سيكولوجية البيدوفيلي أو المتحرش جنسيا بالأطفال

حمودة إسماعيلي
Bboyhamoud@hotmail.com

2013 / 2 / 18

منْ يكنْ يعْشَقُ النّساءَ فإنّي
مُولَعُ القلْبِ بالغلامِ الظريفِ
¤ أبو نواس

البيدوفيلي هو لقب كل شخص "راشد تنجذب ميوله الجنسية نحو الأطفال"(1)، نظرا لاشتقاقه من البيدوفيليا παιδοφιλία مامعناه عِشق الطفل باليونانية.
تزخر الكتابات الشعرية والنثرية والأعمال الفنية عند الإغريق بموضوع حب الأطفال، فالحب كعاطفة يسمو بها الإنسان نفسيا تُلزمه اختيار ذات جميلة لها قيمة اجتماعية، الأمر الذي جعل الإغريقيين المُألِّهين للجسد الإنساني والمقدسين لجماله (الذكري بالأخص)، يفتخرون بحبهم للشبان والغلمان باعتبارهم العناصر الأرقى مكانة في ظل حضارة ذكورية ليس فيها للأنثى دور سوى الإنجاب.
تم تصنيف البيدوفيليا كانحراف جنسي منذ قيام الدكتور ڤون كرافت بذكرها في مؤلفه الشهير Psyckopathia Sexualis الانحرافات الجنسية سنة 1886م، وهو سلوك جنسي موجه نحو شخص يقل عمره عن 15 سنة. بدايةً بالتلميح والملامسة انتهاءً بالهتك كل ما يقع خلال ذلك يعتبر استغلالا جنسيا.

ينمو الإنسان في ظل ثقافة تحدد له مسبقا علاقته الجنسية بعد البلوغ، وهي العلاقة التي تخدم الوظيفة التناسلية، وكل علاقة منحرفة عن الوظيفة المذكورة تعتبر شذوذا طالما أن طرفي العلاقة راشدين وموافقين، فما أن يدخل الطفل كطرف في العلاقة حتى تتحول هذه الأخيرة لجريمة يعاقب عليها القانون ويشمئز منها المجتمع. فمالذي يدفع بإنسان راشد رغم علمه بكل ذلك لأن يتحرش جنسيا بطفل ؟

إن عدم القدرة أو صعوبة الوصول للموضوع الجنسي الأصلي تحت وطأة الإلحاح، تدفع بصاحبها للبحث عن موضوع فرعي يتم فيه تفريغ التوتر وتحقيق الإشباع، فيحدث التحويل أي يتم التعامل مع الموضوع الفرعي على أنه الأصلي، وبالعودة إلى اليونان يتجلى لنا أنه "من الواضح لدى الإغريق.. أن ما كان يهيج شهوتهم ليس ماهو ذكري لدى الغلام، وإنما ما تتصف به أجسام الغلمان من صفات أنثوية"(2)، أي أن الطفل "مذكَّرٌ حين يبْدو * مُؤنَّثُ الخلواتِ"(3). الأمر نفسه نعزوه ل"الذين يختارون موضوعهم الجنسي من غير الجنس الذي يجذب الأسوياء" وهم "الذين يتخدون الأطفال موضعا لهم.. وفي العادة لا يؤدون هذا الدور إلا حين يعزم فرد من الأفراد، وقد صار جبانا عنينا، على اللجوء إلى مثل هذا الحل البديل، أو إلا حين لاتجد الغريزة وقد اندفعت واستبدت، موضوعا أكثر مواءمة لإشباعها"(4)، وبالتالي فإن البيدوفيلي "الذي يريد أن ينفس عن حاجة جنسية بيولوجية بحثة، لا يجد لها متنفسا في المجتمع من حوله، ولا يجد أمامه إلا طفلا" طالما أن هذا الأخير "يملك أعضاء جنسية ولكنه لا يملك القوة أو الشجاعة للرفض أو المقاومة أو حتى التبليغ عن الفعل بعد انتهائه"(5)، فيدخل الأمر ضمن إطار الإعتداء الجنسي، وبحسب سيكولوجية العدوان فإن عدم تحقيق الإشباع عن طريق الموضوع الجنسي الأصلي يسبب إحباطا، ما يدفع لتوجيه اعتداء، أي تحقيق الإشباع بالقوة إثر تحريض الغريزة الجنسية الغير المشبعة، ونظرا للكوابح المانعة للعدوان ضد الموضوع الأصلي، كالخوف من العقاب أو نقص القدرة في المواجهة، يتم اللجوء لمواضيع تخدم نفس الغرض كوابحها المانعة مخففة أو منعدمة، وعند الفشل في إيجاد موضوع يحقِّق الغرض المذكور، يتم الارتداد نحو الذات لتحقيق الإشباع، مايعرف بالإيروسية الذاتية(الاستمناء). ومن أهم أسباب العجز عن استدراج الموضوع الأصلي لتحقيق الإشباع وهو المرأة الناضجة هنا، هو "الجينوفوبيا" أي رهاب النساء والجميلات منهن بالأخص، وتعود أصول الخوف لكره موجه نحو موضوع تصعب السيطرة عليه، وبحسب مفهوم البعض للجنس على أنه اختبار أكثر منه متعة متبادلة ومشتركة، يلزم التفوق فيه إخضاع الطرف الآخر والسيطرة عليه، فالفشل في ذلك أو حتى الخوف من الفشل أو الرفض مسبقا، يولد شعورا بالنقص يدفع بصاحبه للبحث عن تعويض وذلك بخلق رمز يتم فيه تحقيق ما تعذر تحقيقه في الأصل. فيقع الاختيار على الطفل طالما أنه يسهل إغواءه وإخضاعه، زيادة على نقص درايته بالأمور الجنسية وعدم خبرته بها، ما يحقق تفوقا واستعراضا جنسيا للمعتدي دون أن يخضع لمقارنة تجرح نرجسيته، الأمر الذي يمكنه أن يحدث في علاقة مع امرأة ناضجة تمتلك دراية أو تجربة جنسية.

بحكم فضول الطفل الزائد للاكتشاف، وبالأخص كشف الطابوهات والمحرمات، المواضيع التي إن لم تتعرض "للصمت المطلق، فعلى الأقل للحساسية والرصانة بين الأباء والأطفال"(6)، زيادة على رغبته بأن يظل محط اهتمام ورعاية، فإنه يعتبر علاقة جنسية براشد مجرد لعبة كباقي ألعابه التي يحاكي فيها تصرفات الكبار، و"أغلب اللعب القائم على المحاكاة يتصل بتمثيل أدوار"(7)، وبأخذ الطفل دور المرأة فإن "اللعبة هنا تأخد شكلا إروتيكيا، تبقى بالنسبة للطفل حالة تعبر عن مستوى من الحنان، لكن ليس بالنسبة لمنحرف جنسي يعاني عدم توازن أو تحكم نفسي بسبب ضغوطات" فيقوم ب"خلط لعب الطفل برغبات الراشد الجنسية"(8). ويتم تثبيث المتعة على الموضوع ف"يتحول الطفل إلى إدمان بالنسبة للمعتدي"(9) والإدمان أو"المقصود به الميل إلى التكرار.. صفة نلتقيها لدى المرشحين لأن يصيروا عصابيين"(10) أي أن الوعي ممثلا بالأنا يصبح "معطلا في تركيبه ولا نفوذ له على جزء من الهذا"(11) أي المطلب الغريزي، فيتجلى لنا البيدوفيلي كشخصية تعاني من ضعف الأنا ومن المعلوم أن "الأنا يكون في طور الطفولة ضعيفا وغير متمايز تمايزا واضحا عن الهذا "(12)، أي أن البيدوفيلي مثله مثل الطفل، لذلك يستسيغ علاقته بالأطفال كأطراف متكافئة.

كآلية من آليات العقل لتجاوز الخبرات المؤلمة و تحقيق التوازن النفسي، فإنه يتم نسيان هذه الخبرات، الأمر الذي يساعد الطفل على النمو النفسي رغم أن النسيان يظل نسبيا، فإن ذكرى الاعتداء لا تسبب له مرضا نفسيا عندما يكبر، إنما تساهم مع عدة عوامل أخرى. وهذا بالنسبة لمن لهم قابلية الوقوع تحت سلطة المرض النفسي سواء تعرضوا لاعتداء في الطفولة أم لا.

في ظل قانون الصمت المتّبع خوفا من العار إما لأن المعتدي من المعارف أو للحفاظ على سمعة الطفل(الأنثى خصوصا)، زيادة على سياسة الترهيب والتخويف المتبعة في تربية الطفل التي تجعله قابلا لأن يصبح ضحية، فإن ظاهرة البيدوفيليا تستمر وتتزايد. وللحد منها يلزم توعية الطفل وتعليمه احترام جسده وتلقينه أن "أي شخص يحاول لمس مناطقه الحميميه يجب أن يقابل بالرفض، وألا يتوانى بإخبار أحد والديه أو كلاهما فورا" و"أن احترام الكبار لا يعنى طاعتهم العمياء"، وقبل تحذيره من الغرباء يجب أن يميز من يسيء إليه من بين الأقرباء، ف"متى تعلم الطفل من والديه أن جسده يجب أن يُعامل باحترام، فإنه يفرض على الآخرين معاملة مماثلة. أما بتعرض الطفل للإساءة الجسدية في البيت، فإنه يظن أن من حق الآخرين أن يسيؤوا إلى جسده طالما هم يكبرونه"(13).
كذلك يلزم من المؤسسات التعليمية مساعدة الطفل على تطوير ذاته وزيادة ثقته بنفسه للمساهمة في إنشاء شخص ناضج قادر على حل أزماته النفسية بدل تفريغ مكبوتاته على صغار السن.

_______________

هوامش :
1 : Le Robert Micro - 3éme édition 1998, Dictionnaires le Robert _p 958
2 : فرويد - 3 مباحث في نظرية الجنس، ترجمة جورج طرابيشي، دار الطليعة ط2 ـ ص21
3 : أبو نواس - قصيدة يا لاعباً بحياتي ـ موقع أدب.. الموسوعة العالمية للشعر
4 : فرويد - المصدر السابق ـ ص24و25
5 : نوال السعداوي - الرجل والجنس ـ ص287و288
6 : فوكو - تاريخ الجنسية ج(1)، ترجمة محمد هاشم، أفريقيا الشرق 2004م ـ ص15
7 : سوزانا ميلر - سيكولوجية اللعب، ترجمة حسن عيسى، سلسلة عالم المعرفة ـ ص183
8 : Du père incestueux à l hébéphile : cinq études de cas sous l angle de la criminologie clinique, par Cloarec Christine _ p20
9 : L étude précédente de Cloarec Christine _ p22
10 : فرويد - المصدر السابق ـ ص114
11 : فرويد - مسائل في مزاولة التحليل النفسي، ترجمة جورج طرابيشي، دار الطليعة ـ ص36
12 : فرويد - مسائل في مزاولة التحليل النفسي، ترجمة جورج طرابيشي، دار الطليعة ـ ص35
13 : Child Sexual Abuse - the American Academy of Child and Adolescent Psychiatry



https://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن