بين الحزب والقبائل والعشائر التوازن الهش للنظام العراقي

فالح عبد الجبار
faleh-institute@hotmail.com

2002 / 10 / 6

 
السبت 05 أكتوبر 2002 03:24
 
 بعدما قررت إدارة الرئيس جورج دبليو بوش فرض الاستسلام دون شروط على نظام السيد صدام حسين، تذكّر الحملة العسكرية الوشيكة على العراق بـ"الموت المعلن" في رواية غبريال غارسيا ماركيز الشهيرة ومع ذلك فإن ثمن القضاء على هذا النظام قد يبدو باهظاً جداً، وحتى أنه قد يولد حالة من الفوضى. ذاك أننا إزاء نظام سياسي فريد عرف كيف يقاوم الصدمات الكبيرة مثل فشله في الحرب ضد إيران (1980-1988) والهزيمة العسكرية المنكرة في الفصل الأول من العام 1991- إثر اجتياحه الكويت. فاستمراره هذه المدة الطويلة وإن لم يكن مفاجئاً أبداً، هو ثمرة استراتيجية سلطة معقدة الى درجة مذهلة لكنها مدروسة بكل عناية.
  كان صدام حسين في شبابه معجباً بالنظام الهتلري وهي نزعة ورثها عن خاله خير الله طلفاح (١) وفي ما بعد تأثر بالشيوعية وانضم ستالين الى حلقة نماذجه المثالية. وهكذا فإن النظام الذي شرع في بنائه تأثر بهذا الميراث إنما حمل أيضاً بعض المواصفات الجديدة. فعلى غرار النموذج الالماني استند نظام البعث في العراق الى أربع ركائز: الايديولوجيا التوتاليتارية والحزب الواحد والتحكم بالاقتصاد  (المسمّى اشتراكي) وبوسائل الاعلام والجيش.
   وبخلاف النموذج النازي فإن الشكل البعثي سيحوّل المؤسسات الاجتماعية التقليدية للقبائل والعشائر التي لا تزال فاعلة في مناطق الاطراف، الاقليمية والريفية، الى حجر أساس في الدولة. إضافة الى أن ثلاثة مراكز رئيسة حصرت بالعشيرة الحاكمة، وهي مركز وزير الدفاع ورئيس المكتب العسكري ورئيس مكتب الأمن القومي. لكن في السنوات الأولى من تسّلم هذا النظام الحكم في العام 1968، كان الأمر عبارة عن قبلية دولتية محصورة في عشيرة النخبة الحاكمة، آل بو ناصر، وتشكل النواة الصلبة فيها قبيلة البيجات. وفي السنوات التالية سيتم استلحاق أفخاذ قبلية أخرى من الدرجة الثانية(2). وما بعد ذلك ارسيت استراتيجيا الخوف الهادفة الى تركيز دعائم السلطة والى تشكيل النخبة الحاكمة وقمع حركات الانشقاق والنزاعات على السلطة التي عانى منها كثيراً الجيش وسياسة الأحزاب ما بين العامين 1958 و1970.
   وتشكل الايرادات النفطية عنصراً مكوّناً آخر في هذا النظام التوتاليتاري الذي أقامه حزب البعث. فما ملكته البلاد من احتياط كبير قد سمح بنهضة الخدمات العامة ومختلف أشكال الرعاية الاجتماعية. فإذا الآفاق المشرقة تنفتح امام الطبقات الوسطى المتغربنة التي حققت الثروات مع الازدهار النفطي المفاجئ الذي أعقب حرب تشرين عام 1973 . ومن دواعي السخرية أنه تحت ضغوط اقتصاد موجه ازدهرت طبقة عليا في شكل غير متوقع. وكمؤشر الى ذلك يذكر انه يمكن إحصاء 53 عائلة ثرية في العام 1968 و80 في العام 1980، واكثر من 3000 في العام 1989 . غير ان هذه القوى الاجتماعية الجديدة، هؤلاء الموظفين والملاّك، هذه الطبقات الوسطى والعليا، تدين بازدهارها في شكل مطلق تقريباً للوظائف والعقود مع الدولة وليس لنظام ليبيرالي. 
  وتحتل الجماعات العشائرية أو العائلية مواقع استراتيجية داخل بنية السلطة والطبقات الصاعدة. فهذه "الطبقة العشيرة" مهيمنة داخل الجيش والحزب والبيروقراطية وعالم العمال، وهي تحقق لحمتها عبر الروابط الايديولوجية والمصالح الاقتصادية والتزاوج، وعبر إيمان عميق بالنظام العشائري وذلك بالرغم من جميع الخطابات الرسمية ضد العشائرية.
   هذا النظام التوتاليتاري هو إذاً مزيج من العناصر الحديثة والتقليدية بغية التحكم ببنى السلطة كما بالقاعدة الشعبية الصاخبة في هذا المجتمع المتعدد الاتنيات، حيث العرب منقسمون بين سنّة وشيعة وحيث الأكراد يمثلون أقلية مهمة. وهذه اللحمة شكلت النبض الرئيسي في إطالة عمر النظام... إنما شكلت أيضاً نقطة ضعفه.
   ففي مجال التماسك بين النخبة الحاكمة والامساك بدعائم السلطة، تأتي تجربة البعث مختلفة جداً عن النظامين السابقين، سواء اكان نظام اللواء عبد الكريم قاسم (1958- 1963) الذي أطاح انقلابه الملكية، أو نظام المشير عبد السلام عارف (1963-1968) الذي استند في حكمه على الجيش وعلى روابط الدم  (عشيرة جميلات). وكلاهما فشل في تثبيت النظام. اما البعث فأضاف مقوّمات جديدة الى الصيغة الأساسية، جمعت بين الجيش والتضامن القبلي. وهذا المزيج المعقد استغرق تحقيقه وقتاً طويلاً لأن مختلف العناصر المكوّنة للنظام متناقضة في طبيعتها. فمن جهة، هناك المعايير الحزبية الحديثة وهي المعايير التي يدّعيها حزب البعث، صاحب الدعوة القومية العربية الاشتراكية والتي لا تنأى به عن الانقسامات الداخلية، ومن جهة اخرى تتناقض هذه المعايير مع أشكال الترابط والتضامن القبلي.
   وفي السنوات الأولى شهد الوضع مساكنة صعبة بين الجناح المدني والجناح العسكري في الحزب قبل أن يتم التوصل الى عزل العسكريين في ثكنهم. كما أن الحيّز العشائري نفسه سوف تمزقه عمليات التنافس والدسائس المرعبة حول السلطة والثروات. لكنه أمّن في الوقت نفسه بعض التماسك. ولم تكن القومية العلمانية تشكل جزءاً من الخطاب التقليدي في أوساط النخب القبلية النبيلة، لكن في نهاية الأمر أصبحت العروبة واحدة من قيمها. وكانت الثروة النفطية تشهد بالتأكيد تقلبات مستمرة لكن أشكالاً بدائية أخرى ابتدعت من أجل التحكم بالاقتصاد.
   وفيما كان المحيط الاقليمي والعالمي الذي ساعد في تركيز القومية العربية في المنطقة يشهد حالة من التحول، وخصوصاً بعد هزيمة مصر وسوريا والاردن في حزيران/يونيو عام 1967، كان على النزعة الوطنية العراقية أن تملأ الفراغ. وكان لا بد من حدوث بعض الصدامات حين كانت تتم المزاوجة بالقوة بين هذه القوى الاجتماعية والخطابات الحاملة بذور التناقض، غير أنه امكن إحلال نوع من المساكنة بينها. وكلما انفجرت أزمة كانت تجري بعض الاصلاحات من أجل إعادة التوازن المهزوز. وكان الرئيس صدام حسن هو المعلّم الماهر في عمليات إعادة التوافق المرنة هذه.
وجاءت الحرب بين العراق وإيران، ثم حرب الخليج لتفرضا عمليات إعادة هيكلة مستمرة. فخلال سنوات المعاناة الثماني من المواجهة مع "الثورة الاسلامية"، أصبح الدين رهاناً سياسياً، وبات تمرد شيعة العراق وموقفهم إزاء جمهورية آية الله الخميني الاسلامية في صلب اهتمامات بغداد. وقد فقدت الدولة التي أضعفها هذا النزاع الطويل، سيطرتها على العديد من القبائل وشهد الواقع حالة تعزيز للنزعات القبلية. وقد ابتلعت الحرب الاحتياطي المالي البالغ 38 مليار دولار وأغرقت البلاد في مديوينة بلغت حوالى 50 مليار دولار. وظهرت في أوساط الجيش الذي بلغ عديده مليون جندي حالات من التململ. وقد اعتقد جيل الحرب أنه سيعود الى الحياة المدنية المزدهرة التي عاشها من قبل، وبدا أن السيطرة على الجنود قد فُقدت في شكل خطير، وتعطّلت بنى الدولة وآليات الاصلاح الاجتماعي. وفي هذه الظروف طرأ في 2 آب/اغسطس اجتياح الكويت الذي كان الهدف منه في نوع خاص إعادة الاستقرار الداخلي.
وقد ادت هزيمة العام 1991 الى أزمة بنيوية ومزمنة ذات أبعاد خمسة على الأقل. فالدولة كأداة للحكم قد وجدت نفسها ضعيفة في شكل فادح. وقلصت الآلة العسكرية الى حوالى ثلث ما كانت عليه قبيل الحرب كما أصيبت بالشلل نتيجة عمليات التمرد المحلية التي أصابت قبل كل شيء كردستان في الشمال والغالبية الشيعية في الجنوب، إضف الى أن الولايات المتحدة قد جعلت منهما منطقتي حظر جوي. كما أن أجهزة الأمن قد عانت كثيراً خلال انتفاضة ربيع العام 1991 وفقدت الكثير من المعطيات والموظفين المؤهلين.
  وفي درجة ثانية شهد نظام الرقابة الايديولوجية، أي هيئات البعث، حالة تراجع موازية. فبعدما ارتفع عدد المنتسبين الى الحزب في العام 1990 الى 1800000، فقد تراجع بنسبة 40 في المئة عشية المؤتمر العاشر للحزب في العام 1991 وقد استمر هذا التراجع في المؤتمرين الحادي عشر والثاني عشر  (في العامين 1996 و2001)، وكانت حالة النزف هذه كبيرة في نوع خاص في الجنوب، في البصرة والناصرية، وفي الوسط في حلّة والنجف وكربلاء إضافة الى بغداد. وهذه الخسارات قد قللت من قدرة حزب البعث على قيادة الدولة والتحكم بالمجتمع.
   وثالثاُ، حرمت العقوبات الحكومة من العائدات النفطية الضخمة السالفة، والتي كان من نتائجها انخفاض معدل الناتج المحلي الاجمالي بنسبة تزيد على 75 في المئة  بالنسبة الى العام 1982، وقد تراجع معدل دخل الفرد السنوي من 4219 دولاراً الى 485 دولاراً في العام 1993. وهو اليوم يقدّر بنحو 300 دولار. وبسبب حاجتها الى المال تعمد الدولة الى زيادة الضرائب وتشغّل آلات طبع العملة. وقد فقد النظام الى حد بعيد قدرته على تأمين دعم شرائح اجتماعية واسعة له بواسطة الخدمات الاجتماعية وتمويل الاقتصاد.
   وحالياً يتأسس نوع جديد من العلاقة بين الدولة والمجتمع، لم تعد الدولة فيها تحتكر سلطة المال. فالاقتصاد الموجه الذي كانت تدعمه عائدات النفط بدأ يتصدع. وعلى الأقل، بدأت قوى السوق، وهي في طور نشوئها، تقضم اطراف الدولة.
   وفي درجة رابعة يشهد الوضع انكفاء الطبقات الوسطى من الموظفين التي كانت حتى فترة متأخرة الطبقة الأوسع الداعمة لحزب البعث. فقد حرمها التضخم الرهيب كسب قوتها وبات أفرادها يتعيشون من المخصصات الضئيلة جداً. فقبل الحرب كانت قيمة الدينار العراقي تساوي 3.10 دولار أميركي، اما في العام 1996 فقد بات الأمر يحتاج 3000 دينار لشراء دولار واحد. ومذاك يراوح سعر الصرف ما بين 2000 و12000 دينار قبل أن يثبت إثر ذلك على 2000 دينار. وقد بلغ الحرمان بالناس حداً أنهم باتوا يبيعون ملابسهم وأثاث منازلهم وكتبهم ومجوهراتهم وحتى الادوات المستخدمة في الحياة اليومية من أجل تأمين معيشتهم. وقد تخلت هذه الطبقات الوسطى عن كل اوهامها الى درجة ان المنظّر والمروّج الرسمي لحزب البعث، العميد عبد الجبار محسن سمح لنفسه بذرف الدموع علناً على "الطبقات الوسطى التي خسرناها"(٣). وصار ملايين العراقيين يهاجرون الى الاردن أو اوروبا او الولايات المتحدة.
   واخيراً فإن "الشرعية الثورية"، التي كانت مبرر وجود الحزب الوحيدة والاقتصاد التابع للدولة، قد تلقت ضربات قاسية منذ زوال الاتحاد السوفياتي وسائر نماذج الحزب الواحد في اوروبا الشرقية، ناهيك بنتائج الليبيرالية المتواضعة التي تطبَّق في الشرق الأوسط.
   وهكذا فإن النتائج المدمرة للحربين المجانيتين كلياً قد تسببت بحالة طلاق بين الشعور الوطني الشعبي والقومية الرسمية وفجرت حالة انشقاق واسعة إثر حركة تمرد العام 1991 التي سُحقت في شكل دموي. ثم أن ما اصاب النظام بعد وقف إطلاق النار ومن جراء قرارات مجلس الأمن قد فرض على النظام ملزمات ومعوقات لا سابق لها. وكل ذلك ساهم في فك قبضة النخبة الحاكمة عن بنى السلطة فيما أصبحت الدولة نفسها من الوهن الى درجة أنها باتت عاجزة عن إدارة الجماهير المدينية المضطربة، مهما كانت منقسمة. ولم يكن في الامكان تحاشي التصدعات في رأس الهرم حتى انها وصلت الى داخل البيت الرئيسي، أي بيت المجيد. وقد عانى الجيش والحزب انشقاقات مستمرة، فإذا ما يزيد على 1500 من الضباط الكبار والمتوسطين يفرون نحو الغرب وعدد كبير من مفوّضي الحزب يطلبون اللجوء في الخارج.
   ولمواجهة هذه التحديات التي لا سابق لها سينفّذ النظام على مدى عقد من الزمن استراتيجيا للحفاظ على بقائه تتلخص في خمس نقاط: تنظيم شؤون البيت القبلي الرئيسي، إعادة تنظيم الجيش، إحياء القبائل في البلاد كلها لتحل مكان منظمات الحزب، إعادة انعاش الترسانة الايديولوجية ونشر ادوات جديدة للتحكم بالاقتصاد.
   وترتيب شؤون العشيرة الحاكمة وحل مسألة الصراع على الخلافة هما اللذان شكلا التحدي الذي كان يُخشى منه أكثر من غيره. فالقبلية القائمة على رأس السلطة كانت تتكل على تحالفات واسعة بين القبائل السنية حول عشيرة البيجات التي تتألف بدورها من عشرة أفخاذ. وقبل العام 1968 كان رهان التنافس بين هذه الأفخاذ يتعلق بالسلطة المحلية التقليدية، ومنذ العام 1978 بات رهانها يتطلع الى السلطة الوطنية. وبالرغم من إبداء مظاهر الشعور بالتضامن فقد كانت السلطة المركزية تنتقل في شكل مفاجئ من فخذ الى آخر مربكةً علاقات القبائل بالحزب وبالدولة. وقد ضربت في شكل قاسٍ سبعاً من القبائل العشر الثانوية في سلسلة من ردات الفعل.
  وكان من شأن وصول الرئيس صدام حسين الى الرئاسة في العام 1979 ـ حين حل مكان محمد حسن البكر ولو انه كان منذ زمن طويل يمسك بزمام السلطة الفعلية ـ أنه غلّف بالنسيان آل بو البكر  (وهم الفخذ التي تحدر منها حسن البكر) ليمسك بزمام القيادة آل بو الغفور  (الفخذ التي تحدر منها صدام حسين).
   وقد عرف آل التكريتي المصير نفسه. ففي الثمانينات كان السيد صدام حسين يستند في شكل أساسي الى جماعات ثلاث من أهله: أشقاؤه الثلاثة من أبيه (آل بو الخطاب) ونسيبه من جهة امه وصهره ووزير الدفاع السابق عدنان خير الله طلفاح  (من آل بو مصلت) وعلى عناصر متحدرة من بيت آل بو المجيد وهم فخذ من بطن آل بو الغفور. كما ان بطوناً وأفخاذاً  أخرى مثل آل بو حزة  (منها العميد عمر حزة) أو آل بو نجم  (منها العميد فاضل براك) أو أيضاً آل بو منعم  (منها المشير ماهر الرشيد) احتلت عندذاك مراكز مهمة لكن من دون أن تتولى مناصب رئيسية. وهذه الثلاث الأخيرة ستتعرض لنكبة خلال الحرب مع إيران وبعدها حيث سيُعدم زعماؤها وتتهمّش.
   وما سيتسبب بالمشكلات الكبرى هو صعود آل بو المجيد في التسعينات. فقد جاء تزايد النفوذ هذا معاكساً للقواعد الأساسية المطبَّقة في الحزب وفي الجيش، من كسب الفعالية الى أوضاع الخدمة الى الترقيات بناء على الأقدمية.
   فحسين كامل وصدام كامل  (وكلاهما اقترن بإحدى بنات الرئيس) وعلي حسن المجيد يمسكون على التوالي بالصناعة العسكرية وبالجهاز الخاص وبوزارة الدفاع. كما ان لهم أقارب يتولون مراكز مهمة مثل راكان وهو المرافق الخاص للرئيس. ومع صعود نجلي الرئيس صدام حسين، عدي وقصي، تراجعت الثقة بآل المجيد. وقد بلغ الصراع ذروته مع عملية فرار حسين وصدام كامل الى الاردن في العام 1995 ثم عودتهما وتصفيتهما في شباط/فبراير من العام 1996، كما صُفّي كل من والدهما ووالدتهما وشقيقتهما.
   هذه المرحلة الدموية زادت من زعزعة بيت آل المجيد في العمق وأربكت الرئيس الذي حوّل اهتمامه عن بيته الداخلي المؤلف من اعضاء من آل بو المجيد، ليستند اكثر فأكثر الى الفخذ التي ينتمي إليها، آل بو الغفور، وهي فرع يضم بيتاً آخر هو بيت آل بو سلطان. فأوكل الى السيد كمال مصطفى  (الشخصية الرئيسية في آل بو سلطان والنسيب الأقرب للرئيس من جهة ابيه) قيادة الحرس الجمهوري، الذي يضم فرقتين عسكريتين لهما استقلاليتهما، والحرس الحقيقي الشرعي للنظام. ثم اقترن شقيقه جمال بابنة الرئيس الصغرى. وكل شيء يحمل على الاعتقاد ان العلاقات بين البيتين (المجيد وابو سلطان) متوترة كما هي حال التوتر بين نجلي الرئيس.
   فقصي هو الذي اختاره والده لخلافته، واليه أوكل مهمة إعادة تنظيم أجهزة الاستخبارات والأمن الداخلي. كما أنه في العام 2000 منح حق تأمين الرئاسة بالوكالة عند الضرورة. وقبل ذلك كان قصي قد عُيّن "مراقباً عاماً" في "جيش أم المعارك"  (الذي أصبح في ما بعد الجيش الجمهوري). وفي نيسان/أبريل عام 2001 انتخب في القيادة القطرية للحزب(٤). وهكذا نشأت نواة صلبة جديدة لكنها تستند الى رجلين فقط هما قصي وكمال مصطفى.
   إن قبلية الدولة لا تزال تعمل، لكنها بدأت تشيخ. إنها هذا النظام القائم على استلحاق السلالات القبلية بجهاز الدولة بغية تعزيز سلطة نخبة قائدة ضعيفة ومعرضة. وبالعكس، فإن القبلية الاجتماعية تقوم على إعادة إحياء او استخدام أو ابتداع بنى قبلية انطلاقاً من شبكات قيم القرابة الراسخة في أوساط النازحين من الريف وسكان المدن في المقاطعات.
   وسيكتشف حزب البعث ويستغل قبلية عسكرية خاصة بالشعب الكردي، فيعمد الى تجنيد الآغوات من قبائل سورشي وميزوري ودوسكي وحركي كمرتزقة من اجل محاربة الحركة القومية الكردية منذ العام 1974. وخلال الحرب ضد إيران اكتشف النظام أيضاً حيوية القبائل العربية في الجنوب التي قاتلت القوات الايرانية وشكلت مفتاح الاستقرار للسلطة المركزية. ونسجل هنا الصعود الاجتماعي لوجهاء القبائل في اواخر الثمانينات وذلك في نوع خاص بسبب انكفاء الجمعيات المدنية ذات الطابع الحديث.
  وكلما كانت تضعف منظمة الحزب كانت تحل مكانها شبكات تضامنية بدائية. وقد تولت هذه المهمة بحماسة بعض العائلات القديمة بعدما شجعتها الحكومة على النهوض بالمسائل المتعلقة بالنظام العام. وفي كل مكان يصر الناس على إعادة تشكيل الصلات القبلية صورياً او فعلياً. ففي العام 1992 استقبل الرئيس في قصره زعماء القبائل وطلب الصفح عن الاصلاحات الزراعية الماضية ووعد بالتعويض عن ذلك. فإذا كل فريق يرفع لواءه ويقسم بالولاء للرئيس الذي برز بذلك مجدداً رئيساً اعلى على رؤساء القبائل.
   وتتلقى القبائل، المعفاة من الخدمة العسكرية، تسليحاً خفيفاً ووسائل نقل واتصال. والقبائل الكبرى، السنية في الغالب، كلفت شؤون الأمن القومي، اما الصغرى فهي مسؤولة، على الصعيد المحلي، عن عمل الشرطة والقضاء، وعن تسوية الخلافات كما عن جباية الضرائب. وباتت كلها تعمل على أنها امتداد لأجهزة الدولة. وفي معنى آخر إن نهضة القبائل كعوامل اجتماعية نتجت من الحاجة الى ملء الفراغ الناتج من تدمير مؤسسات المجتمع المدني كما من انكفاء الدولة نفسها كمصدر للأمن والعدالة وكضامن للحياة والممتلكات. وبعض القبائل التي تم إحياؤها أو اختراعها لا تعمل في محيطها الطبيعي، أي في المناطق الريفية، بل في المدن مما قد يتسبب في تفكيك النسيج الاجتماعي المديني المتعلم نفسه.
  وهاتان الخطتان  (قبلية الدولة والقبلية الاجتماعية) منسجمتان في ما بينهما بكمية من الادوات المساعدة للتعبئة والتحكم. ومن هذه الأدوات هناك التجديد الايديولوجي. فالوطنية العراقية، التي تغرف من التاريخ القديم تمتزج بالقومية العربية كي تشمل بذلك الاتنيات غير العربية. اما إيديولوجيا القرابة التي تمجد الانتماء الى السلالات، وهو موضوع الخطاب القبلي بامتياز، فسيضعها دعاة الحزب في صلب مفهوم العروبة، فبدون سلالة موروثة لا قيمة أبداً للقومية العربية. اما الوهابية، وهي المذهب الحنبلي السعودي المتشدد، فإنها تتسلل عبر الحدود المخترَقة في الجنوب تحت أنظار أجهزة الأمن المتساهلة. ويُنظر الى هذه الايديولوجيا الدينية على أنها تشكل عنصر توازن مطلوب مع المذهب الشيعي المجاهد.
   وهناك عنصر أخير ساعد أيضاً في صمود هذا النظام، وهو العقوبات. فهو يتحكم ببرنامج "النفط مقابل الغذاء" (٥) وعملية توزيع الحصص الناتجة منه تتم عبر تقديم الافادات التي أصبحت أداة للتلاعب والتعبئة. فخلال الانتخابات الرئاسية في العام 1995، كان التصويت اجبارياً بالنسبة الى كل من رغب في الاستفادة من افادة تموين كانت مرفوضة أساساً للمنشقين أو المفترضين كذلك. ولم يسبق أبداً للنظام أن امتلك بين يديه وسيلة تحكم اجتماعي بهذه القوة.، حتى ليمكن وصف هذه الخطة بـ"سياسة الجوع". اما دعم الطبقات العليا فيتم الحصول عليه بوسيلة مختلفة تماماً، وهي رفع القيود عن السوق. ففي كل ليلة تكون العلب الليلية الراقية في بغداد مرتعاً لاحتفالات الأثرياء الصاخبة، قديمي النعمة منهم وحديثيها، تخجل إزاءها أساطير "ألف ليلة وليلة".
   هذا الخليط من القومية والوطنية والقبلية والسنّية قد ساعد السلطة في البقاء وفي التغلب حتى الان على مجمل العوائق التي تهدده. لكن اذا اجتاحت الولايات المتحدة البلاد، فلا احد يمكنه التكهن بما ستتركه هذه السياسة من أثر على البلاد.

 
  * عالم اجتماع مقيم في لندن، باحث في مدرسة السياسة وعلم الاجتماع التابعة لجامعة لندن. من مؤلفاته الحديثة:
Ayatollahs, Sufis and Ideologues. State, Religion and Social Movements in Iraq ; et Tribes and Power (co-dirigé avec Hisham Dawod), tous deux publiés chez Saqi Books, Londres, 2002.
1 ــ كان طلفاح من المؤيدين المتحمسين للعروبة، وتنم خطاباته الاذاعية اللاهبة من بغداد في العام 1941 والتي نشرت في العام 1971 عن مدى اعجابه بـ"القوة" و"الرايخ" و"الفوهرر".
2  ــ البنية القبلية تتبع الرسم البيياني التالي: القبائل تنقسم الى "عشائر" تنقسم بدورها الى افخاذ والافخاذ تتكون من الحمولة 0العائلات الموسعة) المنقسمة بدورها الى بيوت.
3 ــ صحيفة بابل (الطبعة الانكليزية)، بغداد،  20/12/ 1994 .
 
4 ــ إن القيادة "القطرية" لحزب البعث مسؤولة عن العراق، فيما القيادة "القومية" تشرف على مجمل العالم العربي وتضم كوادر من مختلف البلدان.
 
5 ــ ان القرار 986، المعروف بـ"النفط مقابل الغذاء" والذي اعتمد في العام 1995، قد حظي في النهاية بموافقة العراق عبر توقيعه في 20 أيار/مايو عام 1996 مذكرة الاتفاق مع الأمم المتحدة. وهو ينص على أنه في امكان العراق أن يصدّر النفط بما قيمته 2 مليار دولار كل ستة أشهر، وقد رفع هذا المبلغ الى 5.2 مليار دولار في شباط/فبراير من العام 1998 وتوضع هذه المبالغ في حساب خاص بالأمم المتحدة ويخصص 53 في المئة منها لتسديد ثمن الواردات العراقية، الغذاء والأدوية وبعض الحاجات المدنية، و13 في المئة للمقاطعات الشمالية الثلاث  (كردستان) التي لا تخضع لرقابة الحكومة المركزية، اما الباقي فيستخدم لصناديق التعويض لضحايا الحرب مع الكويت  (٠٣ في المئة) ولمختلف المصاريف الخاصة بالانفاقات المتعلقة بالحصار وبعمل الأمم المتحدة  (ومنها قوات الاونسكوم). وتجدر الملاحظة هنا الى أن بغداد قد رفعت، خلال الاسبوع الثاني من شهر أيلول/سبتمبر عام 2002، من صادراتها النفطية التي بلغ مجملها 6.4 ملايين برميل، أي ما يقارب نصف طاقته الاجمالية المقدرة، مقابل الثلث خلال الصيف كله.

اللوموند ديبلوماتيك ومفهوم


https://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن