مكان شاغر

جمال الدين أحمد عزام
gamalazz@gmail.com

2013 / 2 / 26

مكان شاغر

أغلقت باب الشقة خلفها، نزلت السلم، خرجت من باب العمارة، لفحتها هبة هواء باردة، لفت الكوفية حول رقبتها، دست يديها في جيبي سترتها السوداء، انطلقت تمشي بجدية سالكة الشوارع الضيقة. وصلت إلى الشارع الرئيسي، جلست على الأريكة الخشبية تنتظر أوتوبيس الشركة. الشمس لم تشرق بعد، الغبشة المزرقة ما زالت تصبغ السماء و المرائي، أعمدة الإنارة لم تزل تبث أضواءها. تحققت من رفع رقبة كنزتها الرمادية و عدلت الكوفية فوقها مرة أخرى.
...يا إلهي!، الجو شديد البرودة، هل كان يجب أن تتعطل سيارتي، على كل لن ينل هذا من نظام حياتي سوى فترة قصيرة...
أخرجت يسراها من جيبها، أخذت تنظر في ساعتها و تمد ناظريها بعيدا ترقب مجيئه. دست يدها في جيبها ثم أطرقت مغمغمة..ما زال الوقت مبكرا.
...كلا، كلا، لا تعاوديني أيتها الأفكار اللعينة، هذا ما كنت أخشاه، إذا وجد فراغا سيبدأ في دفع المعاني لتتداعى، شغلت نفسي بنظام دقيق مكثف لا يترك لحظة لعقلي أن يحدثني، استقر الأمر على ذلك عشر سنوات، نفس النظام لا يتغير مهما حصل، الصحو مبكرا في نفس الموعد؛ الخامسة صباحا، الخروج بالسيارة من شارعي الضيق إلى الطريق الرئيسي متجهة إلى الشركة دون تغيير لخط السير، تنظيم الأوراق و ترتيب الدفاتر في قسم الأرشيف حيث أعمل بمفردي، إعادة ترتيب و تنظيم الملفات مرار لامتصاص الزمن و إلهاء العقل و إخضاع النفس، أنصرف في الثالثة، أعود إلى البيت، أتناول الغداء؛ وجبتي الوحيدة، أنام قليلا، أصحو، أقرأ طوال الليل، أختار أصعب الموضوعات و أعقد الكتب، أتحدى قدرتي على الفهم، أدس عقلي في زحام من الأفكار حتى لا يلتفت إلي، لا أشاهد التلفاز لأنه لا يشغل العقل كفاية بل يجعلني أتلقى في إسترخاء يسمح له بالعربدة الذهنية، أنام في الثانية عشرة، و عندما يأتي يوم الجمعة أصحو متأخرة، أنظف الشقة، أعد طعام الأسبوع، أعود لقراءاتي، أهرب من تداعي المعاني، من التفكير، ألتهي بنظامي الذي نجح في حمايتي حتى الآن، أنهك جسدي و عقلي هروبا من تلك الأفكار و خنقا لتلك الغرائز، أتممت الثانية و الأربعين، عشت خمسة عشر عاما بمفردي بعد موت أمي، فشلت في أن أتزوج و أنجب فبدأت الهلاوس، و لكني نجحت بعد علاج طويل في خلق عالمي المحصن طوال السنوات العشر الأخيرة، السر في النظام، في الروتين، في الانشغال الدائم المنظم، و لكن سيارتي خربت ذلك النظام لأجدني مضطرة للانتظار دون انشغال و هذه هي البداية، ما كنت لأفكر في كل ذلك و لا أن أدير هذا الحوار السري الصاخب مع نفسي لولا فراغ الانتظار، هذه غلطتي، غدا سآخذ معي كتابا لأقرأ ريثما يأتي ذلك الأوتوبيس...
جاء الأوتوبيس من بعيد.
... ..ماذا حل بسيارتك؟!..لا أعلم، تركتها في الورشة لإصلاحها..حظك حسن فقد ركب الجميع و كنت على وشك المغادرة لولا أن أشرت إلي، اعذري غضبهم لانتظارك فالكل يتعجل العودة إلى منزله بعد يوم عمل مرهق..حسنا، ادخل من هنا، لماذا توقفت؟!..أنا آسف، لا أستطيع الأوتوبيس عريض، لا يمكنه دخول هذا الشارع الضيق..و الحل؟! كيف ستوصلني غدا؟!..يمكنك انتظاري هنا لدى تلك الأريكة..حسنا، شكرا، لا تنسى، سأنتظرك غدا...
صعدَتْ، ركبَتْ دون أن تنطق بكلمة، الأوتوبيس كان خاويا تقريبا، جلسَتْ بجوار نافذة في الخلف، أخرجَتْ من حقيبتها منديلا ورقيا، تسلل نور الصباح الدافئ غامرا وجهها، أخذت تراقب الشوارع و الناس في دهشة و قد تغير مسار حركتها اليومي، إكتظ الأوتوبيس بالركاب.
...ما هذا الزحام!، أنا أختنق، ما كل هؤلاء!، كيف يتحملون هذا كل صباح!، كيف سأتحمل يوما آخر و أنا لم أطق أول مرة أذهب فيها إلى العمل معهم!، كنت البارحة لدى عودتي مندمجة في إرشاد السائق و جالسة لديه في المقدمة فلم أنتبه لهذا الزحام، متى سيصلحون سيارتي؟!...
وصل الأوتوبيس إلى الشركة، نزلت و انطلقت إلى مكتبها تمشي بجدية و هي تزفر بشدة و تغمغم في ضيق.
في صبيحة اليوم التالي، إقتربت من أريكتها فوجدت فتاة صغيرة جالسة تضع حقيبتها المدرسية على فخذيها و تؤرجح ساقيها. اقتربت من الأريكة أكثر، أخذت تحدق في الفتاة بقلق، نظرت بعيدا ثم عاودت النظر إليها متفحصة وجهها و مريولها و حقيبتها، ازدردت لعابها و جلست. انتبهت الفتاة لوجودها، إلتفتت إليها، توقفت عن أرجحة ساقيها، ابتسمت لها و حيتها..صباح الخير. نظرت إليها في قلق و لم ترد، أخرجت الكتاب بيد مرتجفة و دست وجهها فيه. أخذت الفتاة تتحدث..الجو بارد اليوم، أليس كذلك؟!، لكني مضطرة للانتظار هنا، جئت و جدتي للسكنى في هذه المنطقة، الشوارع هنا ضيقة، أوتوبيس المدرسة لا يستطيع الدخول. سكتت للحظات ثم عاودت أرجحة ساقيها لتتوقف عن الأرجحة مرة أخرى مواصلة رغم عدم التجاوب..اسمي أمل، أنا في الصف الخامس و عمري عشر سنوات. إلتفتت إلى الناحية الأخرى مردفة..يبدو أن أوتوبيسك قد أتى. دست الكتاب في حقيبتها و نهضت. ركبت الأوتوبيس شبه الخالي، جلست في نفس مكانها، نظرت عبر النافذة، لوحت لها الصغيرة مودعة. أشاحت بوجهها، اتسعت حدقتيها و تعرقت رغم برودة الجو. وصلت إلى الشركة، انطلقت نحو مكتبها، ألقت بنفسها على كرسيها.
...يا إلهي!، هذا ما كنت أخشاه، هل عاودتني الحالة، لقد ظللت أتعالج خمس سنوات ثم انتهى الأمر و تلاشت الضلالات تماما لمدة عشر سنوات في ظل نظامي الدقيق، اسمي أمل و عمري عشر سنوات، يالها من هلوسة مكشوفة، أوتوبيس المدرسة لا يستطيع الدخول، يا لها من صدفة، يبدو أن المرض يريد الإنتقام لحرمانه من اللعب بي طوال تلك المدة، كانت فتاة صغيرة أيضا، ربما كانت أصغر، الملامح مختلفة و لكنه نفس الإحساس الذي يراودني عندما تظهر، إحساسي برغبة في ضمها و كأنها ابنتي، ويلي لقد استيقظ كل شيء دفنته في بئرعقلي، استيقظت كل الهواجس و المكبوتات و الاحباطات، نهض مارد الحرمان من غفوته ، عاد جلدي للاقشعرار و عادت شفتاي للإرتعاش، الرغبة الملعونة، الهياج المجنون ثم اليأس من إطفاء لهيب الجسد و الحزن العميق، تنزوي الرغبة الشبقة ثم تشتعل رغبة الأمومة، سأتصل بهذا الأحمق، كل ذلك بسبب سيارتي...
أخرجت هاتفها الخليوي من حقيبتها، طلبت الرقم بتوتر..ما معنى هذا؟!، سأنتظر أسبوعا!، ماذا!، السيارة قديمة و حالتها سيئة. ألقت بالهاتف على المكتب، دفنت وجهها في كفيها، مسحته بهما، ذرفت دمعة، قاومت البكاء، بدأت العمل.
عادت إلى بيتها، بحثت في خزانة الأدوية عن أدويتها، تفحصت العلب، صاحت..بالطبع، انتهى تاريخ صلاحيتها!. ألقت بها بعصبية في سلة المهملات، شطفت وجهها بالماء، تأملت ملامحها المضطربة و قد تلاحقت أنفاسها، انطلقت إلى الخارج ممسكة بعلبة دواء، نهبت السلم نهبا، ركضت في الشارع، توجهت إلى صيدلية..لا بد من روشتة..أرجوك!، أنا مسافرة الآن و ضاعت مني الروشته. أعطاها الدواء على مضض. عادت إلى البيت مسرعة، تناولت الدواء، استلقت على السرير.
...لن أقلق، لن أتوتر، هذا عرض زائل، ستزول تلك الفتاة، ستزول. ها هي واقفة بعيدا تناديني..أمي!، أمي!. جرت نحوي، احتضنتها بقوة، أغرقتها بوابل من القبلات، أجهشتُ بالبكاء...
انتفضت جالسة على سريرها متعرقة دامعة العينين، انطلقت نحو الحمام، شغلت الدش، جلست تحت الماء البارد بملابسها، ضمت ركبتيها إلى صدرها، إرتج جسدها و قد علا صوتها بالبكاء.
...كلا، ليس ثانية، نفس الحلم القديم يعود، لم يتغير سوى شكل الفتاة، كل شيء ظل على حاله و إن كمن، إنفلاتة واحدة عن الروتين المتشابك، ثغرة في شباكه المتينة أطلقت كل شيء مرة أخرى...
وجدَتها جالسة على الأريكة، أوقفت الصغيرة أرجحة ساقيها و حيتها. لم تعرها إهتماما، أخرجت كتابها، ألصقته بوجهها و الصغيرة تتحدث عن المدرسة، عن زميلاتها، عن مرض جدتها. ثم تهدج صوتها الصغير و هي تتحدث عن شوقها لأمها الميتة..كان أملي أن أراها، ولدتني و ماتت. جاء أوتوبيس الشركة، ترددت في النظر من النافذة، لمحتها تحييها بحماس.
...الحمد لله، الأريكة خاوية، لقد اختفت، إحتاج الدواء ليومين كي يعمل، و لكن الحلم ما زال يراودني، لا يهم طالما ظلت حلما، و لكن ما هذا الشعور!، هل تضايقت من اختفائها، ربما، على كل، ليس هذا بجديد فقد حزنت عندما اختفت الفتاة القديمة، إنه حزن وهمي مؤقت لن يدوم، سأستلم السيارة غدا و أعود إلى منظومتي الدقيقة...
أغلقت باب الشقة، نزلت السلم، خرجت من باب العمارة ركبت سيارتها الصغيرة الرابضة لدى الباب، أدارت المحرك، أحمتها ثم تحركت، خرجت إلى الشارع الرئيسي، ألقت نظرة على الأريكة الخاوية.
كانت ليلة طويلة، اندمجت في القراءة، نامت و هي جالسة، صحت و الساعة تدق الخامسة صباحا.
...ما زلت أحلم بها، ما هذا الذي رأيت، الشعار الذي على صدرها، "أمل سعيد محمود، مدرسة المجد الإبتدائية"...
خرجت من الحمام، ارتدت ملابسها، همت بالخروج، توقفت للحظة و هي ممسكة بمقبض الباب، شخصت عيناها، تركت المقبض، ألقت بحقيبتها، جرت نحو هاتف الشقة، فتحت دليل الهاتف، أخذت تقلب فيه بعصبية، نزلت بسبابتها تمسح صفحة ثم توقفت، هرعت إلى الخارج، انطلقت بسيارتها، نظرت إلى الأريكة الخاوية، زمجر المحرك القديم و هي تنقل السرعة منطلقة في الشارع الرئيسي.
دخلت من الباب المعنون، "مدير المدرسة". المديرة تقول و هي تغلق الدفتر..أنا آسفة.
ظلت في سيارتها لدى الباب الخارجي، لم تنفك تظر في ساعتها في توتر و يداها ممسكتان بالمقود، سمعت جرسا عاليا، تنبهت حواسها و أخذت تراقب، تهلل وجهها فجأة ثم أدارت المحرك.
..هل لديكم طالبة اسمها أمل سعيد محمود في الصف الخامس. أخذت تقلب في الدفتر..نعم، ها هي..هلا أعطيتني عنوانها؟..أنا آسفة، لا أستطيع..أرجوك!..أنا آسفة.
طرقت الباب ففتح و صوت عجوز يأتي من الداخل..من يا أمل؟!
سوت لها مريولها ثم قبلتها، حملتها و ذهبت إلى حجرة الجدة..إلى اللقاء يا أمي، إدعي لنا. مضتا و الأدعية تلاحقهما.
ظلت تسير خلف أتوبيس المدرسة، توقف، نزلت منه الصغيرة على رأس شارع ضيق. دخلت وراءها الشارع بسيارتها، تتبعتها حتى وصلت إلى عمارة، غمغمت بعد ضحكة مكتومة ساخرة..إنها في المربع المجاور؛ على بعد أمتار قليلة من بيتي!. صعدت الصغيرة بعدما حيت البواب بينما ظلت هي في سيارتها مترددة.. قاومت ترددها، قالت بصوت خفيض..كفاني! و خرجت. سألت البواب و صعدت، ترددت في طرق الباب ثم طرقت. فُتح الباب، استغربت الصغيرة، الصوت يأتي من الداخل..من يا أمل؟!. ربتت على رأسها الصغير قائلة..غيرتِ مكان إنتظارك، أليس كذلك؟!. ردت الصغيرة و لم تزل مندهشة..بلى، أصر سائق أوتوبيس المدرسة على ذلك. جثت على ركبتيها، احتضنتها بقوة، استسلمت لها الفتاة، أجهشت بالبكاء فربتت الصغيرة على ظهرها.
..حكيت لك كل شيء عني، فهل تقبلين أن أحيا معكم؟، أن أكون ابنتك و أن أكون أمها؟ بشت العجوز رابتة على يدها..أهلا بك في بيتك. قبلت يدها المتغضنة دامعة و أمل تحتضنها من الخلف.
ركبتا السيارة الصغيرة و مازال رنين الأدعية يحف بهما. سارت بها تجوب الشوارع الضيقة..إلى أين تذهبين يا أمي؟!، طريق المدرسة ليس من هنا!. ابتسمت..أعلم، سنجرب طريقا آخر.
تمت



https://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن