الكادر الحزبي تحت المجهر

فرات الفرات
furat1@telia.com

2002 / 10 / 6

منذ عرفنا الحزب الشيوعي العراقي وإطلعنا على تاريخه الحافل في القرن الماضي، لاحظنا العديد من التكتلات التي إنشقت عنه تحت هذا المسمى أو ذاك. وفيما عدا الإنشقاق الكبير، والذي أكاد اسميه إنشطارا، والذي عرف بإنشقاق القيادة المركزية، ما عدا هذا لم يفق العدد الإجمالي لمنتسبي تلك التكتلات الخمسين بأحسن تقدير. ناهيك عن إنها سرعانما إنتهت تحت وطأة المتغيرات المتسارعة بينما بقي جسد الحزب أو ما يفترض أنه جسد الحزب، بقي سالما، أو هكذا يدا للمتابع عن بعد. وأذكر من التكتلات المنشقة عن الحزب على سبيل المثال: جماعة الراية، جماعة المنبر، جماعة النواة الينينية (التي كان الدكتور نوري أحد مؤسسيها) جماعة لجنة التنسيق،،الخ. وشخصيا أضع الفروضات التالية لسرعة إنتهاء تلك التكتلات:

أولا: الزخم الكبير الذي كان للحزب سياسيا. حيث كانت ثوابته الوطنية مثالا للنضال الوطني المعادي للإستعمار، ومثار إعجاب حتى للقوى التي عادت الحزب الشيوعي وتذابحت معه. هذا الزخم الكبير لاشك سيحتوي السياسيات الحادة (يسارا ويمينا) التي طرحتها تلك التكتلات. ولا يعني التكتل شيئا ما لم يعتنق الناس برنامجه السياسي.

ثانيا: رغم العداء الظاهر للشيوعية، والذي غالبا ما يعبر عنه بمظاهرات مفتعلة، خصوصا في الستينات، كانت العامة متعاطفة مع الحزب الشيوعي العراقي، وآنيا وعلى هذا الأساس لن يلق المنشقون عن الحزب تعاطفا من هذه العامة، وإنلقوا، فمن جزء محدود جدا، وعلى أسس ليست سياسية بالتأكيد.

ثالثا: مهما كان من أخطاء القيادات العليا للحزب في مرحلة ما قبل الثمانينات، كانت هذه القيادات صلبة في مواقفها الوطنية وغالبا ما دفعت حياتها ثمنا لمواقفها. أي أنها قيادات من مساق النضال الوطني العراقي. وكمثال لهذه القيادات الشهيد سلام عادل، الذي إعتنق طروحات خارج مساق الحزب لكنه حين جد الجد عاد إلى الوطن ليقود النضال رغم معرفته الحقة بأنه يخاطر بحياته. ومن هنا، فحزب تقوده مثل هذه الكوادر، لن يكون الإنشقاق عنه، بوعي العامة، سوى تشذيب له ليس إلا.

رابعا: وهو عامل غاية الأهمية والخطورة. الهيكل التنظيمي، الذي بقي دائما بيد القيادة العليا، بحيث تعذر على المنشقين الوصول إليه، أو إلى جسده الغالب، لذا إنحرموا من إمكانية الإمتداد، فأصبحوا أمام الأمر الواقع. حيث لكي يستقلوا ويكونوا حزبا، كان عليهم البدء من الصفر تقريبا. وهو أمر صعب جدا، فالفكر الشيوعي منتشر، ولن يأت المنشقون بالجديد، والطبقات الإجتماعية على مستوى الشعب قد نظمت أنفسها بأحزاب، أو فرزت أحزابها السياسية، ولا مكان لأي تشكيل جديد بينها. لذا سرعانما تذابل المنشقون وإنتهوا.

خامسا: وهو عامل ثانوي وإن بدا مهما. فبيد الحزب آنذاك، عوامل الحياة اليومية وأسباب التواصل النضالي خصوصا بالنسبة لأعضاء قضوا غالبية حياتهم في الأوكار، ولم يعتمدوا على صنعة غير الحياة التنظيمية. وكان حرمان الرفيق من مخصصاته كفيل أما بإسقاطه بيد الطرف الغريم، أو بتوبته وعودته للخط العام. مثل هذا كانت المنح الدراسية والبعثات والتي كان مقدرا لها أن تصل إلى نصف أعضاء الحزب تقريبا. ومن يمتلك مقدرات الرزق للكوادر المفكرة (أي يمسك بخانوقها) ومن يقرر هي مصير البعثات والمنح، هو عمليا يسيطر سيطرة مطلقة على ثلاثة أرباع الحزب.

سادسا: وهو ما خص تجربة القيادة المركزية. فسبب إنهيارها الأساس هو وللأسف، الدور المشين الذي لعبته بعض العناصر القيادية في اللجنة المركزية حيث وشت بأماكن إختفاء كوادر القيادة المركزية قبل أن يتقوى عودها وتعيد تنظيم نفسها وأوكار إختفائها. لذا إنتهت، بالشكل الذي نعرفه.

ومن هنا، فربما تنتهي تجربة (الكادر الحزبي) إلى ما إنتهت إليه سابقاتها. ونحن نسمع بين الحين والحين ومن لسان القيادة الحالية للحزب، بأنهم إشتكوا جماعة (الكادر ) إلى السلطات ،،الخ. لكن عوامل مستجدة ربما تكون لصالح الكادر، فتجعلها تصمد، أو على الأقل تمد في عمرها فلا تموت عاجلا كسابقاتها. من هذه العوامل:

اولا: رفض هذه الجماعة لفكرة الإنشقاق. فإن كانت صادقة في دعواها، فقد كسبت، أو ستكسب بلاشك بعضا من تعاطف العامة مع الشيوعية.

ثانيا: في عالم الأنترنيت، والأفسيت، لم تعد الحاجة كبير للمال. حيث يكفي 100 دولار شهريا للدور الإعلامي. وأربعة على الأقل من الكادر كما أحدس، هم من الكتاب والمحللين السياسيين المعروفين. أي لا تنقصهم الإمكانيات الفكرية. مثلما، وكما أفترض، فغالبية المنتسبين لهم مستقلون ماديا ومتواجدون في المهجر. وهو ما يعصمهم الإنزلاق حتما.

ثالثا: المتغيرات الجارية عصمتهم أيضا من التفتت تحت مغريات المنح والزمالات التي لم تعد موجودة.

رابعا: وقد رد (الكارد) على طلبي بالإنتساب إليهم بالرفض (اللطيف). وهذا أما شطارة(!) منهم أو أنهم حقا لا يركزون على التوسع التنظيمي، إنطلاقا من هدفهم المعلن (وهو وحدة الحزب وإعادته إلى ثوابته الوطنية) الأمر الذي لا يتطلب عددا كبيرا من المنتسبين. وهذا يحيد تأثير العامل الرابع أعلاه عليهم.

خامسا: وأراه الأهم والأخطر. وهو هبوط سمعة قيادة الحزب، أو العناصر المفاتيح فيه، إلى الصفر، بسبب تعاونهم مع أمريكا والصهيونية. ونحن شربنا مع الحليب، مسلمة أن الشيوعي هو الوطني. طبعا دون إنقاص لدور الأحزاب العراقية الأخرى. وحين يتجرد الإنسان من وطنيته يلفظ بلا رحمة.

سادسا: الحالة العامة للتنظيم داخليا منهوكة كليا. والحزب تخلى أو هجره، غالبية مفكريه، بدليل أننا نرى إعلامه حاليا يحركه شخصان كانا حتى الأمس القريب من ضمن النظام الحاكم في بغداد، وشخص ثالث تبين أنه متعاون مع الخارجية الأمريكية لقاء مال. كل هذا يحدث علانية وعلى مرأى ومسمع الشارع العراقي الحساس جدا تجاه مفهوم الوطنية عموما.

بقي أن تقول لنا الأيام ما لم نعلمه الآن. وأن تجيبنا على السؤال: هل سيصمد (( الكادر الحزبي )) أم ينتهي كسوابقه؟!

  فرات الفرات



https://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن