برقية سابعة من صديق على عتبة الإلحاد

يونس بنمورو
benmouro@gmail.com

2012 / 9 / 22

أكتب سطور هذه الرسالة بإحتقان عصيب ، فالقلم يرتعش كعادته بين أناملي ، لكن في برقيتي هذه يرتجف بحدة لا ليشكوا إليك همومي أو ليتقاسم و إياك مشاعري و أحزاني ، بل أراسلك هذه المرة صديقي الحبيب لأشتكي من نفسك و لنفسك ذاتها ، أخطط بحسرة إمتعاضا منك أيها العزيز فقلقي منك زاد يا رفيقي لعدم ردك على أحد رسائلي ، و تعاظم لأنك لم تتحمل عناء البحث والكتابة لتجيبني و تهدئ من روعي ، فصدقا يا صاحبي وجب إخبارك بأن إحساسي لم يكذبني يوما و لم يوهمني بتاتا و مطلقا ، فل تعلم إذن يا خليلي أني أحسست بما يجول بخاطرك من ركام الأفكار و كثرة الإستفسارات ، و متيقن أني لم ألفها عليك بالمرة ، و لم أعتد سماعها منك حتى ولو من باب الترف و الإبتذال ، أعلم فعلا يا صديقي الحميم أنها لا محالة دخيلة عليك ، و لفضولك المعرفي المعهود ، لم تستطع مقاومتها أو لربما عجزت عن مسايرة إندفاعها ، أو لمن الممكن يا عزيزي أنك كنت متعطشا لفهمها فقط و إستيعابها ، فبحثت عنها أنت بنفسك و إستدرجتها نحوك للنقد و التمحيص لتأخذ كل الوقت من إهتمامك و تفكيرك ، أو جعلت من قبولها محاولة عابرة لتلوكها لفترة من الزمن حتى تستئنسها و تستسيغها لتحدد مصيرها إما برفضها أو تقبلها ، فرغم صورتك المتفهمة التي لا تفارقني و التي أستحضرها كلما تذكرتك و جاءت لحظة لتوقظها من مخيلتي ، و رغم إنتصارك عزيزي للفكر الحر الإشكالي ، فإن الشك بدأ يدب إلى دهاليز دماغي و أخذ في التسلل بين عوالم أفكاري ، لينهش صورتك المغروسة على حائط ذكرياتي ، أعلم فعلا أن سؤال الإلحاد بدأ في الإنبثاق من تحت غطاء الإيمان الدافئ المطمئن يا عزيزي ، و أخذ في الإنسلال من جب الإلتزام الوجداني الوثوقي ، فل تعلم إذن يا صاحبي أني أتمنى و لا زالت أمنيتي أخذت في السيران بأن لا يكون كلامي روتينيا ثقيلا لا ينتهي حتى لا تتبرم أبدا من برقياتي ، و الطامة الكبرى أنه كذلك يا صديقي ، فرغم كل المحاولات و المجهودات فإنه يبقى على هيئته دونما تبدل أو تغيير ، لأن الأسئلة أخذت سبيلها في الإسترسال بدون تعثر أو إنقطاع ، و على نفس الشاكلة أخلصت لنفسها و بقيت وفية لنفس المتن و الأسلوب ، بصراحة أيها الزميل أرغب ألا تفكر في إلحادي أو إيماني ، فأنا لست بالأول و لا الثاني ، فلست بالورع المتقي أو الملحد الكافر يا حبيبي ، و لعلمك يا صاحبي فالإلحاد ليس بالتهمة مطلقا و لن يكون كذلك بتاتا ، فلا هو بالعيب الوجودي أو الخلل الدماغي ، و ليس بوصمة عار على الجبين كما يدعي آل الدعوة و التبليغ المحترمين ، فالإلحاد بأبسط طرق الفهم و التفسير صديقي الكريم هو أرقى حريات التفكير و أعمقها قناعة و تحررا يا عزيزي ، ينتصر للرأي مهما كان مأتاه و يحترم قائله مهما كانت مرجعيته ضمانا لحق الإختلاف ، فما في الأمر يا روح فكري أني لم أصل بعد لهذه القناعة الشخصية و ربما على دربها أنا متموقع و سائر ، و من المحتمل أن أصلها فيما بعد دونما ريب أو زيغ ، و لو كنت ملحدا فاسقا و فاجرا يا خليلي ، كما يتم وصف أصحاب العقل و المناصرين للتفكير ، لما خجلت من هذه الحقيقة أبدا و لن ينتابني ضيق منها ، و لن أتوانى لحظة في إظهارها و إبرازها ، و لما لا التباهي بها أو الدعوة إليها ، و لن أكون مجبرا كذلك على إفصاحها و الإعلان عنها أيضا ، و يكفيني فقط أن أحتفظ بها لي و لنفسي ، إذ لن يغنيك أمري يا عزيزي و لن يسمنك حالي في شيء يا رفيقي ، أم انك نفعي أنت كذلك يا خليلي كآل اللحية و العمامة ، نشوتك تكمن في تبضع بعض الحسنات على حسابي و الإسترزاق من ذنوبي و سيئاتي ، فل تعلم بصريحة العبارة يا مؤنسي أن ما أسعى إليه إذن و ببساطة في القول هو التفكير العقلاني المنطقي من دون أي تأثيرات كهنوتية أو ترهيبات دينية ، تقزم دور عقلي و تقزبه يا عزيزي ، فالأصل في الأمر هو الإبحار في عالم الحقيقة بعيدا عن خرافات غطاها الغبار منذ زمن سحيق ، فإرفع بدورك القداسة عن النص و إنزع ستار الحصانة عن الإله يا عزيزي و حكم عقلك بالسؤال و التشكيك ، و ستجد كل ما يشفي غليلك و يرضيك ، فمن يقدس كلمات كتاب كمن يقدس أقوال الأصنام ، فلا تجعل إذا من الإلحاد عيبا يا خليلي فإذا فهمته حق الفهم ، ستبشر بالحرية الكبرى ، و ستكون حرا بعيدا عن الأغلال و القيود ، فالعقل ممدد غير محدود لأنه كان في الأصل عقلا للقرود ، و إطمئن يا أخي لأن كل الخطوة نحو الإلحاد ستجني من ورائها الكثير ، فإياك و أن تفكر في لحظة في الموت فهو محض كذبة ليس لها وجود ، و لا تخف من شيء فأنت صدفة قد خلقت بعيدا عن أي تقديم منظم أو مسبوق ، و ها هنا أنت اليوم بالصدفة موجود لتحيى الحياة الدنيا لا غير ، ولا تصغي لمن يقر بوجود خالق عظيم للوجود و لا تلتفت إليه و لا لما يقول ، فالشمس وحدها تشرق و الأرض وحدها تدور و النجوم هكذا وجدت و لعلها مثلنا تطورت إلى ما نشاهده اليوم موجود ، و كان لها أصل بدون منازع أو حسود ، فربما كان أصلها طيرا أو ربما قطا و لربما تطورت عن دود ، فدعني أتساءل معك يا زميلي لأخطط بمنتهى الطمأنينة لأقول ، إذا كان الله تعالى رحيما كريما يا أخي ، فلماذا يعذب عباده في نار الآخرة التي لا تنتهي ؟ لم لا يرحمهم بشكل من الأشكال إذن يا عزيزي ؟ و حتى إذا كانوا يستحقون العذاب و أهواله ، فهل ما قدموه من أعمال تستحق فعلا هذا العذاب الهائل الذي سينالونه في الآخرة إذن ؟ فالجزاء و الوعيد يا صاحبي أكبر من الجرم بأضعاف مضاعفة و هذا لا يتفق بتاتا مع صفته عز وجل ألا و هي العدل ؟ حتى و إن غضضنا الطرف من عذاب الآخرة يا أخي ، فلماذا يهلك الله تعالى عباده في الدنيا بأنواع شتى من الكوارث الطبيعية ؟ أليس الله جلا جلاله رحيما بعباده يا صاحبي ؟ فلم الهلاك الشديد الذي سيقع لا محالة على الكثير من البرءاء ، الذين لم يقترفوا ما يستحقون عليه كل هذا الهلاك و العقاب ؟ فإذا كان آخرون قد أذنبوا و عتو في الأرض فسادا فليعاقبوا بمفردهم يا صديقي ، دون أن تتطاير شظايا العقاب على البعض الأخر المسالم البريء ؟ أليس الإنسان شيئا صغير حقيرا لا يستحق بالمرة هذا العذاب ؟ فلماذا يعذبه الرب الرحيم ؟ فالإنسان شيء لا يكاد يذكر في الكون ؟ فهل يستحق فعله كل هذا العذاب الهائل بالنار ؟ حتى أن الإنسان محدود زمانا و العقوبة في الآخرة ممتدة لا تعرف للإنتهاء سبيلا ، فكيف يكون الدائم عقوبة للمحدود ؟ ألم يخلق ربنا الإنسان ؟ فلماذا يعذبه إذن ؟ أليس في التعذيب هدم للإنسان الذي خلقه الله تعالى و أنشئه ؟ فما الذي يضطر الله سبحانه و تعالى ليعذب المفسدين الفاسدين السيئين إذن ؟ ألا يستطيع الله القدير إصلاحهم ثم إدخالهم الجنة ؟ إذا قلت يا صاحبي أن النار هي عملية إصلاح ، فما الذي يجبر الله الكريم على ممارسة هكذا نوع من العقاب الذي يتعارض دونما شك أو تشكيك مع رحمته عز وجل ، بينما يمكنه أن يقول للسيئين كونوا صالحين أسوياء ، فيكونوا كذلك في اللحظة و الآن ؟ نقطة أخرى يا صديقي تحيرني و تجول في ذهني ، هي أن الله جل إسمه سخر لنا كل شيء في هذه الحياة الدنيا و أن الإنسان هو اللاعب في مسرح الحياة ، و كل ما حوله ديكور مسخر لأجله للتمتع به لأنه من نعم الرب عليه ؟ فهل من المعقول أن تتسبب بعض الديكورات و النعم في قتل بعض الممثلين دون أن يتصرف واضع هذه الديكورات أو يتدخل مؤلف المسرحية كلها ، ألا وهو الله العليم القدير ؟ فهل من المعقول أن يكون بهاء الله قد سخر لنا كل ما في الكون من أرض و شمس و جبال و أنهار للتمتع بها ، ثم نكون ضحايا بالجملة لتحرك و تطور هذه المخلوقات التي خلقت لأجلنا يا خليلي ؟ فالحقيقة الواضحة صديقي العزيز أننا لسنا سوى حشرات على ظهر هذه الأرض لا غير ، و لن تحسب لنا تلك المخلوقات حسابا حينما تحرك قشرتها الأرضية لتعدل جلستها لتستوي في مكانها ؟ فإذا كان الإله الحبيب من زاوية نظر أخرى يحب العذاب و القتال إلى هذه الدرجة ، فلماذا لا يغضب سبحانه على الكفار و المشركين اليوم ؟ و لماذا لا ينزل عليهم أشد العذاب و العقاب ؟ ألم يسبق له أن أباد قرى وجماعات من ثمود و عاد و قوم صالح ؟ فهل من العدالة الربانية معاقبتهم هكذا في الدنيا و توعدهم في الآخرة بنار تشوي الوجوه و بيس المصير ؟ ألم يكن بينهم أطفال رضع و حيوانات أو نبات لا تفقه سر العذاب ، فما ذنبهم إذا يا عزيزي ؟ فهل من العدلي الإلهي إذا إعطاء فرصة لمشركي اليوم في التبختر بالإلحاد و التمادي في العصيان ، بينما أهلك قبائل بالجملة مسبقا لأتفه الأسباب ؟ أليس الله المنان الصبور كامل العلم و المعرفة ؟ فلماذا سيغضب على البشر من أساسه يا أخي ، و هو يعلم دونما شك أو ريب بما وقع و ما سيقع من أحداث ؟ ألا تعتقد أيها الصديق الحبيب أن الرب الرحيم لن ينجرح بتاتا غروره بمن لا يؤمن به ؟ و لن يغضب كطفل صغير يتأثر على أتفه الأسباب ، سوى لأن إنسان ضعيف لم يفعل ما يأمره به ، أو لم يسمع أمرا منه ؟ فلماذا ربنا الغفار مهووس بالقتل و التعذيب إلى هذه الدرجة إذن و هو الغفور الرحيم و العادل الحكيم ؟ ألا يعني هذا أنه فعلا نرجسي يتأثر لأن أوامره لم تمر على أحسن الأحوال و لم تأخذ مجراه في السيلان ؟ أليس الكون بما فيه من كواكب ومجرات لا يساوي جناح بعوض بالنسبة له ؟ فلماذا سيتأثر الرب سبحانه إلى هذه الدرجة بتصرفات عباده ؟ لو كان الله العظيم يا زميلي هو خالق الكون كله و مبدعه بحق و حقيقي ليختبر الإنسان عليه ، فما الفائدة من وجود كل هذا العدد الهائل من المجرات و الكواكب و النجوم و غيرها ؟ فلو إفترضنا أن الكون حقا مخلوق كما تدعي الأديان السماوية كلها ، أفلا تعتقد معي أن الخلق لن يتمثل سوى في الأرض و الشمس و القمر و بعض النجوم ، لكن عندما تطور العلم فضح أشاء و وصف أخرى ، و كشف لنا مجموعة من الحقائق العلمية و الكونية المناقضة للدين و أصبحنا نعلم أنه يوجد ملايين المجرات و النجوم و الكواكب ، فهل من المعقول أن يكون كل هذا الكون الواسع اللامتناهي للبشر فقط ، محجوز لعبادة مالك يوم الدين و التسبيح له ؟ ألم يوضح العلم كذلك أن كواكبا من المجموعة الشمسية ، كانت موجودة قبل أن توجد الأرض نفسها ، وهنا يطرح السؤال الحرج ، لماذا لم تكشف لنا الأديان عن تلك الحقائق من قبل يا أخي ؟ و لماذا خلق الله المنان الحنان كل هذا العدد الهائل من الكواكب ليحصر العبادة في كوكب صغير ، ألا يعلم الله العزيز كل شيء قبل حدوثه و ليس بحاجة أصلا إلى إبتلاء الناس ليعلم ردود أفعالهم و صدق تصرفاتهم ؟ أليس من المفترض أن الله الجبار العزيز يعلم القدرة الكامنة في الإنسان على الصبر و الابتلاء ، و على إمكانيته في الاستمرار بالتصديق بالخرافات و بأنبيائه أو عدمه دون تنفيذ تلك الابتلاءات ؟ ألا يعلم الله الصادق الجبار نوايا العباد إذن ؟ فما فائدة معاناتهم و شقائهم ؟ ألا يشعر الله الصبور القدوس إذن بهذه النوايا و هو البصير العليم ؟ فما الحكمة إذن من محاسبة الإنسان الخاطئ في نار السعير إلى أبد الآبدين ؟ و ما السبب الملغز وراء عذاب أزلي بسبب أعمال إرتكبها في مدة الحياة الدنيا القصيرة الأمد و المحدودة يا عزيزي ؟ أليس من المفترض أن يحاسبه في جهنم بفترة قصيرة محدودة ، تعادل عدد سنين الحياة الدنيا ؟ دعك مما قيل و تأمل معي يا صديقي الحميم في تناقضات القرآن التي لا تنتهي ، ألم يأتي في محكم التنزيل قوله تعالى " يوم نختم على أفواههم " ألم يقل الرب الجليل أيضاً " هذا يوم لا ينطقون ولا يؤذن لهم فيعتذرون " ألا توجد هذه الآية بين دفتي المصحف الشريف " و وقع القول عليهم بما ظلموا فهم لا ينطقون " ألا يدل هذا يا رفيق دربي على أن الكفار محرومون من أبسط الشروط يوم الحساب ، ألا تشير الآيات كذلك على أن الكفار يوم القيامة ممنوعون من الكلام حتى للدفاع عن أنفسهم و إبداء و جهة نظرهم ؟ و لكن أليس هذا بالتناقض عندما نعمق بحثنا في كتاب الرب المجيد لنجد في آية أخرى ، " و قال الذين كفروا ربنا أرنا الذين أضلالنا من الجن و الإنس نجعلهما تحت أقدامنا ليكونا من الأسفلين " كما يقول أيضاً جل إسمه و علاه عن الكفار " ثم لم تكن فتنتهم إلا أن قالوا و الله ربنا ما كنا مشركين " و في آية لاحقة يضيف الرب الحليم " و لو ترى إذ وقفوا على النار فقالوا يا ليتنا نرد " فها نحن نرى آياتٍ صريحة واضحة في منع الكفار من النطق يوم القيامة و آيات أخرى فاضحة تخالف الأولى في أن الكفار ينطقون و يتكلمون ؟ فهل نصدق الآيات الأولى أم الثانية إذن ؟ فالأمثلة الثلاثة السابقة تطرح سؤالاً بسيطاً يا عزيزي ، أن الله الجميل الصبور بعلمه للغيب ، يتحدث عن مشهد يوم القيامة كأنما يتحدث عن الماضي الغابر السحيق ، فهو في علم الله القدوس متحقق ومتيقن الحدوث ، ولكن وصف الإله لهذا المشهد غير متسق بتاتا و مطلقا ، فما الذي يدعو الله للتضارب في وصف هذا المشهد إذن ؟ هل لأنه لم يستقر على رأي فيما سيفعل يوم القيامة فعلا ؟ و هل يصح هذا في حق الله العليم الحكيم ؟ أم أن التفسير البسيط لهذه التناقضات أنها وصف بشري محض لمشهد متخيل ، تأثر هذا الوصف بما يعتمل في نفس نبي الصحراء من مشاعر وانفعالات لحظة الكتابة والتأليف ، لأنه لا يعقل أن يتضارب وصف الله لنفس المشهد يا خليلي ؟ في الأخير يجب أن تعلم أيها العزيز أن الشيء الأسمى الذي لا يجب أن يهاب قط هو ملكة العقل و التفكير ، بعيدا عن رمي الناس بالإلحاد أو شتمهم بالإيمان ، فمسعاي الوحيد هو الفهم العميق و لا شيء غير الفهم يا صديقي ، فكثيرا ما أقف حائرا أمام دقة ذاتي و تائها لمعرفة سر الكون و الغاية المحيرة من وجودي ، إذ أحاول جاهدا يا عزيزي قطف إجابات تقيني صقيع القولبة والتعليب ، وللأسف أن جموع المؤمنين لن تتمكن بأي وجه كان من الإجابة على أسئلتي و لن تستطيع إخماد نيران إستفساراتي ، ولن تحذف تساؤلا واحدا من طابور علامات الاستفهام المتربعة على كياني ، و تأكد يا صاحبي أن الحقيقة التي أمتلكها و التي لا تروق لحشود العابدين ، تحتل نفسي و ليس لهم كامل القدرة على نزعها و سلبها مني ، أو على الأقل زعزعتها من مكانها البديهي الأصلي ، فكلامهم مبتذل فارغ يتهاوى مع أول ريح للنقد ، و يتساقط مع مطرقة التعرية والتشكيك ، فما أرغبه إذن يا صديقي الحبيب هو أن لا يتم إتهامي بضيق الأفق و التخريف ، أو نعتي بالجهل وعدم الإطلاع ، كما لا أرغب من القطيع أن يقتنع بأفكاري أو يتبناها ، فلا أحثهم على ذلك بتاتا ، و لا أدعوهم إلى الإقتناع بها و إستدخالها ، فالجميل في أمري أني مستعد للدفاع عن رأيهم أو حتى الدفاع عن خرافاتهم يا صاح رغم إختلافاتنا ، فلماذا لا يفعلون نفس الأمر معي يا عزيزي أو على الأقل أن يتركوني و شأني ، فأنا لا أريد منهم أن يقولوا بأني على حق و صواب ، ما أريده بكل بساطة أن يحترموا عقلي و أنفسهم كذلك في ذات الوقت ، و أن يفهموا أن هناك حقائق أخرى قد تختلف قليلا أو كثيرا عن الحقيقة التي يمتلكونها ، أو لربما قد تناقضها في أغلب الأحوال ، و ما عليهم إلا أن يرضخوا للأمر الواقع يا عزيزي ، و أن يبدوا كامل الإستعداد لإحترام أفكاري أولا و تقبلها ثانيا ، لا تسفيهها و تكفيرها دونما حجة أو برهان ، و ليعلموا جيدا يا صاحبي أن الجميل في القرآن الكريم و الأشد حكمة بين سطوره يا عزيزي ، هي آية الرب الكريم " لكم دينكم و لي دين " فيا ليتهم يعملوا بها قولا و عملا يا صاحبي ، لأن من الصعب عليهم التفكير في الإلحاد لأنه خط أحمر محرم أن يخطر على البال ، متغافلين مزاياه التي لا تعد و لا تحصى ، فبه يصبح الإنسان حرا منعتقا من قيود الإيمان و منفلتا من سلاسل الخرافات و الأساطير ، و به يتمكن المرء من رؤية العالم على حقيقته دونما روتوشات أو تزييفات ، ليتقبله على أنه مجموع مكونات تتفاعل بينها فيزيائيا ، كميائيا كذلك و إجتماعيا يا عزيزي ، و لكل تفاعل شرح تفصيلي سواء إيجابيا كان في مضمونه أو سلبيا يا خليلي ، فلا يتم تبرير الجفاف بنقص التقوى و لا الفيضانات بقلة الإيمان و الخشوع ، و لا يتم وصف المعاق بالمسخ و لا المعلول بالكافر يا صاحبي ، فليعلموا إذن أن الإلحاد يجعل من الفرد حرا طليقا يقدر إختلاف الأفكار و تنوعها ، كطائر حر طليق يغرد للحياة و ينتشي ببهائها ، يحب الخير من أجل الخير ، و يبتعد عن الشر من أجل الإبتعاد عن الشر ، فلا يريد جزاء أو شكورا ، لأنه بكل بساطة يا رفيقي يحس بنفسه أحسن بكثير ممن يقوم بجل العبادات طمعا في جزاء أو مخافة من عقاب ، لذا يجب أن تعلم أيها الحبيب أن سجن العقول و تكبيلها أشد إيلاما و ألما من سجن الأجساد و تقييدها ، فلا تكن إذا كالحمار يحمل أسفارا ، و لكن كن كالكتاب يحمل أفكارا .



https://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن