الحركة الكردية وكوميدية الرأي الآخر

محمد عكو
mohammadalide2017@gmail.com

2002 / 10 / 9

 

أخبار الشرق - 8 تشرين الأول 2002

الديمقراطية .. هذه الكلمة التي تدغدغ أحلام البسطاء والمستضعفين على أرض المعمورة الحالمين بالمساواة والعدالة والعيش الكريم، الغارقين في عفاف هذا الحلم والتائهين في أزقة وشوارع جمهورية أفلاطون بعيدين كل البعد عن ماهية الواقع بكوابيسه ومخططات بني بكو عوان وأذياله الذين يحاولون جاهدين تقزيم وتهميش هذا الحالم الأفلاطوني واغتصاب حقه حتى في الهواء الذي يستنشقه.

نمارسها حسب المزاجية التي تنتهي بنا إلى دكتاتورية الرأي وتهميش وتحقير الرأي الآخر الذي ينتهي إلى أقبية أحلام إسماعيل المجنون حين أطلق العنان لصرخته التي مزقت غشاء الطبل في آذان حاشية بكو عوان في هذه الهزلية - نداء وصرخة - حين قال: "الحياة حلم أنا رأيتها وأنتم لم تروها".

نتوغل معاً في دهاليز ذاتنا وأزقة الماضي نبحث عن شيء ينادونه بالديمقراطية، ومعه نبحث عن هويتنا ووجودنا. نزيل معاً أكوام الهزيمة والتصنع ونفسح المجال ونفتح الأبواب والنوافذ على مصراعيها إلى ذلك المنسي القابع تحت أنقاض دكتاتورية الرأي وجبروته.

لماذا نتخذ من الديمقراطية وساماً زائفاً مصطنعاً نعلقه على صدورنا كنياشين هوارو التائه والمنسي في أزقة وحواري عامودا وقامشلي؟

هل هناك شيء في قاموس حياتنا اسمه الرأي الآخر؟

هل هي كلمة .. أكلة مستوردة .. بنطال ..؟ أم وحش بربري ..؟ لا نعرف ماذا يكون هذا الشيء.

منذ بدء الخليقة كان هناك الصالح والطالح، الليل والنهار، الحر والبرد، العملاق والقزم. لن نتعمق في ماهية هذه الحقائق بقدر ما تهمنا من هذه الأسطر أن نتوقف ولو قليلاً عن دور الحركة الكردية في سورية منذ تأسيسها في (14 حزيران 1957) في تنمية المجتمع الكردي ديمقراطياً، من خلال فصول هذه الهزلية ونبدأها معاً بالفصل الأول من هذه المأساة:

كان المجتمع الكردي في سورية كغيره من المجتمعات الشرقية تحكمه علاقات عشائرية وروابط إقطاعية وعائلية حتى تأثر نخبة منه بأفكار غربية وتداعياتها عن حقوق الإنسان وحرية المرأة وغيرها من المصطلحات كالديمقراطية.. إلخ، مفردات غربية دخلت أذهان هذه النخبة. بذلك يكون المجتمع الكردي قد قفز قفزة نوعية وكمية في آن واحد من النواحي الاجتماعية والفكرية والسياسية.

بعد ذلك ظهرت تنظيمات وجمعيات ونوادٍ كردية تدعو إلى تحرير الشعب الكردي كغيره من شعوب المنطقة، وأن يكون له كيان مستقل تعيش فيه الأمة الكردية بسلام وكرامة وحياة أساسها إنسانية الإنسان. كان قادة هذه التنظيمات بمثابة الراعي الحكيم لقطيع تاه بين نزاعات عشائرية وعائلية. وانتشرت هذه الأفكار الغربية ولا سيما مصطلح الديمقراطية بين كافة شرائح المجتمع الكردي في سورية، رغم أنهم لم يفهموا منه سوى تعريفه التقليدي: أن الشعب يعبر عن آرائه ومعتقداته كما يشاء دون حسيب أو رقيب.

واستمر ذلك حتى فترة الخمسينات، وتحديداً حتى 14 حزيران 1957، حينة أُعلن ميلاد أول تنظيم سياسي كردي في سورية تحت اسم "الحزب الديمقراطي الكردستاني في سورية"، كأول تنظيم سياسي وفق المفاهيم الحديثة. كان الممثل الشرعي والوريث الحقيقي الذي طالما انتظرته الأمة الكردية في كردستان سورية، حيث ناضل في سبيل خدمة القضية الكردية في سورية بإيمان مطلق بأن القضية الكردية في سورية هي قضية أرض وقضية شعب مضطهد ويتعرض إلى التهميش والتجويع والتعريب، حتى اعتقال القيادات الفعلية لهذا الحزب وحدوث خلافات جمة بين القياديين في السجن وخروج هذه الخلافات إلى الشارع الكردي وبيان بوادر الانشقاق بين القياديين في اتجاهين فكريين متناحرين فيما بينهما حول شرعية هذا الاتجاه أو ذاك والتنازلات التي قدمها بعض القياديين أثناء المحاكمة، وبذلك انقلبت الموازين وأخذت الحركة في الانشقاقات كالبارامسيوم، وضاعت القضية وضاع معها المناضلون الذين خدموا القضية بإيمان مطلق وراء الكواليس ودخلت الحركة في متاهات فكرية هنا وهناك.

كل من له إطلاع على المناهج السياسية والأنظمة الداخلية للفصائل الحركة الكردية، يجد أنها من حيث المبدأ تضاهي نظريات الفلاسفة ورواد الفكر في سبيل إقامة حياة تملؤها الإنسانية وحقوق الإنسان والمساواة والديمقراطية بين أجناس البشر دون تمييز هذا عن ذاك. لكن من مفرزات هذه النظريات وعبقرية القادة الكرد تكمن في أنهم طبقوا الديمقراطية حسب أهوائهم ورغباتهم. لهم كل الشكر والمودة بأنهم زرعوا في المجتمع الكردي اثني عشر لغماً متمثلاً في اثني عشر فصيلاً لا يختلفون من حيث النظام الداخلي والمنهاج السياسي بشيء، بل أنها نسخ فوتوكوبية من بعضها البعض، ما عدا براويز الإطارات الخارجية لكراسي هذا الفصيل عن ذاك، ولا يمكن التعرف على أحزابنا ومعرفة أسمائها إلا بتسمية أسماء رؤسائها (الحزب .. جماعة فلان)، وزرعت في داخل كل بيت من بيوت المجتمع الحقد والكراهية من خلال حاشيتهم، كل واحد منا يتباهى بشرعية معلمه ونهج حزبه دون غيره.

إن الحركة الكردية الحالية في سورية لا تمثل الوريث الشرعي للشعب الكردي لأنها - الحركة الحالية - كحالة تاريخية وظرفية غامضة فرضت على الشعب الكردي. بل نستطيع القول: إن هذه الحركة لا تمثل سوى اثنتي عشرة عائلة إقطاعية انتهازية وحاشيتهم، استطاع القياديون الكرد بديماغوجيتهم كسب ود السلطة وانتزاع الشرعية الزائفة من المناضلين الحقيقيين الذين خدموا القضية الكردية من وراء الكواليس لا لأنهم جبناء أو قليلي الإيمان بل شراع السفينة كان أكبر من حجم السفينة التي غرقت في مستنقع الوجاهة والمتاهات الزائفة بيد القياديين الذين دبوا في كل أرجاء الوطن لكسب ود وشرعيتهم من هذه الجهة الأمنية أو تلك.

إن فرسان الحركة قد طبقوا وصية الإسكندر المقدوني بتمزيق وتبديد طاقات الشعب الكردي في حكمته حين قال: إذا أردتم السيطرة على أي شعب وتفتيت طاقاته لا تقتلوا الزعماء بل أكثروا من أمثالهم ليتحاربوا فيما بينهم ونحن نحرض فلاناً ضد فلان والعكس بالعكس.

لقد عانى مجتمعنا الكردي في سورية من انتصارات القادة وحروبهم الداخلية. هذه الحروب التي فاقت الحرب الأهلية في لبنان التي خسر فيها الشعب اللبناني الموارد البشرية والمادية، لكن نحن خسرنا كرامتنا وإيماننا والقضية في آن واحد. زرعوا في كل بيت لغماً تحت يافطة الديمقراطية وشرعية تعدد الأحزاب، هذه الأحزاب التي لا تختلف عن غيرها إلا بطقم وربطات أعناق أعضائها عن الفصيل الأخر.

وتتجلى ديمقراطية الحركة في الانتخابات التي يمارسها القياديون فيما بينهم. بمجرد حصولك على الضوء الأخضر من قبل القيادة المبجلة تكون قد فزت بالتزكية وإلى الأبد أيها الرفيق، ومبروك عليك المنصب الجديد، ولا تخف لن يأخذ أحد منصبك ما دمت تطبق الوصية، ولا ترى ولا تسمع ولا تتكلم يا رفيقي العزيز.

أما بالنسبة لرؤساء الأحزاب فإنهم باقون في مناصبهم دون منازع ولهم كل الحق في ذلك، لأنه ليس هناك من يملك الجرأة الكافية في استلام هذا المركز الحساس والهام. وإلى الأبد يا رؤساء أحزابنا ودمتم لنا منارة يهتدي إليها كل من فقد الإيمان بالتطبيق الحقيقي للديمقراطية والنضال.

إننا نعيش في رقعة جغرافيا نامية في دولة نامية، وإلى كل من له إلمام بعلوم الرياضيات والتكاملات أتوجه بالسؤال التالي: ما مدى صعوبة اشتقاق تابع من الدرجة الثالثة والعكس؟ ما مدى صعوبة تكامل من الدرجة الثالثة؟

هذه هي حالنا، والحركة غارقة في ديمقراطيتها وشرعيتها لدى السلطة. أتوجه هنا بسؤال بسيط إلى قادة الحركة الكردية الديمقراطيين: هل هناك شيء في قاموس الحركة الكردية والمناهج السياسية والأنظمة الداخلية لأحزابكم اسمه الرأي الآخر؟

ما مدى تقبل الحركة للرأي الآخر، الشارع الكردي، الشريحة غير المنظمة في جيوشكم وجبروتكم؟

ذاك المنسي الذي يملك إيماناً مطلقاً بشرعية القضية الكردية في سورية وأنتم تتنازعون لانتزاع شرعية أحزابكم من داخل سورية وخارجها. إن الحركة الكردية في سورية إذا أرادت تمثيل الشعب الكردي برمته وبكل شرائحه عليها مراجعة حساباتها ليس بقلم ودفتر مهترئ، بل العودة إلى الإيمان الحقيقي وممارسة المبادئ والنظريات التي تطرحها هنا وهناك بين الشعب أولاً وأخيراً، وبرمجة الأخطاء والاستفادة منها بمنظور حداثة العصر الحالي وما توصل إليه من التطور الهائل في كل شيء وعلى كل الأصعدة، وأن تهتم بالرأي الآخر في الشارع الكردي.

وأختم هذا الفصل بإحدى منجزات القادة الكرد، إذ وضعوا قاموساً سياسياً جديداً، ألا وهو: "الهامش الديمقراطي". فحقوق طبع هذا المصطلح وتوزيعه ملك لقادة الحركة الكردية قي سورية.

فهل الحركة الكردية في سورية جزء من المعارضة الديمقراطية؟ أم إنها جزء من الهامش الديمقراطي في سورية؟ أو إنها جزء من معارضة الرأي الآخر للشعب الكردي؟

__________ 

* كاتب كردي سوري - القامشلي

 



https://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن