اسرائيل تعلق آمالا على ضرب العراق

الصبار

2002 / 9 / 29

الصبار آب 2002 عدد 155

 

"النقاش حول الحملة المتوقعة ضد العراق في أوجه. وتنطوي هذه الحملة، في حال خاضتها امريكا فعلا، على امكانية كبيرة لخلق نظام عالمي جديد. وسيكون لهذا النظام انعكاسات وتأثيرات جوهرية على الشرق الاوسط ايضا، وعلى النزاع الاسرائيلي الفلسطيني على وجه التحديد". هكذا افتتح شاؤول موفاز، رئيس الاركان السابق، مقاله بعنوان "العراق يهدد العالم" الذي نشرته صحيفة "يديعوت احرونوت" (13 ايلول).

في هذه الجملة القصيرة ملخص التوجه الاستراتيجي الاسرائيلي تجاه القضية الفلسطينية. ان ضرب العراق بهدف قلب نظامه، اصبح اليوم المفتاح لفرض حل جذري لاكبر خطر استراتيجي تواجهه اسرائيل. ان اقوال رئيس الاركان السابق تتعارض مع تصريحات رئيس الاركان الحالي، موشيه يعالون، الذي قال في مقابلة لصحيفة "هآرتس" (6 ايلول) ان العراق لا يشكل خطرا استراتيجيا على اسرائيل، بل الخطر كامن في النزاع مع الفلسطينيين. وصور يعالون هذا النزاع بانه "سرطان" من المفروض اجتثاثه من جذوره. بتصريحاته هذه يفضح يعالون الادعاء الامريكي الذي اصبح عنوانا اسرائيليا بان "العراق يهدد العالم". اذ كيف يمكن ان يهدد العراق العالم في حين لا تشعر اسرائيل بخطره، وهي المستهدفة الاولى دائما من قبله؟

لسنا هنا بصدد فضح الاكاذيب الامريكية، بل بصدد كشف الاسباب التي تجعل الحكومة الاسرائيلية تعلق آمالها على ضرب العراق. حسب تقدير الجيش من شأن الحملة العسكرية قمع المقاومة الفلسطينية ووقف العمليات الانتحارية، ولكن ليس بمقدورها تحقيق الاهداف السياسية: جلب الجانب الفلسطيني لطاولة المفاوضات، مهزوما راكعا.

هنا يدخل دور امريكا. فقد اجتهدت امريكا دائما في دعم حليفتها اسرائيل، فقاطعت عرفات، واشترطت الاعتراف بدولة فلسطينية باجراء اصلاحات داخلية تهدف الى قلب نظام السلطة. امريكا لا تريد عرفات بل عنصرا اكثر مرونة واستعدادا للتماشي معها دون اكتراث برأي ومصالح الشعب. ان عرفات مثل صدام حسين تحول من حليف الى عدو، واصبح عليه ان يدفع ثمن الانتفاضة. غير ان ادارة بوش فشلت في مساعيها لقلبه، وتوصلت لاستنتاج بان الطريق لقلب النظام في رام الله، يمر عبر قلب زميله في بغداد. حسب هذه النظرية فان الهزيمة العربية هي شرط مسبق لاخضاع الشعب الفلسطيني وارغامه على القبول بالشروط الامريكية.

ما يلفت النظر في مقال موفاز هو تصريحه بان الحملة ضد العراق تحمل فرصا كبيرة "لخلق نظام عالمي جديد". والسؤال: هل اصبح النظام "الجديد" الذي فرض على العالم بعد حرب الخليج الاول، قديما؟ لماذا على بوش الابن ان يجدد النظام الذي انشأه والده. ألم تستفد اسرائيل من هذا النظام؟ كيف يمكن تفسير اتفاق اوسلو والازدهار الذي حظيت به امريكا واسرائيل، اذا لم نر به نتيجة مباشرة للنظام الجديد الذي اصبح اليوم قديما؟

"النظام العالمي الجديد" الذي اعقب الحرب الباردة بعد انهيار الاتحاد السوفييتي، افتتح عقد التسعينات باهازيج السلام ووعود بالازدهار وحق تقرير المصير، والتقدم الاقتصادي، وعود بنهاية الفقر والفساد، الديموقراطية بدل الاستبداد، والمشاركة الحرة والمتساوية لكل دول العالم في اطار ما سُمّي "القرية العالمية".

اما اليوم، فاتضح ان هذا النظام كان مؤسسا على الكذب والخداع والتضليل. فلا الشعب الفلسطيني حصل على استقلاله بل اعيد احتلاله وامتهنت كرامته، ولا شعوب العالم الثالث ذاقت الازدهار بل المزيد من الفقر والجوع والامراض. النتيجة الحتمية كانت انقلاب الآمال العريضة الى خيبة عميقة من الدولة التي تحولت في نظر الشعوب الى المصدر الرئيسي للكارثة التي تعيشها. الترجمة لهذا الواقع كانت تراجع في الهيبة الامريكية وتزعزع مصداقيتها.

النظام العالمي الجديد الذي يريده بوش ويتكلم باسمه موفاز، هو اعادة لنظام الاستعمار القديم. هذا النظام لا يقدم الوعود، بل يتحدث باسم القوة. انه لا يتوانى عن استخدام التفوق العسكري، او النووي اذا لزم الامر، لافهام الشعوب بان عليها ان ترضى بان الفقر هو واقع ثابت، وان عليها السجود لامريكا، رمز الحرية وحامية الديموقراطية. من هنا، سيكون على الفلسطينيين القبول بما تقرر اسرائيل منحه لهم، حتى لو لم يكف هذا "الكرم" لضمان الاستقلال والديمقراطية ومصادر الرزق لهذا الشعب.

اسرائيل هي اكثر الدول حماسة للحرب ضد العراق، ولكن سيكون من الخطأ الاستنتاج بان هذه الحرب تخدم اسرائيل قبل امريكا. ان هذه الحرب تأتي اولا واخيرا لانها تخدم مصالح امريكا. فاسرائيل، كالانظمة العربية، يجب ان تكون جاهزة لخدمة امريكا، قبل ان تكون امريكا جاهزة لخدمتها.

كما اكد موفاز، ليس بمقدور اسرائيل، رغم جبروتها العسكري، ان تخضِع الشعب الفلسطيني وترغمه على قبول املاءاتها. ويعني هذا ان الشعب الفلسطيني يواجه عدوا اكبر بكثير من اسرائيل، وهي الولايات المتحدة الامريكية، التي لها مصلحة مباشرة في هزيمة هذا الشعب. ولكن الشعب الفلسطيني ليس وحيدا في هذه المواجهة، لان امريكا خلقت لها اعداء متمثلة بكل الشعوب العربية والشعوب المضطهدة والطبقة العاملة في اقطار الارض.

 



https://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن