حياة وموت اليسار الجديد في سورية

نهاد نحاس

2002 / 10 / 13

 

 

أخبار الشرق - 12 تشرين الأول 2002

مرت الحركة القومية العربية منذ نشوئها في بداية القرن الماضي وحتى الآن بعدة أطوار. كان للعامل الخارجي وزن هام ودور فاعل ومؤثر في تحديد مسارها ورسم توجهاتها. ويمكن تقسيمها بناءً على قياداتها ومحتوى برامجها والأهداف التي سعت لأجلها إلى أربعة أطوار هي:

- الطور الأول ويمتد منذ ولادتها وحتى نكبة 1948.

- الطور الثاني من نكبة 1948 وحتى هزيمة 1967.

- الطور الثالث من الهزيمة إلى حرب الخليج الثانية.

- الطور الرابع وهو الطور الراهن في مسار الحركة القومية بدأ مع انتهاء حرب الخليج الثانية وبروز النظام العالمي الجديد ذي القطب الواحد الذي أصبح العالم فيه قرية كونية صغيرة بفضل الإنجازات الهائلة للثورة العلمية والتقنية، ما يطرح على الحركة القومية أسئلة كثيرة تقتضي صياغة رؤى ومنطلقات وطرائق عمل جديدة تتناسب وهذه التحولات التاريخية العالمية. (وهو ما سنتناوله في مقال لاحق).

أما ما يهمنا الآن فهو الطور الثالث في مسار الحركة القومية العربية الذي نشأ وترعرع فيه اليسار الجديد في المشرق العربي عموماً وفي سورية بشكل خاص.

شكلت هزيمة 1967 مفصلاً هاما في تاريخ الصراع العربي - الصهيوني، ما زالت تداعياتها حاضرة حتى الآن في حياتنا العربية. ففي أعقاب الهزيمة التي كانت (في أحد وجوهها) ضربة قاسية للحركة القومية العربية (الناصرية في مصر والبعثية في سورية) طرحت على بساط البحث من جديد الرؤى والمنطلقات التي حملتها وطبيعة القوى التي قادتها.

وجاءت معركة الكرامة في آذار 1968 لترسم ملامح المرحلة المقبلة وطبيعة القوى التي ستقودها وبرامجها، ولتمكن فصائل الثورة الفلسطينية من السيطرة على منظمة التحرير وتحويلها إلى أداة سياسية بيدها ولخدمة أهدافها بدلاً من أداة مساومة عليها بيد النظام الرسمي العربي.

لقد كان للانطلاقة الثانية للثورة الفلسطينية انعكاس كبير على الحركات السياسية في المشرق العربي، فتحت السجال واسعاً حول سبل مواجهة المشروع الصهيوني، فحصلت انقسامات عديدة داخل فروع حركة القوميين العرب بين يمينها ويسارها، وبرزت خلافات حادة في الحزب الشيوعي السوري حول القضايا القومية انتهت بخروج الاتجاه الراديكالي منه، وصراعات داخل الحزب الشيوعي اللبناني حسمها مؤتمره الثاني بمراجعة نقدية لمجمل مواقفه القومية.

بعد قبول عبد الناصر لمشروع روجرز (بغض النظر عن الدوافع والأسباب) وما تلاه من مجازر في الأردن وانتقال فصائل الثورة الفلسطينية إلى لبنان، وانقلاب الأسد في سورية واحتوائه للحركة السياسية فيها من خلال جبهته الوطنية، وبتأثير من المد اليساري العالمي (جنوب شرق آسيا، أمريكا اللاتينية، الحركات الطلابية في أوروبا .. إلخ)، ظهرت الاتجاهات اليسارية الجديدة في سورية وعلى الأخص في الأوساط الطلابية. وانتشرت الحلقات الماركسية على امتداد الساحة السورية وجامعاتها، وبدأ السجال فيما بينها نظرياً وسياسياً حول القضايا القومية، وبشكل خاص القضية الفلسطينية والوحدة العربية، وطبيعة النظام السوري الاجتماعية والوطنية، وسمة المرحلة محلياً وعربياً وعالمياً والموقف من الاتحاد السوفياتي، والحزب الشيوعي العربي الموحد .. إلخ.

إن المفارقة الكبرى التي حصلت في تلك المرحلة بين انكسار المشروع القومي العربي بعد هزيمة حزيران 1967 وتراجعه، وبين تنامي الرفض الشعبي للهزيمة وتقدمه، سيكلف قواه السياسية، وفي المقدمة منها فصائل المقاومة الفلسطينية والحركة الوطنية اللبنانية، ثمناً باهظاً ستدفعه من دم أبنائها وأهدافها. ومن رحم هذه المفارقة ولدت عدة منظمات يسارية صغيرة في سورية لم تعمر طويلاً لأسباب مختلفة (لست بصدد عرضها الآن) باستثناء رابطة العمل الشيوعي التي تشكلت عام 1976 والتي تحولت لاحقاً في عام 1981 إلى حزب العمل الشيوعي في سورية، الذي انتهي بدوره مع بداية عام 1992 نتيجة الضربات الأمنية المتلاحقة والاعتقالات المتكررة التي شملت أكثر من ألفي معتقل على امتداد عمره الذي بلغ أكثر من ربع قرن قدم خلاله عدة شهداء ومئات المحكومين المجردين من حقوقهم المدنية والسياسية.

والمفارقة الكبرى الثانية كانت بين الشرط التاريخي الذي وُلد فيه اليسار الجديد بوصفه اتجاهاً راديكالياً داخل الحركة القومية العربية، ورؤية هذا اليسار لطبيعة المرحلة التاريخية التي تعيشها سورية كمرحلة انتقالية على طريق الثورة الاشتراكية، وما ترتب على ذلك من مواقف وسياسات وتحالفات أضرّت به وأدت في نهاية المطاف إلى عزلته وموته البطئ.

__________ 

* كاتب سوري، ناشط في الدفاع عن حقوق الإنسان - دمشق

 



https://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن