برقية رابعة من صديق على عتبة الإلحاد

يونس بنمورو
benmouro@gmail.com

2012 / 8 / 29

أصبح الأمر بغاية السوء أيها العزيز ، فالأسئلة تتزاحم على قلمي ، و كلماتي تصطف لتشكوا إليك بؤسي و شؤمي ، فقلمي لازال يقطر ألما و مرارة يا صديقي ، أما الورقة لا زالت تتضرع لروحي عسى أن تخفف العناء عنها و أن تكف عن إرهاقها و تدنيس نقائها ، بينما الأسئلة الكبرى لا زالت وفية للشراهة في إلتهامي ، و مخلصة للهمجية في تمزيقي و تقطيعي ، إشكالات يا صاحبي أخذت في التفاقم درجة فدرجة ، لتفضح شدة همومي و لتزيد من صرخات أهاتي و زفراتي ، دون أن تصغي السمع إستجابة لرجائي ، بأن تتوقف عن التسلل إلى داخلي و التوغل بعوالمي ، أعيش في جحيم يومي يا صاحبي ، فكلما فكرت تألمت و كلما نسيت تهت ، أتنفس النكد لحظة بلحظة ، أعيش تحت ضغوط الإلحاد و أحيا مع فكرة الانتحار ، أصبحت كئيبا حزينا ، شاحب اللون و شارد الذهن و قليل التركيز ، أعاني من صداع الرأس بإستمرار و أشكوا من تدهور صحتي إلى الوراء ، فقدت السيطرة على نفسي و لم أعد أعرف للنوم سبيلا ، فقدت الشهية و عجزت عن مقاومة سلطة جلادي فلا أجوبة قوية تلوح في الأفق لتهدئة عدوانية السؤال على عقلي ، و لا وجود لإستفسارات قد تضمد كدمات التعقل و التفكير ، أخذت موقف الحياد أمينا على نفسي و شريفا فكريا مع ذاتي ، دون الارتباط بأي تفسير لمجرد أنه يريح بالي و يطمئن نفسي ، عطلت جل الشعائر و العبادات و إستنجدت باللادينية لحدود اللحظة و الآن حتى أنأى بنفسي و بفكري عن منطق القولبة و التعليب ، و أن لا أقع ضحية الأدلجة و التخدير ، فقدت بوصلة توجهي و تعفف الاطمئنان و تبرم بعدم مصادقتي ، ليعدوا الحيصبيص ملازما لي و مؤنسا لحالي ، لأتوه بين زخم من الاتجاهات و التوجهات ، ففي أي الطرق أشق و جهتي و دربي ، هل أغمضي عيني و أستسلم لواقعي لأعيش حياة المدجنين الراضخين ؟ أم أعلن الإلحاد و أغامر بفطرتي ، فسراب الحقيقة يستهزئ بي ويسخر منى و الخوف جاثم على نفسي و مآزر لحالي ، تذبذبت يا رفيقي ما بين إلتزام و إنتكاس ، وضِعت بين مزيج من التيه المنهجي و الخواء الروحي ، صراحة أحبني الشقاء إلى حدود الذوبان و الإمتلاك ، حتى أن الليل خارت قواه و عجز عن تحمل همومي ، فلا سند لي الآن غير حبر يغشى أصابعي ، و ليل من الأرق يغرق ذاتي في عالم بدون مخرج وجودي و لا منفذ معرفي ، فقدت صوابي مرات متعددة يا خليلي ، فتارة ترجع ملكة التمييز لتحسسني بمرارة الحياة ، و تارة أخرى أعود لأفقد صوابي لأيام ، حتى أتمنى لو بقي مفقودا لأبد الآبدين ، لأكون ذلك المجنون الفاقد لمبدأ الواقع و المتوفر على مبدأ اللذة فقط ، لأتصرف طبقا لما تمليه علي ذاتي و ليس ذهني ، فقد تعبت دهاليز دماغي و ملت إلى حد الهلوسة و الهذيان ، و لم تعد تقوى على التفكير في وجود متكدر بالمعاناة و حياة متخومة باليأس و الإبتذال ، فغالبا يا خليلي ما أتحين الفرصة للهرب حيث لا أعود ، لكن أحاط بسياج من الأسئلة الشائكة الرادعة لإرادتي ، أحاول أحيانا أخرى أن أصمد و أقاوم لكن أصعق بالعديد منها ، فأنهار لأعلن ضعفي و وهني ، فكم هي الأسئلة المؤرقة التي توترني ، و كم هي الملاحظات المزعجة التي تقلقني و تطلب ود الصداقة مني ، فلنأخذ مثلا صفتين من عند سماحة الإله يا عزيزي ، لأبدأ بهم رسالتي و لأشرح لك وجهة نظري حتى تفهم طريقة تفكيري ؟ لنأخذ القدرة و الإرادة و تناقضهما العلني ، مع وجود الشر في عالم غامض مبهم غير معلوم ؟ فسنجد أنفسنا أمام تناقض صارخ فاضح يزيد من إشكالات الإله و يؤدي إلى نفيه في غالب الأحوال ، فهل بإستفحال الشر في الوجود نقول أن ربنا الصبور الغفور لا يقدر على محوه من على البسيطة ، و يعجز عن إقتلاعه من تضاريس الوجود ؟ ألن نفند هذا السؤال بكل سلاسة في الحديث ، لنقول أن هذا يتناقض بطبيعة الحال مع صفة القدرة التي يمتلكها جل علاه ، و التي تخول له فعل ما يشاء دون أدنى إشكال أو عجز و أنه على كل شيء قدير ؟ لكن سنضطر للتشكيك في صفته تعالى لأن القدرة تحتم عليه التدخل لإنهائها و هذا ما لم يتم من عنده تعالى ؟ أو نقول من زاوية نظر مختلفة على أنه قادر جل إسمه على محو الشر نهائيا بكلمة كن فيكون ، و لكنه لا يريد محوه و لا يرغب في ذلك ؟ ألن يجعلنا هذا نصفه بالظلم إذن ؟ أليس هذا كامل التناقض مع صفة الرحمة و العدل التي يمتاز بهما جل جلاله ، فربنا رحمان رحيم ، رحمته مطلقة و لكنه لا يستخدمها لمحو الشر و إعفاء البشرية منه ، مما يدفعنا لنقول و بحرية فكرية أن هذا التناقض ينفي و جوده تعالى ؟ ألم يصرح الرب الكريم في محكم التنزيل حيث يقول " أن الإنسان خلق هلوعا إذا مسه الشر جزوعا و إذا مسه الخير منوعا " ألم يخلقنا ربنا و هو يعلم ضرر الشر علينا ؟ و مع ذلك أصر على بقاءه بيننا ، فلماذا هذا الجحيم في الدنيا قبل الآخرة إذن ؟ ألا يبدوا الرب ها هنا بأنه غير عادل و غير رحيم بالعباد ؟ أليس هذا تناقض أخر يؤدي إلى نفي و جوده كرب للسماوات و الأرض ؟ ماذا يقصد الواحد الأحد بصريح الآية الكريمة و الشمس تغيب في عين حمئة ؟ فهل للشمس مغربها و مشرقها ؟ هل تجري الشمس إذن و تتحرك ؟ ألم يقر العلم بأن الشمس لا تشرق و لا تغيب ؟ ألم يفند العلم هذا الطرح إذن ؟ ألم يؤكد أن الشمس لا تدور بل ثابتة مستقرة في مكانها و أن عملية الشروق والغروب ليست بسبب حركتها بل نتيجة دوران الأرض حول نفسها ، رغم أية الكتاب الكريم القائلة بأن الشمس تجري لمستقرها ؟ أي عقل يا رفيقي سيتقبل خرافة طول النبي أدم ؟ ألم يفند العلم هذا القول و بسخرية مطلقة ؟ ألم يكذب علم الحفريات و الآثار هذا الأمر ؟ إذ لا فرق بين قامة الإنسان الحالي و القديم إلا بفارق بسيط ؟ ألم يأت في حديث الشيخان أن " ما من مولود يولد إلا نخسه الشيطان ، فيستهل صارخا من نخسة الشيطان ، إلا إبن مريم و أمه " أليس سبب صراخ المولود حسب أطباء النساء و التوليد هو دخول الهواء للرئتين ، لأول مرة بعد أن كان الجنين يعتمد على الحبل السري في الغذاء و الأكسجين ؟ أليس التثاؤب في الثقافة الإسلامية من الشيطان ؟ ألم يدرس المختصون و الأطباء التثاؤب ليؤكدوا بإستهزاء أنه إنعكاس فيزيولوجي عند التعب أو النعاس و لا علاقة له بشيطان ؟ فلماذا يقحم الحي الصمد الشيطان في كل شيء ، و ينسب له كل المصائب و المبيقات ؟ ألم يخرج الشيخان حديثا يقول " إذا سمعتم صياح الديك فإسألوا الله من فضله، فإنها رأت ملكا ، و إذا سمعتم نهيق الحمار فتعوذوا بالله من الشيطان ، فإنه رأى شيطانا " ألا يبدوا هذا الحديث خرافيا و من غرائب المرويات ؟ ألم ينص القرآن من باب أخر على أن لكل بني أدم ملائكة حفظة ، و ملكان يكتبان أعماله ؟ أليس من المنطقي إذن أن تصيح تلك الديكة طيلة الأربع والعشرون ساعة و كذلك الحال مع الحمار لا بد هو الآخر أن ينهق على الدوام ، لأن لكل إنسان شيطان موكل به و قرين يظلله ؟ ألم يأتي في محكم التنزيل " الخبيثات للخبيثين و الخبيثون للخبيثات و الطيبات للطيبون و الطيبون للطيبات أولئك مبرؤون مما يقولون لهم مغفرة و رزق كريم " إذا كانت الآية متكاملة فعلا و أن كلام الله حق لا يأتيه الباطل من بين يديه و لا من خلفه ، أفليس من المفترض أن يكون هناك تطبيق فعلي لها لكي يتم تزويج كل شخص طيب من إمرأة طيبة و كل شخص خبيث من إمرأة خبيثة ؟ أليس هناك كم من الناس المتميزين بصفات في غاية من النبل و الأخلاق الحميدة و الممتازة ، و لكننا نراهم غير مستقرين في حياتهم الزوجية لأن نصيبهم كتب لهم زوجة غير صالحة و مختلفة إختلافا جذريا عن صفاتهم الجيدة ؟ و كم من إنسان يمتاز بصفات لا إنسانية ، و لكن لديه زوجات في غاية من الإنسانية و الخلق الممتاز ؟ من جهة أخرى إذا كان الرقيب الجبار يعرف بأن هذا الشخص هو شخص خبيث ، فلماذا يخلقه سبحانه و يتركه يبث خبثه و بطشه بتدمير الإنسانية ؟ فهل الله غير قادر على التمييز بين الخبث و الطيب فعلا ؟ أم أن ربنا القدوس يريد أن يسلط الخبثاء على الناس ، و بالتالي ربنا غير رحيم بالعباد ؟ لماذا يوجد ألاف المفسرين لكتابه المبين ؟ لماذا كل تفسير لا يشبه أخاه ؟ أليست هي تعاليم و أوامر يجب إتباعها في كل زمان و مكان ؟ فلماذا إذن هذه الحيرة من الله لعباده ؟ هل يرغب بهم سوءا إذن ؟ ألا يفقد الفرقان مبدأه المتمثل في الهداية و البيان ؟ أليس الله قادر على كل شيء ؟ فلماذا لم يخلق قرآنا لا يختلف عليه إثنان و يكون واضحا لعباده الخاشعين ؟ ألا يدل هذا أن ربنا الحكيم فشل في الكلام مع المؤمنين البسطاء لأن ميزة كتابه الجليل هي الغموض و الإبهام ، و لا يستطيع أي كان أن يفهمه و يتدبره إلا مجموعة من المفسرين أخذوا صكوك الوكالة لتفهيم الناس كلامه المبارك ، و ما على الأغبياء إلا الإنصياع و السماع و إجترار ما يقولون ؟ لماذا من جهة أخرى لم تنزل كلمات الفرقان إذن بالتنقيط و حركات التشكيل اللازمة مباشرة من ربنا الكريم إلى جبريل أو الرسول ؟ لماذا لم يقم جبريل بتعليم سيد الخلق تلك القواعد الجديدة ، لينقلها لصحابته من حفظة القرآن حتى لا يفهم و لا ينطق المؤمنون كلمات الله خطأ ؟ أليس من حقنا التساؤل هل كتاب الرحمان فعلا مكتوب في اللوح المحفوظ ؟ و هل هو محفوظ بالتنقيط أم بدون تنقيط و حركات التشكيل ؟ إذا كان القرآن عربيا إذن و أن ربنا كامل و غني عن العالمين فعلا ؟ فما محل الكلمات الغير عربية من الإعراب ؟ و لماذا يحتاج لمن يفسر آياته جل علاه ؟ ألا يخشى رب الجمال أن يفسر كلامه بالخطأ إذن ؟ ألا يخشى جلاله أن يؤدي إختلاف التفاسير بالناس إلى الهلاك و بالتالي إلى فرق و مذاهب لا تعد و لا تحصى ؟ لماذا لم يجعل الواحد الأحد الحقيقة واضحة مكتوبة على صفحة السماء حتى لا يتيه و لا يظل الناس ؟ هل الرب الرقيب يترصد الفرصة فقط و أبسط الهفوات من عباده للإيقاع بهم في شراك نار ؟ هل يرغب في الإحتيال عليهم إذن للتمتع بتعذيبهم ؟ و لماذا حفظ رب الخلق القرآن لوحده فقط و لم يحفظ كلامه السابق الموجه لبقية الأديان ؟ و ما الذي يرغب فيه إله المسلمين الذي ألغى بقية الأديان ؟ من يقدم لي خدمة يا رفيق دربي و يتطفل على رسالتي ليجيب على تساؤلاتي و إستفساراتي ، بعيدا عن خطابات لا عقلانية خيالية مملوءة بالتعابير الوهمية الأسطورية ، التي غالبا ما تضاعف ألمي و تزيد من توتري ، من يعلم كيف سيعيد ربي جسمي إلى الحياة بعد أن تحول إلى عدم في الفناء ؟ كيف سيعيدني للإمتثال أمامه إذن ؟ و هل سيكون الأمر في الجسد أم الروح ؟ كيف سيعيد البارئ سبحانه و تعالى أجساد الملايين من الناس حرقت أعضائهم و تناثرت شظايا أجسادهم في الهواء ؟ و أخرى ألقيت في البحر وكانت من نصيب الأسماك و الحيتان ؟ أما بعضها الأخر تمازجت أعضائهم نتيجة التصدق بها و إيهابها ؟ و هل ليستطيع فعل كل هذا و بسهولة كما يروج لنفسه تعالى ؟ و كيف سيتم إسترجاعنا إذن و نحن نحمل معنا بقايا أناس أخذهم الموت منذ ملايين السنين ؟ كيف يتم ذلك و نحن نتحول من حالة لأخرى و أن مادة تكوننا تدخل في صيرورة لا تنتهي ؟ ليتشكل جسدنا في الأخير من مجموعة من الأجساد ؟ فكيف سيكون العدل هنا إذن ؟ لماذا سيجدد لي جلدي و يأتي بأخر غير مذنب و يحكم عليه بالعذاب الأبدي ؟ ألا تنتفي عدالة الإله ها هنا ؟ أليس من المفروض معاقبة الجلد المقترف للمعصية و ليس الجديد ؟ أليس كل عذاب مقترن بالتأديب ؟ فما معنى الخلود الأزلي في النار ؟ و من الأجدر بالعذاب و الأحق بالتعذيب أساسا ؟ هل روحي الغير معلومة أم جسدي ؟ إذا كان هذا الأخير ففي أي جسد سأعوذ لأتعذب و أشوى ؟ و في أي واحد سأنعم بالجنة ؟ هل في ذلك الذي تعبد و صلى أم في ذلك الذي فسق وزنى ؟ و في أي فترة زمنية بالذات و في أي هيئة بالضبط ؟ و هل فعلا العذاب سيكون على الأجساد أم الأرواح ؟ ألا يعتبر الجسد أداة للروح إذن ؟ ألا يمكن ألا يكون عذاب الأجساد يوم القيامة لا أساس له من الصحة ، لأن حضرة الرب الكريم روح و سيتعامل و سيقاضي الأرواح و ليس الأجساد ؟ تعب عقلي بالتعرية و التحليل ، و إنتهك يا صاحبي و دب العياء فيه ، إستنجدت بالعلم فلم أجد الدواء للداء ، و تبرمت الأجوبة عن الظهور و لو بتعجرف و غرور ، ألححت على العلم من جديد ، فأشفق على حالي و لَمَّحَ بأكذوبة الدين ، إمتعض الأخير محاولا رفع السيف إستعدادا للمواجهة و التقتيل ، لنصرة حقيقة الخيال و التخريف ، مَقِتُّ هذا المنظر البئيس و قررت الإستراحة في اللادينية كفترة نقاهه لا غير ، فلم أعد أقوى على ضجيج الأفكار و لم أعد أتحتمل ضوضاء الزمن اللئيم ، المجتاح لفراغي القتيم و الناهش لسكوني العصيب ، إنتابتني درجات الحزن المرير ، لأستحيل جسدا متهالكا يذوي السقوط ، يتمنى لو يغض في جهل عميق ، و يرغب لو لم يخلق على صفيحة الوجود العتيق ، و ياليت عناصر جسمه بقيت سديم ، حتى لا يظل و يتيه في واقع عقيم رتيب .



https://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن