الفلسطينيون يصعدون إلى السماء الأخيرة: من سورية إلى الأردن مثلاً

خالد عايد
kayedus@yahoo.com

2013 / 1 / 7

كأن الفلسطيني العادي على موعد غير عادي مع قَدَرٍ " أوديسي" من الهجرات والمنافي، بدأ حتى قبل نكبة 1948 ، ويبدو أن لا نهاية له في المدى المنظور. وهو كلما ألقى عصا الترحال في أرض، يستقر عليها ويتخذ منها مسكناً وحياة جديدة، عصفت به رياح عاتية، تأتي من أي من الجهات الأربع، فتجتث أوتاد الخيمة أو أركان الدار، فترمي به إلى ديار جديدة غريبة.

هكذا كان حاله في فلسطين نفسها، ثم في البقاع العربية المجاورة، سواء في ما تبقى من فلسطين في الضفة الغربية وقطاع غزة، أو الأردن ولبنان...أو في سورية كما يبدو مؤخراً بعد أن " امتاز" الفلسطينيون فيها ب"استقرار" كان البعض يحسدهم/يغبطهم عليه.

في ظل الأزمة السورية الراهنة لا تقاس معاناة الفلسطينيين بأعداد النازحين منهم، سواء إلى لبنان أو إلى الأردن أو ربما إلى سواهما. بل هي تقاس بالأحرى بالمكابدة النفسانية-الانسانية، خصوصاً السياسية، إذ يوضع الفلسطيني بين خياريْ " الربيع" و" الخريف" العربيين، في حين توضع خياراته (وهي خيارات الأمة المركزية) في "العودة" و" التحرير" على الرف، إلى أجل غير مسمى.

ما هو عدد النازحين: "عمى الأرقام"

على الرغم من الأهمية البالغة التي تكتسبها "الأرقام" في حياتنا بعامة، وفي البحث العلمي بخاصة، قد لا تعكس الواقع بدقة، بل إنها قد تطمس بعض جوانبه أحياناً. وذلك في عملية أسميها "عمى الأرقام"( على وزن عمى الألوان). وهذا ما ينطبق إلى حد بعيد على نزوح الفلسطينيين من سورية إلى الأردن.

تتناقض الأرقام بشأن عدد النازحين الفلسطينيين من سورية إلى الأردن بحسب مصادر هذه الأرقام. ففي حين تقدر جهات غير رسمية هذا العدد بنحو 1000نازح، فإن وكالة الغوث (الأونروا) سجلت 350 نازحاً تقدم خدماتها لهم (عمان نت، 3نيسان/أبريل 2012). وهذا الفارق الضئيل بين الرقمين قد لا يكون مثاراً للاستغراب، لأن الأونروا لا تقدم خدماتها في العادة إلاّ إلى المسجلين لديها أصلاً، والذين يقل عددهم غالباًعن عدد من يحتاجون فعلاً إلى مثل هذه الخدمات.

تعيش قلة قليلة ( بضع عشرات فقط) من النازحين الفلسطينيين في صفوف كثرة من أشقائهم النازحين السوريين (39 ألف تقريباً، بحسب الناطق الإعلامي باسم شؤون مخيمات اللاجئين – جريدة "الرأي"، 31/10/2012) في مخيم الزعتري الأكبر والأشهر في منطقة المفرق على الحدود الأردنية-السورية. وعلى الرغم من تكرار حوادث الاحتكاك والاشتباك بين النازحين السوريين وقوات الأمن الأردنية، لم يُسجل أي حادث من هذا النوع بين اللاجئين السوريين والفلسطينيين.

أما التجمع الرئيسي الحصري للاجئين الفلسطينيين فهو مركز السايبر سيتي ( Cyber City )، الواقع بالقرب من جامعة العلوم والتكنولوجيا، في منطقة مدينة إربد الأردنية الشمالية، غير بعيد عن مدينة المفرق. ويضم هذا المركز نحو 170 لاجئاً فلسطينياً، وإنْ كان هذا الرقم يختلف بين مصدر وآخر، ومن وقت إلى آخر.ومن الجدير بالذكر أن مركز سايبر سيتي هو أحد ثلاث مناطق صناعية مؤهلة( QIZ s ) تقررت إقامتها في منطقة إربد ( وغيرها من الأردن) بقرار من الكونغرس الأميكي سنة 1997 بهدف "تشجيع السلام" من خلال مشروعات أردنية-إسرائيلية-أميركية تحفز الاستثمار وتوفّر فرص العمالة للأردنيين. لكن المشروع بأكمله شهد تراجعاً مستمراً، فاقفل عدد من المشروعات القائمة ولم ينطلق عدد آخر منها. ولعل "السايبر سيتي" كان من بين هذه الأخيرة فاتّجه باستثماره إلى استيعاب اللاجئين الجدد، خصوصاً وأنه يشتمل على مبان سكنية( كانت معدّة لعمال المشروع)، بالإضافة إلى مرافق أخرى كالمطاعم والكافيتيريات ومراكز التسوق..الخ.

إن ما سبق كله لا ينهي " لُغْز" الأرقام الخاص باللاجئين الفلسطينيين من سورية إلى الأردن. فهناك عوامل أخرى، أكثر أهمية، يمكن أن تساعدنا في تفكيك هذا اللغز وفتح مغاليقه. ونذكر من بين هذه العوامل، لا على الترتيب من حيث الأهمية:

أولاً: إن عائلات فلسطينية كثيرة( يصعب حصر عددها) قد تمكنت فُرادى، بصورة أو باخرى، من "العودة" إلى الأردن، لكن من دون أرباب عائلاتها " المتورطين" عمراً في الانضمام إلى المقاومة الفلسطينية.

ثانياً: إن الوجهة الطبيعية للاجئين الفلسطينيين من سورية كانت لبنان، لا الأردن ولا غيرها. وذلك يعود إلى السهولة النسبية في انتقالهم العادي إلى البلد الأول قياساً بالثاني. كما يعود إلى علاقات القربى والمصاهرة التي جمعت فلسطينيي سورية ولبنان التي ظلت تجمعهم منذ هجرة 1948 الأولى ، حين توجهت الأكثرية الساحقة من الجليل الشمالي إلى لبنان وسورية( في حين توجه فلسطينيو وسط فلسطين بمعظمهم إلى "الضفة الغربية"، وتوجّه معظم أبناء الجنوب إلى قطاع غزة).

ثالثاً: إن آلافاً من أبناء قطاع غزة قد وجدوا أنفسهم، خصوصاً بعد حرب سنة 1967، معلّقين بين أرض وسماء. ففي الأردن، كان لهم مخيم خاص بهم( في منطقة جرش)، بلا جنسية أردنية، ولا حقوق ولا وضع إنساني يفرضه القانوني الدولي. والذين انخرطوا منهم في صفوف المقاومة الفلسطينية لم يعد لديهم "حق في العودة" إلى الأردن، بل حتى إلى " فلسطين" لمن فتحت لهم حركتا "فتح" و"حماس" سبيلا.

رابعاً: ولعل هذا العامل هو الأهم والأكثرخطورة وإلغازاً لجهة معادلة " لغز" الأعداد الذي نحن بصدده، وهو يتمثل في الصعوبة البالغة- إن لم يكن في استحالة- تحديد رقم دقيق لمجموع " المنفيين" الفلسطينيين/ الأردنيين في سورية، في سبيل محاولة لتحديد نسبة " العائدين" منهم إلى هذا المجموع. إذ تتراوح تقديرات أعداد هؤلاء " المنفيين" بين نحو 20ألف و100ألف تقريباً. فقد خرج/أُخرج الفلسطينييون من الأردن في موجات متتالية على مدى أكثر من عقد من الزمان ( في أعقاب أحداث أيلول الأسود سنة 1970، و" معركة الأحراش" في تموز/يوليو1971 وما رافقها وتبعها من حالات فرار فردية أو انشقاقات جماعية عن الجيش الأردني، وخروج مجموعات شبابية تضامناً مع المقاومة في وجه الاجتياح الاسرائيلي للبنان سنة 1982). وما يزيد الأمور تعقيداً هو أن هؤلاء لم يستقروا في سورية جميعهم، بل تشتتوا في أربع رياح الأرض ( خاصة لبنان) وفي دول عربية أخرى بعد اجتياح 1982، وصولاً إلى المهاجر الأوروبية والأمريكية وغيرها. ثم وصلت آلاف منهم إلى الأردن من أجل الإقامة الموقتة والتدريب والإعداد والتأهيل، تمهيداً لعودتهم إلى الضفة الغربية وقطاع غزة وفقاً لاتفاقية أوسلو المعقودة بين "إسرائيل" ومنظمة التحرير الفلسطينية سنة 1993.

طوال هذه الفترة، استشهد من " جيل الفدائيين" من استشهد، ومات من مات. لكن في المقابل، تزوج أبناهم وأنشأ الواحد منهم عائلة يبلغ متوسط عدد أفرادها نحو ستة أشخاص. وهذا ما زاد المسألة تعقيداً على تعقيد، لا من زاوية تحديد أعداد " المنفيين" فحسب، لكن- وهذا هو الأهم- نشوء جيل جديد لا يحمل جنسية/ هوية محددة، ويفتقر بالتالي إلى الحد الأدنى من الحقوق المدنية والاجتماعية ( العمل والتنقل والعيش الحر الكريم).

أما بالنسبة إلى السلطة الفلسطينية، فقد طالبها اللاجئون الفلسطينيون في مجمع "سايبر سيتي" برفع يدها عنهم ، بعد أن خرجوا عن الصمت " بعدما يزيد على عام من الوعود الجوفاء ومسلسل الكذب المتواصل واتهامنا باننا لاجئون اقتصاديون...". وأعلنوا توجههم للمفوضية السامية لشؤون اللاجئين التابعة للأمم المتحدة ولجميع المنظمات الدولية ذات الصلة للنظر في مأساتهم ووضع حدّ لمأساتهم المتفاقمة يوماً بعد يوم.

وكان سفير السلطة الفلسطينية في عمان عطا الله خيري قد أكّد أن السفارة تواصل الترتيبات من أجل نقل فلسطينيين قادمين من سورية ، من الأردن إلى قطاع غزة، بناء على طلبهم.

ويبدو أن سخط اللاجئين الفلسطينيين من سورية إلى الأردن قد انصبّ في الدرجة الأولى على " الممثل الشرعي الوحيد" للشعب الفلسطيني، ممثَّلاً في سفارة السلطة في عمان، لكن هذا السخط لم يستثنِ السلطات الأردنية ، ولا المنظمات والهيئات الدولية، بما فيها وكالة الغوث (الأونروا)، المسؤولة قبل غيرها – بحسب انتدابها- عن " إغاثة وتشغيل" اللاجئين الفلسطينيين. ومما يُذكَر في هذا السياق أن الوكالة، بحسب الناطقة بلسانها أنوار أبو سكينة، لم تقدِّم سوى 3,7مليون دولار من أصل 27مليون كانت ناشدت الدول المانحة بتقديمها لمساعدة الفلسطينيين المتضررين جراء الأحداث السورية في سورية والفارين منها. وأعلن قرابة 140 فلسطينيا لاجئا من سورية، في أيلول/سبتمبرالماضي مقاطعتهم لأي خدمة تقدمها المنظمات الدولية الخاصة باللاجئين، وذلك بسبب ما أسموه “التنصل ورمي المسؤولية وعدم الالتزام بمسؤولياتها تجاههم”. وأرسل اللاجئون المقيمون في سكن سايبر ستي، بيانا رسميا إلى المتصرفية ووزارة الداخلية الأردنيتيْن والجهات ذات العلاقة لأجل إسماع واقعهم، مطالبين بإخراجهم من السكن مع تقديم الضمانات اللازمة للسلطات الأردنية.


وبالعودة إلى أجواء سخط النازحين الفلسطينيين على السلطة الفلسطينية، فقد وصل الأمر إلى حدّ التراشق الإعلامي والاتهامات المتبادلة، التي لا تخلو من غرض. ونورد في ما يلي نصّ أحد البيانات الصادرة عن "ممثلي السايبر سيتي" في 26أيلول/سبتمبر 2012 كي نعطي " نكهة" عن هذه الأجواء، من دون أن نحرر النص أو أن نتبنى بالضرورة مجمل التفصيلات الواردة فيه. يقول البيان:

خرجنا عن الصمت)2)
خطاب عن الفلسطينيين في (مخيم السايبر ستي للاجئين السورين في الرمثا
)
لن نتأخر بالإجابة على تفنيد سعادة السفير الفلسطيني عطا الله خيري في الاردن
عن طلب اللجوء فنحن لم نطالب به أولا لمن يقرأ ما بين السطور بل كان مطلبنا الاول الحصول على هوية وجواز سفر برقم وطني وان كان غير ذالك فليس أمامنا مفر من اللجوء الى المنظمات الدولية ذات الصلة للحصول على هوية و وطن نفتقده ولم نلذ بهذا الطلب ولا نرجو إلا أبناء وطنا الغالي فلسطين لنصرتنا في حقنا للحصول على هوية و وطن و لا يوجد لدينا رجاء إلا لله و من ثم ل ابناء وطننا فقط.
و عن عدد الموجودين في السايبر ستي من الفلسطينيين ف يا سعادة السفير العدد لم ينخفض من 160 الى 140 كما زعمت وانت لا تعلم و لم تسال اصلا لكي تعلم ان العدد ارتفع من 160 الى 165 و قيل على لسانكم انكم تواصلتم مع اشخاص لتشكيل لجنة داخل السايبر ستي ف هذا لم يحصل مطلقا منكم ولم تتواصلوا مع احد مطلقا لغاية هذا التاريخ ولن يكون هناك تواصل إلا على قاعدة الحصول على هوية و جواز سفر برقم وطني و نضيف هنا يا سعادة السفير باننا نشكر جهودكم في تعليمنا اصول الضيافة و ايضا جهودكم في تغطية تقصير السفير (حكيم زريقي) عن تصريحه بتاريخ 20/9/2012 ل ربحي يوسف و محمد الحوراني من السايبر ستي بأنه ارسل لنا طرود غذائية وأننا قمنا باستلامها ولكن تغطيتك لسعادة السفير حكيم زريقي جاءت متأخرة 5 ايام حيث قمتم وعبر الهيئة الخيرية الاردنية الهاشمية بإيصال طرود ابناء شعبنا في الداخل لنصرة اللاجئين الفارين من سوريا بتاريخ 25/9/2012 هذا و قد علمنا من مصدر موثوق لدى السلطة الفلسطينية في عمان عن وصول مساعدة مادية خاصة باللاجئين السايبر ستي الفلسطينيين من السيد رئيس السلطة محمود عباس الى السفير عطا لله خيري بإيصالها الى فلسطينيين السايبر ولكنها ظلت طريقها في جيوب احدهم و عذرا سعادة السفير عطا لله خيري لتنصيب السيد( حكيم زريقي) سفيرا عوضا عنكم لان المراجعين الاثنين فقط من السايبر ستي و بعد فرارهم عدة مرات للجوء اليكم لشرح معاناتهم على مدى اشهر لم يشاهدوك مطلقا فقط شاهدو السفير الميمون (حكيم الزريقي) الذي لم يفدهم بشيئ لغاية الان سوى اتهامهم بأنهم يسعون للحصول على جواز سفر السلطة لأجل الهجرة ولكنك سعادة السفير نسيت ان المنظمات الدولية ذات الصلة لديها القدرة على موضوع الهجرة دون اللجوء الى جواز السلطة.
اما عن سكن السايبر ستي المرفه فهل يعقل ان الجميع كاذبون يا سعادة السفير و من ضمنهم منظمة هيومن رايتس ووتش و محققها الاول جيري سمسون و مراسل عمان نت محمد شما ومراسل الجزيرة نت في عمان محمد النجار وكل من شاهد واقعنا المأساوي الذي لم تشاهده لا انت ولا اي شخص من سفارتك السعيدة بسكننا يا سعادة السفير .
هذا الخطاب فقط لكي لا تفقد مصداقيتك يا سعادة السفير و نتوجه بالشكر الى كل المنظمات و الجمعيات والهيئات و وكالات الانباء و مراسيلها الذين قاموا بزيارتنا و نقلو معاناتنا عن كثب.
ممثلو السايبر ستي:
فلسطيني اردني : جهاد الحجوج
فلسطيني غزاوي :عياش الشمالي
فلسطيني غزاوي :محمد غبن (ابو حيدر)
فلسطيني مصري:محمد الحوراني

لا يكشف هذا البيان الذي أثبتنا نصّه أعلاه عن مدى التوتر الطارئ بين "ممثلي" اللاجئين الفلسطينيين من سورية إلى لبنان ( ثلاثة منهم من قطاع غزة ومصر- من أصل أربعة موقعين على البيان- وبين السلطة الفلسطينية ممثلة بسفيرها في الأردن، فحسب، لأسباب قد تتعلق بالتوتر المقيم بين حركتي فتح وحماس. لكنه يكشف أيضاً عن معضلة أشمل أشرنا إليها أعلاه تتمثل بوجود عشرات اللآلاف من "المنفيين" الفلسطينيين قسراً، قد يكون عدد كبير منهم من قطاع غزة في غياب أرقام دقيقة عن عدد هؤلاء "المنفيين" وتوزّع أصولهم الجغرافية الفرعية.
لا يتوقف الأمر عند هذا الحدّ، بل هو يتعداه إلى خطوط حمرتتوهج بالسخونة تلتقي حيث يتقاطع، سياسياً، مجريا نهري اليرموك والأردن وبحيرة طبرية.وتتلخص هذه الخطوط الحمر في المخاطر التالية:
أولاً : تفتيت الدولة السورية، أو أقله استنزافها في حرب داخلية، بما يُخرج نظامها الحالي أو اي نظام بديل ممكن حالياً، من معادلة الصراع العربي-الصهيوني- على غرارما حصل ولا يزال يحصل مع مصر منذ ما ينوف عن أكثر من ثلاثة عقود من الزمان.كما يخرجها من معادلة استعصاء التنمية، التي تحكم العولمة الاقتصادية منذ عقدين من الزمان تقريباً.

ثانيا : انتقال " الهاجس" الديمغرافي، المتمثل في الكثرة العددية الفلسطينية في الأردن، من حال الكمون والترقب الراهن إلى حال من القلاقل والاضطراب، قد يجد فيها الكيان الصهيوني فرصة لتحقيق حلمه القديم-الجديد في ما يسمى" الوطن البديل".وقد يكون الخط الأحمر الأكثر خطورة يتمثل في اختلاق ظروف تدفع بالفلسطسينيين في سورية، ومن ثم في لبنان، إلى الانتقال إلى الأردن، ما يعمق الانقسامات الجهوية ويفاقمها.
ثالثاً: ومما يوازي التطورين أهمية، إن لم يزد عن أهميتهما، أن من سيقف على راس هذا الهرم الجديد المهيمن في المنطقة هو الكيان الصهيوني لاغيره،مرتكزاً على احتمالات تفكك الدولة السورية، وتفتت المجتمع الأردني-الفلسطيني، وطمس قضية فلسطين المركزية، وعلى إعادة السيطرة الأمريكية على المنطقة في شكل جديد.
************

أي ظروف يعيشها النازحون الفلسطينيون في الأردن؟

بعض الشهادات

تسود أوساط النازحين الفلسطينيين حال من السخط والاستياء والمرارة إزاء كافة الأطراف ذات العلاقة بمحنتهم الجديدة.ولعل مردّ هذا الحال هو هذه الأزمة الداهمة، من دون أن يجدوا لهم فيها ناقة ولا بعيرا.

فالسلطات الأردنية تعتبرهم لاجئين " اقتصاديين"، أي يبحثون عن موارد رزق، لا لاجئين سياسيين يبحثون عن ملاذ سياسي آمن في ظل العنف الدموي المستشري في سورية منذ نحو عامين. وهي تمتنع عن "تكفيلهم"، أي قبول كفالة مواطن أردني لهم هي شرط من السلطات الأردنية لمكوث الفلسطيني في الأردن ، خلافاً لما هو الأمر عليه مع اللاجئين السوريين الذين يتم قبول "تكفيلهم" في العادة، وبالتالي إجازة إقامتهم في الأردن. ويُعاد الفلسطيني بعد فترة من التوقيف والتحقيق إلى سورية، ويُسلّم للمجموعات المسلحة المسماة "الجيش السوري الحر".
رئيس "مركز جذور لحقوق الإنسان" فوزي السمهوري لم يفاجأ بموقف الأردن الرافض لتكفيل اللاجئين الفلسطينيين من حملة الوثائق السورية، ويقول إن ” الحكومة الأردنية لم تحترم إعلان الدار البيضاء منذ صدوره".وطالب السمهوري بالسماح بالتكفيل خاصة في ظل وجود ضمانات مقدمة من الكفيل تضمن عودة اللاجئين إلى سورية في حال استقرارها.
ووصف رئيس الهيئة الأردنية لنصرة الشعب السوري المهندس علي أبو السكر عدم التكفيل بـ ” الأمني”، وقلل من مخاوف السلطات الأردنية من دخول اللاجئين الفلسطينيين وتكفيلهم.
شهادات مسؤولي" منظمات المجتمع المدني"في الأردن متوفرة إلى حد معقول، أياً كانت قيمتها وتأثيرها الفعلي. أما بالنسبة إلى شهادات اللاجئين الفلسطينيين من سورية إلى الأردن، فهي تكاد تكون نادرة، إن لم تكن شبه معدومة. ولا حاجة إلى ذكاء استثنائي لمعرفة "السّر". ففي أزمة على جانبيْ الحدود، لا آفاق وشيكة واضحة لها، قد تكون "الشهادة" مشروع "شهادة"، خصوصاً في ما يتعلق بالفلسطينيين، "الأوطى حيْطاً" و "الأقل حيلة" في هذا الصراع "الدوخي"( نسبة إلى الدوحة والدوخة). وعلى ذكر"الدوخة"، فقد دُخناً باحثين عن عائلات تناهى إلى أسماعنا أن إحداها عادت إلى الأردن ( عائلة أبو محمد راجي أبو شرف)، لنكتشف بعد طول عناء أن الرجل نفسه وزوجته وأبناءه الذكور لا يزالون في دمشق وأن اللواتي عدن إلى عمان هنّ بناته فقط ،و من طريق المصاهرة ليس إلاّ. بل نمى إلى علمنا أن عائلة من الطائفة ال"علوية" وصلت إلى مخيم البقعة في استضافة بيت أحمد أبو حُقّ( أبو زياد) ، الفدائي الذي كان تزوج امرأة "علوية" من بلدة جبلة السورية بعدما كان غادر لبنان إلى سورية بعد الاجتياح الاسرائيلي سنة 1982.
شهادة كفاح ( أم محمد):
من الشهادات التي استطعت معايشتها عن كثب، واستمعت إليها بإصغاء مستحق، كانت تجربة كفاح وابنيها: محمد وأويس.
كان "قَدَر" كفاح ( ابنة مخيم البقعة)، شانها شأن العديدات من الفتيات الأردنيات/الفلسطينيات، أن تذهب إلى دمشق لمتابعة دراستها الجامعية في ثمانينات القرن الماضي. لم تحصل كفاح، بعد كفاح طويل مع "الواسطة"،الأكثر شهرة في سورية بالذاتـ،، على قبول جامعي، بل حصلت على عريس(اسمه خليل عادي، ومن مخيم البقعة أيضاً)! ومن "سوء الحظ" وطبائع الأمور في تلك الأيام، أن العريس كان شاباً قد فرّسنة 1981 من الخدمة العسكرية من الجيش الأردني ليلتحق بالمقاومة الفلسطينية! وأنجب الزواج ابنين (محمد من موالي سنة 1992، وأويس من مواليد سنة 1996) وابنتين (حنين وبيادر، تزوجتا من فلسطينيين/أردنيين فانتهت مشكلة منفيهما).
إلى هنا، تبدو "الحكاية" عادية، أو شبه عادية. لكن من هنا، تبدأ مأساة الأم وابنيها الاثنين. فمن هنا تبدأ الاتصالات والوساطات والرشى المالية ومحاولات " التسلل" المحفوفة بالموت إلى الأردن.
كانت الرشى سيدة الموقف. فمن وسيط ادعى إنه يستطيع حل " المشكلة" مقابل مبلغ من المال يدفعه لقاء مبلغ يدفع طالما أن الشابيْن أردنييْن " بصورة قانونية" وأن لديهما الحق في " العودة إلى وطنهما، الأردن". ومن وسيط آخركسابقه زعم إنه يمكنه استعادة جنسيتهما و " استخراج" جواز لهما من السفارة الأردنية في دمشق.وكم وكم من الوسطاء غيرهم كانوا على المذهب نفسه.
استطاعت العائلة، بشقّ الأنفس، أن تتدير أمورها من الناحية المالية، لكنها لم تقدر على إعادة ابنيها محمد وأويس من سورية إلى الأردن. فلم يعد أمامهما سوى محاولة" التسلل" إلى البلد الذي يحملان جنسيته وحمايته من بلد يفرّ منه بعض سكانه نفسه.
وهكذا قررا في حزيران/يونيو 2012 أن يخوضا مغامرة "التسلل" عبر "الشيك" الشائك، مع آخرين غيرهم، من منطقة درعا السورية إلى منطقة الرمثا الأردنية المحاذية. و..فجأة بدأ إطلاق النار. ما همَّ ممّن ومن أين. فالمنطقة كلها " مشبوهة" ومباحة للنيران. أُصيبت امرأة برصاصة عشوائية، و "أُصيب" محمد عادي ب" الشهامة". فلم تستقبله، هو وغيره من "المتسللين"، سوى الاستخبارات العسكرية في بلدة الرمثا الأردنية الحدوديةة. وبعد أيام من التوقيف والتحقيق، تقرر عدم " تكفيل محمد وأويس"، بل إعادتهما إلى سورية من خلال ما يسمى " الجيش الحر"!
حتى الآن، لم تنته حكاية محمد وأويس. وكذلك لم تنته حكاية آلاف (؟؟) الشباب الذين كان آباؤهم يأكلون " حصرم المقاومة" وهم الآن يضرسون. هل كان الآباء حقا يأكلون الحصرم ؟ وهل حقاً أن الأبناء يضرسون.
إنني حقاً لفي شك عظيم!
******

وأخيراً، لا آخراً، فإنني لا أجد إلاّ أن أردّد مع الفلسطيني النازح من سورية، أو من أي مكان آخر، إلى أي مكان آخر، قول الشاعر الراحل محمود درويش :
إلى أين نذهب بعد الحدود الأخيرة؟

أين تطير العصافير بعدالسماء الأخيرة؟


د.خالد عايد



https://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن