هل ذهبتم الى هناك ؟

اسماعيل شاكر الرفاعي
Kitab333@hotmail.com

2013 / 3 / 5

في الاسبوع الماضي ابتدأَ مقدم أحد البرامج السياسية على قناة الحرة /عراق برنامجه بتوجيه السؤال الآتي :هل ذهبتم الى هناك ؟ أي الى مكان المتظاهرين . وجه مقدم البرنامج السياسي هذا السؤال الى ضيوفه من قيادات [ أحزاب خارج الحكم ] كما سمّاها . استفزني السؤال الذي يمكن ان يوجه الى أغراب وليس الى عراقيين ، وازداد استغرابي حين لم يحتج احد من قياديي الاحزاب على السؤال .. اتوقف عند هذا السؤال ولا اتجاوزه الى الاسئلة الاخرى ، ولا الى ما ورد على السنة القياديين من اجابات . ذلك لأن مَن لا يحتج على سؤال يسلب منه عراقيته ، لا اظنه بقادر على ان يجعل اجابته شافية تحمل التشخيص والعلاج في آن واحد . فهؤلاء القياديين حين أجابوا على السؤال بالايجاب : أي انهم شكلوا وفوداً لزيارة المتظاهرين { لحوارهم ولاكتشاف ما تنطوي عليه شعاراتهم من مضامين } اعترفوا علناً بانهم قد ذهبوا في رحلة استكشاف لمنطقة كانت مجهولة بالنسبة اليهم . ولولا صيحة المتظاهرين العالية التي جاءت من ذلك المكان لما ذهبوا الى هناك . وها هم في هذا البرنامج السياسي يقدمون شهاداتهم عما سمعوه وعما شاهدوه ، ويقيسون ذلك على ما لديهم من رؤية ومن مثال سياسي سابق . فكما شكلت الحكومة لجنة حكماء ، شكلت الاحزاب { خارج السلطة } لجان حكمائها لزيارة هذا الصقع الجغرافي الجديد وكتابة التقارير لموفديهم عن حالة هؤلاء المتظاهرين . هذا يعني انه لا توجد لدى هذه الاحزاب تشكيلات حزبية هناك . ما تعريف الحزب وكيف يحوز على هذا اللقب وهو يفتقد لشبكة تنظيمات في ثلاث محافظات ؟ هل يكفي وجود قيادة واعلام مركزي في بغداد وحدها لينال ــ تجمع ما ــ اسم حزب ؟ كيف تقيّم هذه التجمعات نشاطها السياسي والثقافي وتخرج باستنتاجات على انها { حزب وطني } ، وشبكتها التنظيمية تتوقف عند حدود المحافظات الغربية ولا تتعداها ؟ هل يثلم ذلك من شرعية ما تدعيه على انها أحزاب ؟ وهل يصح ان تتسلم شيئاً من المال العام وكل شئ يشير الى انها لم تبلغ بعد شأو تعريف الحزب ؟ .. يمثل الحزب تياراً فكرياً لا قيمة لمقولاته السياسية ان لم تتحول ــ من خلال النشاط العملي ــ الى ثقافة عامة تؤمن بها الملايين ، اذ يمكن العثور على معاني الديمقراطية والليبرالية ..الخ في عشرات الكتب التي تتحدث عنها .. أفهم السياسة على انها النشاط البشري الذي يتداخل فيه العملي بالنظري ولا قيمة لأي تنظير في الحقل السياسي ان لم يكن تتويجاً للتجربة العملية . فمنذ البدء ارتبط هذا الحقل الفكري بدراسة ما خلفه اليونانيون وراءهم من دساتير دول المدن اليونانية ، ورغم ان الممارسة البشرية تجاوزت ثنائية الاحرار ــ العبيد التي كُتبت في ضوء منها دساتير المدن اليونانية من حيث الحقوق المبنية على اساس نظرة الاحرار { وليس العبيد } الى الكون والى دور الانسان في الحياة التي دارت من حولها دراسات ارسطو السياسية ، الاّ ان أهمية منهج البحث السياسي الذي افتتحه تنبع من كونه يركز على الدنيوي من أفعال البشر بتحليله لتشريعاتهم التي استلهموها في تنظيم علاقاتهم الداخلية { علاقتهم بالسلطة من جانب وبعبيدهم من جانب آخر } وفي علاقاتهم الخارجية { أو بما كانوا يسمونهم البرابرة } . وفي عصر النهضة جاءت الاطروحات النظرية لكتاب الامير لمكيافلي تتويجاً لدراسته افعال البشر السابقة في دويلات المدن الايطالية . وبهذا المعنى فأنني لا اتفق مع مقدم البرنامج في توصيفه لضيوفه بانهم يمثلون [ احزاب ] خارج السلطة ، لان هذه [ الاحزاب ] تفتقد لشرط وجودها المتمثل بالنشاط العملي وبالانتشار وفقاً لمقولات سياسية نابعة من التجربة المعيوشة وغير سابقة عليها . والى الوقت الذي يتوقف فيه ساسة العراق عن استيراد نظريات سياسية جاهزة من الماضي ، او باستيرادها كما نستورد كل شئ في الاوان الذي نعيش من الخارج ، تظل ما سمّاه مقدم البرنامج : [ أحزاب خارج السلطة ] جزءً من الازمة العامة [ اي لا تتمكن من ان تلعب دور المعارضة السياسية ] وهي مسؤولة مثل احزاب الحكومة عن هذا التردي الفكري والسياسي والثقافي الذي سمح لقوى متطرفة ان تزحف بشعاراتها الطائفية وتتقدم صفوف المتظاهرين ...



https://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن