أعلى من نوتات الغجر

سلمى مأمون

2012 / 9 / 4

لاشيء يميز اليوم عن سابقه سوى أنني ملقاة بالبيت. لكن تأكد أنني معك. أنفي يضغط على زجاج عينيك. و ضحكتك على شفاهي و الحيوية ممراحة كبالونات العيد في سماوات بعيدة...لا.....كاذبة أنا....فصوتك؛ اقواس النعناع التي تنشع بثوب النهار المكتوم، مفقود، لا يخض الارهاق. و لا شيء يعوض كفي تجفيف اللآليء عن جبينك لتتفرغ لترسم وجهك كمثّال بينما القصص تتخلق من تقاطع العبارات و ذبذبات التناغم. يا ليوم راحتي القاسي. أي راحة و هو المهجور!
ما دمت غائباً، ليكن هذا النهار الظافر، المعفى من انقطاع امداد الماء الكهرباء، عيد للشجيرات و حنّاء لشعري. لقد طالت كثيرا هذه الذؤابات في غيابك، على غير ما توقعت و صرتُ قادرة بدون مشقة على جذبها عرضياً حتى أذني المقابلة و تشممها. يبدو لي أنها الشيء الوحيد الذي مازال ينمو ايجابا في محيطي. هل تصدق ان شَعري بات يدنو من منتصف ظهري؟ لا اكتمك أنني اغالب الاغراء بقصّهِ قَصة قصيرة تفسح لعنقي النسيم و تبدل مزاجي قليلاً كما اعتدت ان افعل منذ عشرات السنين...و لكن القرار مرجأ الى حين عودتك. و لكنني ايضاً قد افاجئك، فلا تعتمد على قولي السابق. أنت لم تراه بعد. انتظر حتى تراه و تحكم بنفسك. و لكن، هل ستغرس اصابعك فيه المرة القادمة؟ هل سيغوص انفك بين ثناياه؟ هل سيروق لك عبقه؟ هل ستلاحظ ظلال اللون مع انعكاس ضوء النيون؟ هذا ما يحلم به شعري الطويل المحنّى، المنتظر كمكافأة ما.....أما أنا فحسبي ان تمكث اطول. فمنذ احببتك دائماً على عجل. كالعابر بصالة ترانزيت. ما اكاد أهنأ بقربك حتى تحلق بعيداً و طويلاً...و كل مرة و بمجرد ان تختفي اكتشف ان عبوات الحكايا و الكلام قد فاضت و ان كل ما عشناه مس خفيف لانامل الحروف و لكن ...ماذا اقول؟ دائماً تدق لحظة المغادرة قبل الأوان و تنفصم السِيَر المبهجة و تبقى أسيرة بالروح كالهفوات بشفاه زهيراتي الدقيقة اسفل جذوع الاشجار المعمّرة، منسية في الظلال..اللعنة على هذه الظلال التي لا تنقطع! كيف اكون وحدي و انت غائب و حاضر معاً، بينما تدندن النغمة برأسي (بالي معاك....غيرك ما يحلا لي...). وتتمشى معي التذكارات و الاعصاب مدلاة بين اللزوميات و الطاقة المتناقصة و الراحة المستحيلة؛ لقد باتت النفوس المتاخمة صماء، و الغبار مشرئب و الحرارة المقيتة قبل الاوان ترسَخ حضورها، و هنا فوق رأسي مباشرة ضجيج المروحة و قبالتي تتعسر ولادة الاخبار الجيدة. افتقد حضورك الحيّ اليوم، و تتقاطع الافكار برعونة امام ناظري كخطوط عمياء....كيف اقود هذا اليوم حتى شاطيء النوم بدونك؟ كيف؟ لن استلقي حتى لا تهجم عليّ الالام الغامضة....ساظل جالسة على هذا المقعد الصلب اصطاد الايقاعات اللازمة لربط فصول حكايتي و ساحاول ان احفظها عن ظهر قلب و ...ليتني افيق لاجدها منجزة - مجلدا ضخماً بين يديّ – ورقاً مسنون الاطراف فاضعها على اقرب منضدة و انصرف. حينئذ لن أكون بحاجة لانتظار الاجراس. لهذا و الآن و بأقصى سرعة عليّ ان احث الخطا. أن أحزم متاع الحكاية و أتهيأ قبل فوات الأوان، فقد استفحل الضرر بالوادي و صار سيده السقم و العناكب و الزواحف التافهة و كل محاولة للتهوية او هندام جديد مهدورة. فالناصع محتَلّ بالرمل و العزم مضاع مثل نجيمات لحظك التي تسقط في غيابي. يا لروحي المتأججة بهواك، كلما تحداها الحنين سحبَت مقعداً فوق ساقيك أعلى من نوتات الغجر و أسدلَت عليك سحرها و اشعلها الأرق!
اخبرني، الى متى يظل كل ببيته؟؟؟ هل سنقوى على البقاء متواشجين رغم المتاريس؟ هل سنظل نتجاذب التناقضات حتى تنقطع او ننقطع دونها؟...و ماذا سنخسر بأية حال؟ لن نعرف حتى نخوض ذلك ....و لكن ما يزلزلني أن بيتي لم يعد بيتي وحدي، منذ تعلمَت اطيافك أن تلاحقني من غرفة الى غرفة، مثل راع يطارد خرافه المشاكسة و حيلتي الوحيدة أن استبقيك: الباب قبالتي لن يحملك اليّ اليوم، و لكني سأقلص المشوار و اصبغك فوقه ايقونة. و هذا السقف الذي لن يرتسم على رموشك، ساضيفك الى بياضه نجوماً. و هذا الفراش و ذاك المقعد و قطعة الصابون بعبق الياسمين التي احبها و المنشفة البيضاء، التي لن تلامس حُمّى جسدك في أي وقت قريب، ساجعلها لغة خفية تتجاذبنا كلما الشمس رسمت خطوتها على عتبة دارها، و فاكهة حامضة قلت لي (ليس بالضرورة ان تظل حلماً)..... ليتها تغدو أجنحة .



https://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن