محرك الحرب الأمريكية ضد النظام العراقي

جواد بشارة
jawadbashara@yahoo.fr

2002 / 10 / 1


 / باريس 29/9/2002


في خضم الاستعدادات الجارية لتنفيذ الضربة العسكرية الأمريكية ضد العراق  بغية إطاحة نظام صدام حسين تبرز إلى السطح مسألة النفط العراقي خاصة، ونفط منطقة الشرق الأوسط عامة، لاسيما وإن الخبراء النفطيون يؤكدون أن العراق يمتلك ثاني أكبر احتياطي للنفط في العالم بعد العربية السعودية إن لم يكن الأول حسب تقديرات أخرى. وهذا ما يلقي بعض الشكوك حول الأهداف الحقيقية لحملة جورج دبليو بوش وإصراره على تنفيذها مهما كلّف الأمر.
ويبرز التساؤل المشروع التالي : من سيمتلك زمام أمر إستغلال النفط العراقي بعد إنتهاء الحرب وإقصاء صدام حسين من السلطة ؟ تتدعي صحيفة الواشنطن بوست صاحبة التساؤل أن إدارة الرئيس بوش لم تدرس هذه المسألة لأن تحضيرات وإستعدادات الحرب تستنفذ جلّ وقتها وطاقتها وتفكيرها وتخطيطاتها وتتناسى الصحيفة إن ذلك أمر مستحيل لأن الرئيس جورج بوش ونائبه ديك شيني قادمان من الأوساط النفطية ويعرفان أهمية هذه المسألة الإستراتيجية جيداً ويحتفظان بعلاقات ممتازة مع أوساط الصناعات النفطية العالمية.
لذلك من البديهي التفكير بأن النفط يشكل نقطة الإرتكاز الأساسية والجوهرية للإستراتيجية الأمريكية في الشرق الأوسط . فالهدف الأول لهذه السياسة هو وضع اليد بقوة على مصادر النفط العراقية الهائلة والتي تقدر بأكثر من 112 مليار برميل قابلة للتجدد وليس للنضوب . والحال إن إزاحة صدام حسين عن السلطة ووضع فريق قيادي موالي للولايات المتحدة الأمريكية سوف يشكل نعمة سماوية للشركات النفطية الأمريكية الغائبة نسبياً عن السوق النفطية العراقية التي تحتلها الشركات الروسية والأوروبية وخاصة الفرنسية منها. الأوروبيون يدركون هذه الخطورة جيداً ويعلمون إن الانتصار العسكري الأمريكي المفروغ منه سوف يفتح طريق بغداد أمام المجموعات الصناعية الأمريكية ومن بينها الشركات النفطية العملاقة لقطع الطريق على منافستها الأوربية الموجودة في العراق . فالأولوية ستكون بالطبع للشركات الأمريكية وقد أوضح جيمس ولسلي المدير السابق لوكالة المخابرات المركزية الأمريكية سي آي أيه لصحيفة الواشنطن بوست إن الأمر في غاية السهولة وبعيد عن التعقيد : " لدى روسيا وفرنسا شركات نفطية عاملة في العراق ولديهما مصالح مهمة في هذا البلد ، وعليهما أن يعرفا منذ الآن أنه إذا ما جاء إلى السلطة في العراق نظام بديل لصدام حسين فإننا سوف نعمل ما في وسعنا لجعل هذه الحكومة الجيدة تعمل بصورة وثيقة ومتينة مع شركاتنا النفطية حصراً . وإذا تعاونت الدولتان معنا في إسقاط صدام حسين فسوف ننظر في مصالحهما وديونهما ونحث الفريق الحاكم الجديد في العراق على أن يأخذ ذلك بعين الاعتبار وإلاّ فسوف لن نضمن لهما شيئاً " وهذا بحد ذاته تهديد مبطن وابتزاز علني من قبل مسؤول كبير في الإدارة الأمريكية سابقاً . وقد صرح أحمد الجلبي رئيس المؤتمر العراقي المعارض لنظام صدام حسين والذي تسانده وتدعمه الولايات المتحدة الأمريكية  بما معناه أنه : بعد تغيير النظام القائم علينا تشكيل إتحاد صناعي نفطي [ كونسورتيوم ] تقوده أمريكا ليأخذ بيده عمليات إتسغلال النفط في العراق وسيكون للولايات المتحدة الأمريكية الأولوية بالطبع " حسب ما نقلته الصحيفة الأمريكية . وهذا يعني تراجع مريع لبقية الشركات النفطية العالمية الكبرى العاملة في هذه السوق النفطية الإستراتيجية الآن . وكانت صحيفة البايس الإسبانية قد أشارت إلى أن هناك شركات روسية هي لوك أويل وسلافينيفت ، وشركات فرنسية هي  توتال وفينا ألف ، وشركات هندية  وصينية وإيطالية وجزائرية وفيتنامية ، قد وقّعت إتفاقيات وعقود إستثمار وإستغلال للنفط العراقي كان من المفترض أن تدخل حيز التنفيذ بمجد رفع الحظر النفطي المفروض على العراق منذ عام 1990 .
وتعتقد الصحيفة المدريدية إن يد جورج بوش هي التي تقف وراء تصريح هذا المسؤول في المعارضة العراقية حيث إن الرئيس الأمريكي يستخدم النفط في معادلة "العصا والجزرة " بمثابة الجزرة التي يقدمها لحلفائه الأوروبيين المترددين  والمتحفظين على حربه الوقائية أو الاستباقية أو الاحترازية . وبذلك سيكون من السهل على جورج بوش إنتزاع تنازلات جوهرية من هذه القوى المعارضة لسياسته في مجلس الأمن الدولي والتي بيدها مفتاح التصويت على القرارات الدولية الجديدة بشأن العراق التي تتمناها الإدارة الأمريكية. والعالم يعرف إن جنوب شرق آسيا واليابان وأوربا يعتمدون كلهم على نفط الشرق الأوسط أولاً وبخاصة نفط منظمة الأوبك .
يعتقد الخبراء النفطيون العالميون إن هناك  إحتمال  وجود خطورة في أن تصاب السوق النفطية العالمية بالزعزعة والتخبط إثر سقوط نظام صدام حسين وإنتهاء الإستقرار الذي أمّنته منظمة الأوبك منذ تأسيسها عام 1962 على يد المنتجين الرئيسيين للنفط في العالم .
فحسب  جريدة الفينانشيال تايمز  : إنه بوصول  الشركات الأمريكية وإعتماداتها المالية الجبارة  إلى العراق ، سيتمكن البلد من مضاعفة قدراته الإنتاجية للنفط الخام لتصل إلى 7 مليون برميل في اليوم وهذا سوف يدق ناقوس الخطر حيال السقف الإنتاجي المتفق عليه في منظمة الأوبك  ويؤذن بزوالها فمن شأن مثل هذا الاحتلال بالقوة للنفط العراقي أن يغرق السوق النفطية العالمية بكميات هائلة من النفط بأسعار رخيصة مما سينسف سياسة الحصص التي تفرضها هذه المنظمة الدولية للمحافظة على إستقرار الأسعار في السوق النفطية العالمية وبالنتيجة ستستفيد الولايات المتحدة الأمريكية من هذا التدفق الهائل للنفط العراقي الرخيص إلى السواق لإنتشال الإقتصاد الأمريكي المنهار من السقوط وهذا هدف تريد الولايات المتحدة الأمريكية تحقيقه بكافة السبل وبأي ثمن كان .
وقد لخص أحد رؤساء الشركات الأوروبية النفطية هذا الأفق الملبد بالغيوم عندما قال : " لايمكن تجاهل أو إهمال أهمية ومكانة ودور  النفط العراقي  بالنسبة لأية شركة نفطية تعمل بصورة طبيعية في السوق النفطية العالمية . فالجانب  النفطي على الصعيد العالمي يعد الخطط والحسابات على قدم وساق منذ تفجّر الأزمة العراقية إعلامياً بعد أحداث الحادي عشر من أيلول وتأكيد التهديدات الأمريكية ضد العراق فيما يحاول الدبلوماسيون في مجلس الأمن الدولي إعدادا الإطار القانوني لوضع النظام العراقي خارج دائرة التهديد الفعلي للسوق النفطية العالمية ومنعه من نسفها . فهناك كما ذكرنا 112 مليار برميل مثبت وجودها تحت سطح الأراضي العراقية وما لا يقل عن 11% من الاحتياط النفطي العالمي بعد العربية السعودية يضاف إلى ذلك 220 مليار برميل متوقعة من المصادر النفطية غير المستغلة بسبب سنوات الحرب الطويلة التي عاشها العراق منذ عام 1980 بل وربما أكثر من ذلك بكثير ، مما يجعل العراق محط أنظار وأطماع العالم الغربي  والشركات النفطية الإحتكارية العالمية العملاقة وبخاصة الأمريكية منها. الرئيس الأمريكي بحكم كونه رجل نفط بالدرجة الأولى قبل أن يكون سياسياً ، يعرف إن زيادة الإستهلاك للنفط والمحروقات والوقود سوف يقود إلى انخفاض في الإنتاج الأمريكي وفي المخزون الأمريكي على السواء ، بل وحتى في الاحتياطي النفطي الإستراتيجي للولايات المتحدة الأمريكية وما يترتب على ذلك من تبعات خطيرة على الاقتصاد الأمريكي الذي سيصبح معتمدا أكثر فأكثر على الإستيرادات النفطية من الخارج . وإذا ما أضفنا إلى ذلك حقيقة إن المورّد الأول للنفط للولايات المتحدة ، حليفة الأمس ، العربية السعودية ، تمر حالياً بمرحلة سوء فهم وتدهور في العلاقات المتميزة التي كانت قائمة في الماضي بين البلدين منذ أحداث الحادي عشر من أيلول في العام الماضي ، كل ذلك يجعل من النفط العراقي عنصراً هاماً وجوهرياً في المعادلة الاستراتيجية الأمريكية القادمة في المنطقة ويؤكد حتمية وقوع الضربة العسكرية ضد العراق.
لقد استغل النظام العراقي هذا الجانب في دعايته وإعلامه المضاد ليركز على الأطماع الأمريكية في ثروات العراق مما دفع طارق عزيز نائب رئيس الوزراء العراقي إلى التصريح : أن الإدارة الأمريكية بتقديمها ذرائع واهية لعدوانها على العراق ، تريد في حقيقة الأمر أن تسيطر على المنطقة وتسرق ثرواتها " وقد كررت جريد بابل لعدي صدام حسين هذه النغمة في مقالاتها وتصريحات صاحبها . الكل يعرف إنه إذا تم رفع الحظر النفطي عن العراق بدون تغير النظام القائم سيعرض الشركات الأمريكية ‘لى عائق كبير في مسألة إستغلال النفط العراقي للمرحلة القادمة . إن جميع أصحاب الشركات النفطية العالمية يعرفون أهمية الذهب الأسود العراقي منذ زمن بعيد. ولايغير من الأمر شيئاً إكتشاف آبار وحقول نفط جديدة في آسيا الوسطى  وفي بحر قزوين وذلك لسبب بسيط وهو إن كلفة أستخراج وإنتاج برميل النفط من بحر قزوين تكلف 7 دولار إى 8 دولار بينما كلفة برميل النفط العراقي  الأجود منه لاتتجاوز 70 سنت كما يقول خبير نفطي عالمي لذلك لن تفتر همة الشركات النفطية وأطماعها في النفط العراقي. فقبل الحظر كانت كل الشركات العملاقة تتفاوض مع النظام العراقي . وسبق لشركة النفط الفرنسية توتال أن حجزت لنفسها حق إستغلال وتطوير حقول نفط مجنون وهي الأهم وتصل تقديرات ما تحتويه من احتياط بين 10 إلى 30 مليار برميل تقع على بعد 30 ميل شمال محافظة البصرة قرب الحدود الإيرانية . بينما حجزت شركة فينا ألف الفرنسية حق إستغلال حقول بن عمر . في حين إن الشركات الروسية نشطة في هذا القطاع في العراق وكذلك الصين التي تعتبر ثالث مستهلك للنفط في العالم بعد أمريكا واليابان . واستمرت الشركات تتعاطى مع العرض بالرغم من الرسم الإضافي الذي فرضه النظام العراقي لجيبه الخاص بقيمة 50 سنت على البرميل والذي تم إلغاؤه في 18 أيلول  / سبتمبر مع ارتفاع وتيرة التهديدات الأمريكية بوشوك توجيه الضربة العسكرية وتصاعد الاتهامات حول الخروقات العراقية للقرارات الدولية وبضمنها هذا الرسم الإضافي .
واليوم مازال الجميع يفكر بحصصهم   ومصالحهم الخاصة والحيوية في فترة ما بعد صدام التي باتت مطروحة على مائدة النقاشات والمفاوضات فحتى روسيا أعلنت إن مصير دكتاتور بغداد لايهمها بقدر ما يهمها مصالحها وديونها التي تريد أن تستحصلها من العراق وطالبت بضمانات من أمريكا بهذا الخصوص  مقابل عدم تصويتها ضد قرار مجلس الأمن الذي تعد له الولايات المتحدة وبريطانيا يجيز لهما إستخدام القوة المسلحة ضد العراق في حال عدم انصياعه  التام بلا قيد أو شرط لمحتويات القرار الدولي الجديد المنتظر بفارغ الصبر . 

 



https://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن