقاد بارانوي أنهم دائموا التعرض للتنكر والإساءة ولايعرفون طعم الحب والسعادة أو لايستحقونها وبذلك هم مختلفون عن الآخرين أو بالأحرى متميزين، ما يكشف عن طبع مازوخي غريب.

نجد أن الخيانة نتيجة لعلاقات إنسانية مريضة بسبب دوافع التملك والسيطرة وحب الذات المرضي زيادة على البلاهة والأوهام الفكرية، مايجعل هذه العلاقات كسجون ومعتقلات يسعى كل من يهرب منها بحثا عن الحرية، مغضوبا عليه يجب معاقبته. الأمر الذي يكشف عن طفولة نفسية وحضارية لازالت تتخبط فيها هذه العلاقات بأطرافها، لذلك فمن جهتنا لا نقدم حلولا بقدر ما نقدم افتراضات. ف"لنفترض حياةً نخلقها بحرية من الألف للياء، لنفترضِ المرأةَ والرجل وقد شُفِيا من الخوفِ والخضوع متحرّرَيْن من التملك ليسَ لهما شيءٌ للبيعِ ولا للشراء عاشقَيْنِ على الدّوام وفانيين على الدوام"(4)، ولنكرر العبارة مستبدلين المرأة والرجل بالناس كذلك، ف"لنفترضِ الناس وقد شُفوا من الخوفِ والخضوع وتحرروا من التملك ليس لهم شيء للبيع ولا للشراء عشاق على الدوام وفانين على الدوام، لأنه "عندها سنُلغي الكمَّ الكافيَ من العذاباتِ غيرِ المعقولة، لنُبقِيَ فقط على تلك التي تغذي اليقظةَ، السؤالَ، والسعيَ وراء أنوارٍ محتملةٍ وغيرِ محتملة، سوف نشملُ بالعناية كفَلذَةِ الكبد كلَّ قطرةِ ماء كلَّ حبةِ رمل وكلّ جُزَيْءٍ في الهواء، وأقربَ إلينا كلَّ ما هو هشّ مُتلعثم زائل وما تَرسّبَ في باطنِ الرّوح من شعورٍ بالوحدة أو الخوف"(5). ولزيادة في التوضيح لايسعنَى سوى القول أن "الناس يساندون ذلك الذي يحترم استقلاليتهم" لذلك :

دع للآخرين فرصة كي يكونوا أحرارًا .
أحرار في أن يقبلوك ، أحرار في أن يرفضوك .
دع الفرصة للآخرين كي يكونوا أحرارًا في أن يحبوك ولا يحبوك..
إن الحب لا يمنح إلا من منطلق الحرية ، لأن أقل التزام به يجعل العاطفة تفتر
دع الآخرين كي يكونوا أحرارًا . أحرار في اعتناق أفكارك ، أحرار في أن تناقشهم بحماس..
إن محاولة السيطرة على الآخرين لا جدوى لها سوى أنها تجعلهم يقاومونك(6).

ـــــــــــــــــــــــــــــ
هوامش :
1 : إريك فروم - الإنسان بين الجوهر والمظهر، ترجمة سعد زهران، سلسلة عالم المعرفة، الكويت ـ ص103
2 : سارتر - جلسة سرية، ترجمة مجاهد مجاهد، دار النشر المصرية 1958م ـ ص100
3 : إريك فروم - فن الإصغاء، ترجمة محمود الهاشمي، منشورات اتحاد كتاب العرب، دمشق 2004م ـ ص142
4 : عبد اللطيف اللعبي - قصيدة افتراضات، ترجمة عبد الهادي السعيد ـ الموقع الرسمي لعبد اللطيف اللعبي
5 : عبد اللطيف اللعبي - المصدر السابق
6 : ديڤيد فيسكوت - كتاب في التأملات، منشور على صفحات الأنترنت ـ ص112



https://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن