-كليك يمين-. أنا افتراض؛ أنا موجود.

مختار سعد شحاته
mukhtarshehata@hotmail.com

2013 / 1 / 27

-"أنا أفكر؛ فأنا موجود"..

كانت أولى الدروس التي تعلمتها في دروس المنطق، حين قررت قبل سنوات بتحويل مسار حياتي نكاية في النظام التعليمي المصري، أذكر يومها حين اتخذت القرار مما تسبب بثورة كل الأهل والمدرسين، وكيف أرادوني أن أظلَّ في "قسم العلمي"، وكلهم – بلا غرور- رآني أُهدر قدراتي وطاقاتي، وكأنه لا مستقبل لي في مصر إلا عبر هذا القسم العلمي، ساعتها كان دافعي المجنون لإثبات وجهة نظري واعتراضي على ضغطهم هذا للبقاء في القسم العلمي، وهو ما امتدَّ لنقاش طويل جعلني بعد الشهور الأولى في ثانويتي العامة وبعد نقاش مع مدرسيّ "الفيزياء" و"الرياضة"، أحارب باتخاذ قرار التحول نحو القسم الأدبي، الجميع يومها رآني مجرد طالب مغرور أرعن استبد به غروره، بل ويناقش مدرسيه ولا يعجبه رأيهم، يومها كانت غايتي أن تصل الأجلاء من مدرسيَّ بأنه مستقبلي وأنها خياراتي، وأنا وحدي من يحق له ترسيم هذا المستقبل على أن أتحمل تبعاته بكل قوة وإيمان بأنني اخترت ما يناسبي. في قرارة نفسي صرخت فيهم جميعًا "كونوا أنتم ما تكونوا، وخلوا بيني وبين جنوني وأفكاري"، يومها رأيتهم المحطمين من فوات أحلامهم في الطب والهندسة يحاولون أن يجعلوا مني بديلا لأحلامهم، وقد تناسوّا –بحب- أنها أحلامي أنا لا أحلامهم، ومستقبلي أنا لا مستقبلهم، وهكذا مضيت في طريقي الأدبي، والذي انتهى بي إلى كتابة الرواية والسيناريو وتجربتين في الإخراج المستقل والبحث الأدبي. وأفخر بذلك.


عالم الافتراض وضغطة "كليك":

اليوم وحين اقتحم الفضاء الإلكتروني عالمنا، أجد نفس العبارة تخترق مسامعي، إثر جملة قرأتها، جاءت مغلفة بهاجس النصيحة، تماما كنصيحة مدرسيّ في الثانوية، حيث جعلت من العلاقات الإنسانية التي تنشأ هنا في عالم الافتراض، بأنها لا تتعدى محض كونها افتراضًا، وينتهي بضغطة "كليك"، ويصف الافتراض بأنه لا ياتي بالخير، وينتهي بـ"كليك"، ربما هي تجربة صاحب الجملة، فهكذا تعامل مع هذا التطور البشري والمعلوماتي، وما يحيط به من علاقات إنسانية أسماها "الحب"، فاختصر كل هذا في ضغطة "كليك"، وهو أمر قد يوافقه فيه البعض؛ ولكن، ألا ينفي ذلك وجودنا ذاته – وهو واقع – في كل هذا الافتراض، ألا ينفي ذلك بعض إنسانيتنا التي تطفح علي "بروفايل" شخصي أو "بوست" أو "نوت"؟! أليس في ذلك بعض التجني على زاوية واحدة شديدة الخصوصية في حياة الكثير، ربما هنا يلزم أن أُحيل إلي واحدة من الروايات الرائعة التى حولتها هيوليود ببراعة إلى فيلم شديد الرومانسية لـ"توهم هانكس" و"ميج رايان" في واحد من رومانسيات السينما المعاصرة "you ve got mail "، فربما أنا متورط بزاوية ما في الدفاع، لكن الأهم هو إجابتك عن سؤالي الجدلي هذا:
- أولاً دعنا نتخيلك طبيبًا في مستشفى ما، وأن مريضًا ما قد حال بينك وبينه أمر ما، فاضطر إلى محادثتك عبر "الشات"، أو أرسل لك زميل عن حالة مريض عبر "الإيميل"، ثم قمت ببراعة بتشخيص الحالة وساعدتها في تخفيف ألمها، ألا تعتبر تلك إمكانية من إمكانيات اختلاط الواقع بالافتراض إلى الحد الذي لا يصح فيه الفصل بين العالمين؟


لعمرك!! هذا في القياس بديع:

ربما نغالي حين نقصر تعاملاتنا في الفضاء الإلكتروني على مجرد اعتباره "إفتراض"، وإلا فليقرر شخص ما كيف يتم تحويل الأموال، وتبرم الصفقات وتتداول المعلومات عبر الشبكة العنكبوتية؟ لو سلمنا بأنه إفتراض لأثبتنا أننا وكل حياتنا مجرد افتراض هي الأخرى، فلحظات سعادتنا بقراءة مقال، أو تأييد فكرة، او الإعجاب بصورنا وصور الأصدقاء هي من عين الافتراض، فذلك حتمًا يعني خللا في حياتنا، لكنها كلها لحظات سعادة حقيقية وإعجاب واقعي، لا يمكن إنكاره.
ربما هوس البعض بالتخطيط لغيرهم، أو تقمص أدوارًا تخطاها حاجز الواقع في عصرنا، هي ما تجعل البعض يظل على تمسكه بنظريته باعتبار المجتمع الذي نعيش مجتمعًا أبويًا، يلزم كل من فيه النصيحة بأبوية مطلقة، وبدافع الحرص المغموس والمختلط بمشاعر مختلفة منها الحب بلا شك. هؤلاء ربما عجزوا عن تحقيق ما يمكن أن يسبر أغوار جراح الواقع لهم بفقد حبيب أو حبيبة، فيسارعون بالتشكيك في كل ما حولهم وفي مصداقية كل شيء، فيخلعون هذا الخلل العاطفي على وصف كل العلاقات حتى وإن تكونت في الفضاء الإلكتروني، فيطلقون عليها باندفاعهم وانغماسهم في مجتمعهم الأبوي، وصف كل العلاقات بأنها علاقات "افتراض" لا تأتي بالخير، ولعل ما يدعو للضحك أن هؤلاء المتبنين لنظرية الافتراض تلك، لا يتوقفون عن ولوجهم إلى الفضاء الإلكتروني، بل وينشرون مقالتهم تلك على حوائط هذا الافتراض، ألا يجدون ذلك تناقضًا يؤكد نظرية الخلل العاطفي الذي يعانيه البعض في مجتمعنا الشرقي الأبوي السلطوي مهما تفرنج أو تعايش مع واقع مغاير؟!


الثورات والسعادة ليست افتراضًا:

خلاصة الأمر، فلو سلمنا بأننا هنا في عالم افتراضي، إذًا فكل الدعوات لثورات الربيع العربي لنجعلها كلها إفتراضًا، ولنجعل كل الفيديوهات والمقاطع والصور التي تجرم انتهاكات حقوق الإنسان في مجتمعنا كلها من الإفتراض، وسنتمنى – كمقالتهم - أنها ستزول بمجرد ضغطة "كليك"، ووقتها يمكننا أن ندخن سجائرنا المصحوبة بفنجان الشاي في واحدة من قلائل "المقاهي" جوار الراين، ولنستمتع بمناقشة عروض المسرح في مساء لندن، فهذا وحده قد لا يكون من عين الافتراض.
يا سادة لم نُصر على أن نلزم أطفالنا، أو صغارنا ممن نشعر تجاههم بالمسئولية على أن يلتمسوا طرقنا التي فشلنا في خوضها، ولم نُصر على أن رؤيتنا للأمور أوضح وأعمق من هؤلاء؟! ألم يؤسس الفاروق عمر ابن الخطاب حين قال "لا يمنعن حداثة أحدكم أن يُدلي برأيه"، فلم نُصر على التفكير عنهم، وإلزامهم بتحقيق أحلامنا وطموحاتنا التي فشلنا في تحقيقها أو حال واقع الحياة بيننا وبينها؟! هم أبناء هذا العصر، وكل ما يمنحهم من آليات التواصل هو واقعهم مهما اختلفنا حوله، لهم حياة كاملة في هذا الفضاء هو واقع من حياتهم لا مجرد افتراض.


هل تكفي "كليك" واحدة؟

دعوني آخرًا أقول، لو كان الافتراض طاغيًا ومسيطرًا إلى هذا الحد، فلماذا يصر هؤلاء على اقحام أنفسهم في الافتراض ما دام لهم واقعهم المحدود؟!
يا سادة أنا "كليك" أنا موجود.. ولن يكفي حذفي من واقع الافتراض مجرد ضغطة الـ"كليك" تلك التي يدعي البعض بأنها تكفي لإنهاء حياتي في هذا الفضاء، وعليه أكرر نصيحتي لهولاء بضغطه "كليك" على كل أخبار الألم ومشاهد العبث من حكوماتنا، فربما تصدق مقولتهم وتختفي كل تلك الأخبار وكل هؤلاء من حكومات مستبدة، ومن يدري؟؟ ربما يكتشف العلم الحديث طريقًا جديدة للموت لا تتخطي مجرد ضغطة واحدة من "كليك"، فتريح البعض منّا أو تريحنا منهم، او تريح الإنسانية من كل هذا الألم الذي ملأ واقعنا، فدفع بنا نحو الافتراض بلهفة وحب.

مختار سعد شحاته.
روائي.
الإسكندرية – مصر.



https://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن