في قلب الحدث

عدنان اللبان

2013 / 1 / 27


تعانقنا بحرارة مع الرفاق عندما وصلنا " بيانا " وهو موقع مرتفع عن القاعدة في بشتاشان , بعد مسيرة يوميين استنفذت طاقتنا , كانت احدى قدمي متورمة مما اضطرتني لنزع حذائي , واخبرني بولا الذي اجلس قربه ان اضعها في الماء البارد , الا ان تعبي جعلني اتحجج ببعد الساقية .
بولا طلب من الرفيق ابو رشا ان يخبر المسؤول العسكري بأني سابقى في فصيلهم بعد ان تذهب المفرزة المكونة من اربعة انصار الى المقر العام في بشتاشان , وهو لا يبعد كثيرا .
ابو رشا : وإذا ما قبل الرفيق قيطان ؟
بولا : وقيطان شنو علاقته ؟
ابو رشا : ما تعرفه ؟ لا زم يدخل نفسه .
اجبتهم : مو مشكلة اروح وأجي بعدين .
بولا : لا يمعود , تروح هناك تلتهي ويه الرفاق وبعد ما نشوفك , آني احجي ويه الجماعة .
بولا مسؤول حضيرة المدفعية , كردي من خانقين انتقل الى بغداد وهو في الدراسة الابتدائية , مهندس ترك وظيفته وامه واخوته الذين يعتمدون في معيشتهم عليه وسافر الى الجزائر اثر ضربة الشيوعيين في نهاية السبعينات , ولم يكن منتظما في الحزب الشيوعي , ولكنه ادرك ان لا فائدة ترجى من البعث بعد ضرب الشيوعيين , التحق الى كردستان في بداية تشكيل قوات الانصار الشيوعيين .
سألت بولا باستغراب : الرفيق قيطان ؟! كان من الصعوبة الانتقاص من رفيق .
بولا متلعثما وهو بطبعه خجول : والله ما اعرف , ابو رشا يكَول جده اسمه قيطان .
ابو رشا : جده المرحوم اللشة اسمه قيطان , واعتزازا بالمرحوم اختار هذا الاسم .
كان ابو رشا واقفا ورأى اثنان قادمان خلف الطية التي حجبتهم عنا .
اكمل ابو رشا : جاكم قيطان وما اعرف منو وياه . ودخل الى قاعة الفصيل .
ابو رشا معلم من اهالي الصويرة وقد قارب الثلاثين , التحق الى كردستان من الخارج عند سماعه نداء الحزب وتشكيل قوات الانصار وقد ترك عمله و زوجته . انتمائه للحزب فكري اكثر مما هو تأثر بعلاقات شخصية او دوافع اخرى , وهو ما عمق علاقته مع بولا الذي يحمل هذه الصفات ايضا , ولكنه يختلف عنه بكونه صاحب تعليقات لاذعة يفسرها البعض بالعدائية . والحقيقة ان الضوابط الحزبية لم تتمكن من تجفيف طراوة انطلاق حيويته , وهو يعيش وسط القياديين ولم يتمثل لتلك الهيبة الخيالية المفروضة على الآخرين , فكان موضع عدم ارتياح من التقليديين .

رحب بي الرفيق قيطان بحرارة , وعندما فاتحه بولا ببقائي في الفصيل , ابتسم بود , ورفع يده الى عينيه وقال : بهاي العين وهاي العين . واظهر سعادته ببقائي , ويبدو ان ابو رشا لا يرتاح له لأسباب لا علاقة لها بوداعة الرفقة .
اردت ان اعبر له عن امتناني فقلت : شكرا رفيق .
ورغم جفافها بعدم ذكر اسم الرفيق ,الا اني توجست من اكمال رفيق قيطان بسبب " مرحوم اللشة "التي قالها ابو رشا , واللشة لا تقترن بالرحمة عند ذكر الميت بل الرحمة للروح , بالعكس تأتي للذم " مسموط اللشة " . وفي مرّة سابقة اخبرني احد الرفاق بان اسم الرفيق القادم مع المفرزة اكرم مروكَي .
سألته : ما معنى مروكَي ؟
اجابني : كان بطلا في معركة حدثت مع الجحوش في قرية مركَه سور , فلقب باكرم مروكَي .
وعندما وصلت المفرزة بعد دقائق , اردت ان احتفي به , واظهر له احترامي من اول تعارفنا , فرفعت صوتي
باحتفالية : هله , يا مية هله بمروكَي .
توقف , ورغم التعب الذي يشعر به نظر بعيني بحده , تطلع بي كاملا يريد معرفتي , وسألني بعصبية : عزيزي اعرفك تعرفني ؟!
ادركت اني وقعت في الفخ , تلعثمت , حاولت الكلام .
قاطعني : يا تافه وسخيف قشمرك ؟!
تجاوزني وانا اتصاغر في حيرتي . عرفت بعدها ان اكرم كان ضيفا في احد البيوت الريفية مع رفيقين آخرين , وعندما قدموا لهم الغذاء تناول صحن المرك يريد ان يشرب منه , فسال على بدلته , واخذ يغضب ويثور عندما يسمع مروكَي , مما زاد رغبة الانصار في اثارته وتحمل كل سبابه .

في المساء عرفت ان اغلب الرفاق في فصيل " بيانا " نقلوا اليه مؤخرا , لكونهم من المشاكسين , او لا يرتاح لهم من قبل القيادة , وجميعهم من الشباب الذين لم يتحول عندهم الانتماء الى حرفة حزبية , ويجدوا في بعض التمردات الصغيرة تعبيرا عن ذواتهم التي لم تتمكن من التحرك بحرية داخل اطر المؤسسة الحزبية , ومن بينها منح المستشار السياسي اسم قيطان , حيث ساعد احد الرفاق الكبار في السن في ربط قيطان حذائه , ولو كان غيره لحسبت له , الا انه لم يتمكن من كسب ثقة الفصيل لكونه سخر جهوده بإيصال كل ما يتعلق بالرفاق الى القيادة التي ارادت استمرار التحكم بكل شئ , ولم تدرك ان العيش المشترك مع القاعدة افقدها الكثير من هيبتها , وباتت لا تستطيع ان تغلف رغباتها الشخصية بأغلفة مبدئية .

اصبحت توجيهات المسؤول السياسي العقدة التي يجد فيها اغلب اعضاء الفصيل ذواتهم بعدم تنفيذها , وخلقت مشاكل يومية تافهة لا يمكن ان تحدث بين معارف وليس رفاق . المسؤول السياسي حاول من جهته في الفترة الاخيرة ان يكون رهن طلبات رفاق الفصيل بعد ان عرف انه سيستبدل ان استمرت هذه الوضعية , وترحيبه ببقائي في الفصيل من هذا الباب كما اكد ابو رشا .

في اليوم الثاني تركوني فيه نائما الى الساعة التاسعة صباحا , وبعد الفطور قدم نصير واشر لي بيده من مسافة بعيدة والابتسامة تملئ وجهه . لم اتمكن من تشخيصه باللباس الكردي , ضحك , وضحكته تشي بالشماتة لكوني لم اعرف , وجهه الاحمر ’ وشعره المائل الى الصفار , وشفته السفلى الغليظة , وصوته المتهدج : شهيد ؟ شهيد عبد الرضا , صديقي الذي لم اره منذ ما يقارب العشر سنوات .
اعتذر شهيد واسمه الآن ( ابو يحيى ) لكونه لم يتمكن من القدوم البارحة عندما سمع بقدومي , لان لديه حراسة بين التاسعة والعاشرة وقدر اني متعب وسأنام باكرا . مثلما عرفته يعتذر عن كل تقصير يعتقده , لم تكن لديه متطلبات كبيرة في الحياة ويرضى بأقل القليل , لم اسمعه يوما يضحك بصوت عال , واكبر درجات انشراحه في ابتسامة ترتسم على محياه , شهيد مواليد 1951 , وأكمل دراسته الجامعية في اكاديمية الفنون الجميلة قسم المسرح عام 1974 , وبعد اكماله الخدمة العسكرية لم يقبل في اي مؤسسة فنية مما اضطره للعمل في التدريس في احدى ثانويات مدينة الثورة . ترك بغداد عام 1979 اثر الهجمة الغادرة على الشيوعيين , والتحق بقوات الانصار في كردستان , وعرفت عنه الجرأة وساهم في الكثير من المفارز القتالية , وأصبح آمر فصيل .

صعد ابو رشا وهوبي من مقر القاعدة الرئيسي , ومن مسافة وبصوت مرتفع اراد ان يسمعه للآخرين سأل شهيد : ها ابو يحيى اليوم راح تستلم ؟
شهيد ابتسم بإحراج : ابو رشا ما اعرف شلون عرف ؟!
هوبي وقبل ان يصل الينا ويطلب منه ابو يحيى عدم نشر الخبر نادى على رفاق قريبين : ياجماعة ابشركم ابو يحيى صار المستشار السياسي .
قبل ان يصل بخطوتين رفع يده وبصوت عال الى ابو يحى : يابه الف الف مبروك .
هوبي : يا جماعة اليوم بالليل حفلة بالمناسبة . ( هوبي يمتلك صوت جميل وعالي الطبقات ويحفظ اداء عدة مقامات )
ابو رشا وهوبي شعرا ب( الانتصار ) ووجداها مناسبة للاحتفال , وكان الاهم في صخب صوتيهما هو للتنكيل بالرفيق السابق .
ابو يحيى : على كيفك مو فضحتنا . التفت الي وأكمل : وجماله ايكَلي الف مبروك , وتعال طلع راس وي هيج رفاق ؟
ابو رشا : والله لو ما يعرفون انت اللي تطلع راس ما جان رشحوك , وهذا الفعل كله لندوة الرفيق ابو عامل .

الرفيق ( ابو عامل ) سليمان يوسف صطيفان , عضو المكتب السياسي والمسؤول العسكري لقوات انصار الحزب , وكان سابقا يحمل رتبة عقيد قانوني في الجيش العراقي . متوسط الطول اسمر حنطي , مستقيم في مشيته , ونادرا ما شوهد بدون قيافة عسكرية , يتعامل مع الجميع بأبوة , عادل حد السكين , وعدالة سكينه ( لا تفرق بين الزبد ولحم البعير ) كما قال الشهيد ابو كريم . ونتيجة كثرة الاشكالات التي حدثت في فصيل " بيانا " قرر الرفيق ابو عامل ان يتعرف بنفسه على وضعية الفصيل , فزاره قبل ايام .

في اكثر الاحيان يكون الموالين للسلطة , سلطة حكومية , او حزبية , او منظمات جماهيرية , تكون موالاتهم اكثر لجاجة مما تستحق اثبات تبعيتهم , وبعضهم يمتلكه هوس ( الاخلاص ) الذي يدفعه لنقل كل شئ , او يبالغ او يكذب في تفسير سلوكيات الآخرين لكي يخلق لنفسه وللقيادة قناعة بأهميته , وهذا كان حال المسؤول السياسي . فهو لم يكف عن التدخل في اصغر القضايا , وهم لا ينفذوا حتى بعض الواجبات الروتينية اذا كان له تدخل فيها . ورغم ان اغلب الموجودين في الفصيل من المغضوب عليهم , الا انهم معروفين بإخلاصهم ومبدأيتهم العالية , وهو ما دفع الرفيق ابو عامل لمعالجة الموضوع قبل ان يستفحل الامر .

تحدث الرفيق ابو عامل عن وضعية القاعدة والصعوبات التي تواجهها , وعرج على الاشكالات التي تحدث في الفصيل , وتساءل عن الاسباب , ولماذا في فصيل " بيانا " اكثر من باقي الفصائل ؟! واعتقد انه سيدفعهم لتكرار وجهة نظرهم امامه لكي يناقشها معهم , ولكن لا احد يجيب , فاضطر لسؤالهم بشكل مباشر عن سبب التعثر في الواجبات اليومية , ولا من مجيب , وأخيرا سأل ابو رشا وهو يدرك ان ابو رشا لا يستطيع ان يتراجع عن قناعته امام مجموعة الرفاق .
اخبرني ابو رشا بأنه قد تلعثم , وشعر بانه المستهدف من شكاوي قيطان : رفيقي العزيز هي هواي مشاكل , لكن شلون اختصرها الك . يعني اذا احنه بهاي كَعدتنه وصار هجوم ؟ نركض ندافع لو نلتهي نشد بقيطان الحذاء ؟! مسؤولنا ( واشر عليه ) ما يريد نطلع وندافع اذا ما نشدّه للقيطان , وهو لا زم يتأكد منه .
ضحك ابو عامل ولم يكن احد قد شاهده يضحك بهذه الشدة , وهو ما خفف وطأة كلام ابو رشا وخوفهم من ان يعرف ابو عامل باللقب الذي منحوه لمسئولهم , كان ابو عامل معروف بلازمة يرددها عند بدء الكلام مع اي رفيق وهي ( عيّوني ) .
ابو عامل وهو رائق المزاج : عيّوني رفيق ابو رشا , مو هو اذا ما نشده للقيطان يجوز بالركض نزلك ونوكَع , وله ليش سوو القيطان ؟ غير يشد الحذاء ؟!
لم يتمكن الجميع من معرفة هل ان ابو عامل يعرف بلقب قيطان ام لا , وضحك لمعرفته باللقب ؟ ام ل ( بلاغة ) ابو رشا التي ربما اثارت اعجابه ؟ المهم فهم الرفيق ضرورة ابدال الرفيق المسؤول وبسرعة .

قبل وفاة الرفيق ابو عامل بعدة اشهر , وفي جلسة جمعته مع بعض الرفاق سئل عن هذه الحادثة , وهل كان يعرف باللقب ؟ فأجاب : ان ابو رشا وضعني في قلب الحدث .

شهيد عبد الرضا ( ابو يحيى ) كان اول شهيد سقط على ايدي الاتحاد الوطني في هجومهم الغادر على بشتاشان .
ابو رشا ( خالد فضاله ) وافاه الاجل بسكته قلبية وهو بين رفاقه بعد انسحابهم اثر الانفال الى احد مقرات الحزب عام 1989 .



https://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن