من أجل مغرب رياضي يصون مستقبل الأجيال الصاعدة

عبد الله أبو أياد العلوي
abouayyad958@hotmail.fr

2012 / 8 / 13


يتأكد من خلال الدراسات المتجددة في مجال النمو عامة والنمو لدى الكائن الإنساني بالخصوص، منذ بدء تكونه عبر الإخصاب والى نهاية وجوده في هذا العالم عبر الممات وخاصة من النواحي (الجسمية والذهنية والانفعالية والاجتماعية)، بأن دراسة النمو من الوجهة السلوكية تستهدف تشخيص وعلاج وتأهيل السلوك لدى الأطفال والناشئين والبالغين والمسنين، ونموهم النفسي منذ بداية الحياة، وأن النمو من هذه الزاوية عبارة عن سلسلة متتابعة ومتكاملة من التحولات التي تطال الفرد سعيا نحو اكتمال النضج واستمراره، وبدء انحداره. فالنمو هو عملية انفتاح وتفتح قدرات الشخص ومواهبه الكامنة التي تظهر في شكل كفاءات ومهارات وصفات وخصائص فردية وذلك بالتركيز على الجوانب الطبيعية وعلاقتها بالعوامل الوراثية والعضوية المؤثرة في النمو من جهة وبالعوامل البيئية المختلفة، جغرافية كانت أو ثقافية أو اجتماعية، التي لها تأثيرا واقعية في عملية النمو. ثم أساليب التوافق الشخصي والاجتماعي والانفعالي والعوامل المؤثرة في هذا التوافق.
وإذا كان النمو بمعناه السيكولوجي يعني التغيرات الجسدية والفسيولوجية التي تطرأ على الطول والوزن والحجم والتي تطال أيضا بقية مكونات الجسم المختلفة. وكذا المجالات العقلية المعرفية والتغيرات السلوكية والانفعالية والاجتماعية، التي تؤطر الفرد من خلال مختلف المراحل التي يمر بها. فإن عناية الباحث بهذا الموضوع على المستويين النظري والعلمي تنطلق أساسا من وازع التعمق في المعارف العلمية المتخصصة في دراسة ورصد الظاهرة الإنسانية بكل مكوناتها وروابط المرء ببيئته المعيشة، وإدراك المعايير الأنجع لقياس واقع النمو لديه من كافة زواياه وصنوفه، وعبر مختلف المراحل العمرية التي يحتاجها، وكذا رصد احتياجات سلامة النمو لديه لكل مرحلة.
أما الغية العلمية المتواخاة من هذا العمل هي الإسهام في تزويد القائمين على التنمية الإنسانية بالقدرات والمهارات الواجبة لتأمين سلامة النمو بكل مظاهره لدى الجنين في مرحلة الحمل وللوليد والطفل والناشئ والشاب والكهل والمسن، وضبط العوامل والمؤثرات ذات العلاقة بعملية النمو الايجابي لدى الشخص.
فدراسة سيكولوجية النمو وتوظيف نتائجها في صياغة مناهج وبرامج وقوانين التنمية الإنسانية وتنظيم وتدبير مؤسساتها هي قاعدة الأساس لكل عمل نهضوي يسعى للانتقال الحضاري بشكل سليم ومنتج، صحيا ومعرفيا وثقافيا واجتماعيا اقتصاديا وبيئيا وسياسيا. فسيكولوجية النمو تساعد على إدراك خصائص الفرد خلال مرحلة عمرية معينة، وتبيان العوامل التي تؤثر في نموه وفي إنتاج سلوكياته، ومتطلبات توافقه في الحياة كما يمكن تبيان مستوى نموه الذهني ومستوى ذكائه، واستعداداته الخاصة ومستويات التذكر والتفكير والتخيل والاقتدار التحصيلي والأساليب التربوية والسوسيوتنموية التي تناسب إنماء تلك القدرات في مرحلة معينة من مراحل حياته. كما يساعد إدراك هذا المجال والعمل بتعاليمه على تفهم الفروق الفردية بين الأشخاص في الطاقات والقدرات والمواهب والميولات والمؤهلات والعوامل الوراثية والعوامل البيئية.
فالنمو وان اختلفت مظاهره، فهي متكاملة تنشد الرقي والتطور كبناء متماسك يتسم بالتوافق والانسجام بين كافة جوانبه التي تؤطرها علاقات وظيفية قوية تطال الشخص من المرحلة الجنينية إلى غاية الوفاة، فالقاعدة هي أن المرء كائن حي واحد ومتكامل، وأن الشذوذ هو أن يتحول إلى مجرد وظائف متناقضة ومختلفة. وعليه فكلما تعطلت عملية النمو في أي جانب من جوانبها إلا وأثرت بشكل ملموس سلبيا في البناء العام والأداء العملي للفرد. لذلك فإن الحديث عن مظاهر النمو كل بمفرده ما هي إلا وسيلة دراسة فقط ولا يمكن التعامل معها على هذا الأساس من الناحية العلمية القيمة على التنمية الإنسانية، وإذا كان استعراض هذه المظاهر في هذا السياق فإنه يأتي بشكل مختصر على سبيل تأكيد أهمية الرياضة كرافعة سوسيوتنموية في تحقيق النمو المتوازن لدى الفرد، ومدى تأثيره في بناء الحياة الجماعية والمجتمعية المتوازنة. لذلك تبدو أهمية النمو من الناحية الجسمية في النمو الهيكلي المتمثل في نمو الطول والوزن. حيث تطال التغيرات في أنسجة وأعضاء الجسم وصفاته العامة وقدراته وما يواجهه من ضعف أو عجز في الأداء والوظائف، في حين يبدو النمو الفسيولوجي في نمو وظائف أعضاء أجهزة الجسم المختلفة، وخاصة تطور الجهاز العصبي ودقات القلب والدورة الدموية ومستوى التنفس ووضعية الهضم والإخراج، والتغذية والنوم وإفرازات الغدد وأثارها في عملية النمو.
وهناك ما يتعلق بنمو حركة الجسد وتنقلاته وما تحتويه من مهارات تعبيرية ورياضية وإنتاجية ومعرفية مثل الكتابة وغيرها من الأنشطة الفردية داخل الحياة اليومية وهو ما يسمى بالنمو الحركي، وكذا نمو الحواس المتمثل في الإبصار والاستماع والتذوق والشم واللمس والإحساسات الحشوية كالإحساس بالألم والجوع والعطش وامتلاء المعدة والمثانة، والذي يعني النمو الحسيSensory development، بالإضافة إلى النمو العقلي Jentellectual development ، الذي يهم نمو الوظائف العقلية المتمثلة في الذكاء العام والقدرات الذهنية المختلفة والعمليات العقلية العليا كالإدراك والتعلم والتخزين والتذكر والانتباه والتخيل والتفكير ومعالجة الصعوبات والتحصيل المعرفي والتقني... والنمو الانفعالي Emotional development والذي يتجلى في الانفعالات المختلفة وتطور مستويات توازنها واضطرابها مثل المحبة والكراهية والافتراح والانقباض والتهيج والحنان والشدة والأمن والخوف والبهجة والمرح والحزن والقلق، ويهم النمو اللغويLinguistic development التحكم في الكلام وامتلاك الثروات اللغوية المتنوعة والقدرة على التعبير والتبليغ والتواصل بمهارات مستمرة التطور.
ويحتاج المرء إلى نمو اجتماعي Social development ويعني الامتلاك المتطور للمهارات الاجتماعية وإدراك القيم والتمثل السليم للمعايير الاجتماعية والأدوار الاجتماعية والاتجاهات الاجتماعية وتأمين سلامة التفاعل الاجتماعي عبر مكونات عملية التنشئة الاجتماعية.
هذه بعض مظاهر النمو التي على أساسها ترتكز كل عمليات النمو الأخلاقية والدينية والبنية السياسية والاقتصادية والحضارية الفردية والجماعية والمجتمعية والكونية. وهذه المسألة قد تضع الباحث والقيم على التنمية الإنسانية داخل الأسرة أو المدرسة أو الإدارة أو الحقل أو الملعب أو في المساجد والقنوات الإعلامية أو بالمصانع والمتاجر وكل قطاعات الإنتاج والتربية والتنشيط السوسيوتنموي وكافة المسؤولين السياسيين محليا وجهويا ووطنيا وكونيا، أمام تحديات الحاضر واستشراف المستقبل من أجل تأمين نمو يمكن الفرد من الحياة والتواجد في عالم سريع التغير بكرامة.
فالنمو ضرورة حياتية يحتاج إليها كل كائن حي كما يحتاج إليها الكائن الإنساني في مختلف مراحل تكوينه الجنيني وعند ولادته والى غاية وفاته وهي حاجة أساسية تتطلب الإشباع المنتظم بالنسبة لكل الناس حكاما ومحكومين، في البوادي والمدن والجبال والصحاري، وكل نقص في إشباع هذه الحاجة كثيرا ما ينعكس سلبا ليس على الشخص الفرد الذي يعاني من النقص بل يفسر بأن هناك خلل في إحدى مجالات النمو لدى القيمين على عملية الإنماء الإنساني حتى ينعكس على مستوى أدائهم السوسيوتنموي.
وعليه فما يعانيه الأفراد من نقص في النمو يتجلى في الأفكار السلبية التي يحملونها عن ذواتهم، وفي اتجاهاتهم وسلوكياتهم داخل الحياة اليومية، ما هي إلا انعكاس خال للإضرابات النمائية التي يعانيها القيمين على التنمية الإنسانية فرديا ومؤسساتيا. وحسب العديد من الأعمال الميدانية المتطلعة إلى رصد مكانة السيكولوجية النمائية في برامج ومخططات التنمية عامة والبشرية بالخصوص يتبين بأن هناك عدم اكتراث مهول في هذا الجانب، فليس هناك اهتمام بأي جانب يتوخى العمل على تحقيق أكبر درجة من التوافق والنمو في كل مرحلة من المراحل العمرية في ضوء مطالب النمو في تلك المرحلة، بل ومعرفة ما يجب توقعه من نمو الفرد ومتى يتم ذلك، وما هي متطلبات الرعاية النمائية على المستويات الطبية والنفسية والمعرفية والاجتماعية والبيئية والتربوية والثقافية والأخلاقية والدينية والسياسية بالنسبة للفرد.
إن العمل الميداني الخاص بافتحاص واقع النمو الإنساني داخل العديد من المؤسسات التربوية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية والدينية والسياسية، يؤكد بأن هناك ضعف يبلغ التأثير في حياة الأفراد و الجماعات داخل المجتمع المغربي، حيث يتنمى الفرد على قواعد التنميط والقولبة والتسلط والتحايل على العيش والانتظارية والخضوع والتبعية.
فليس هناك أي عمل جاد يؤطر عملية رعاية النمو في كافة مظاهره وبكافة مراحله على قواعد تربوية وتنشئوية تضمن تمتيع الناس على مختلف الأعمار والأوضاع النفسية والمراكز الاجتماعية والإمكانات المعرفية، بالصحة الجسمية والنفسية والسعادة الاجتماعية والكفاءة الإبداعية والإنتاجية، ولا يكترث بنمو الشخصية ككل بكافة أبعادها جسميا وعقليا واجتماعيا وانفعاليا... كما أن ليس في الحسبان الاهتمام بالعوامل المؤثرة في النمو على الأصعدة الوراثية والولادية والبيئية. كما لا يعتمد بأهمية العمر الزمني للفرد ولا عمره العقلي والتحصيلي والمهاراتي والحسابي والانجازي، بالإضافة إلى السن الطولي والوزني والحجمي والفسيولوجي والانفعالي والاجتماعي والجنسي الذي يختلف من شخص لآخر والذي يسمى لدى بعض الباحثين العمر الأرجانيزمي Organismic وهو شرط أساسي في صياغة أية مقاربة إنمائية توظف التربية أو التنشئة أو التنشيط السوسيوتنموي في العملية الإنمائية.
فكافة عمليات الإنماء المعتمدة داخل المؤسسات التربوية النظامية تعاني من فقدان الهوية في الرؤية والرسالة والمنهج ومن ضعف التأطير النوعي والكمي، والمتخصص في تدبير العمليات الإنمائية فإذا كانت المؤسسات التعليمية تعاني من الارتجال والتضارب في هذا الصدد فإن باقي المؤسسات التربوية والاجتماعية العادية مثل وسائل الإعلام والمساجد ونوادي الطفولة ودور الشباب والملاعب ومراكز النهوض بالمرأة والأسرة، وكذا المؤسسات الاستثنائية من المستشفيات والسجون والإصلاحيات لا تعطي أي اهتمام للمسألة النمائية المرتكزة على وازع إشباع حاجات الفرد كأساس لتأمين نموه بكل أبعاده، وهو ما يؤكد بأن كافة السلوكيات المضطربة لدى الناس هي نتاج أداء تربوي وتنشئوي لا يعطي للعملية النمائية أية أهمية، بل يسهم في حصارها وتدمير سبل تماسكها. وتخلفها من خلال هذا التشخيص المختصر يأتي التساؤل عن الرياضة كأداة للنمو بكل المقاييس والامتيازات وكمدخل للتربية على التفوق والتوازن والتنشئة على الحرية والعدالة والديمقراطية والإبداع والانجاز الجيد والتسامح والتضامن والحوار الثقافي المتحضر، كمدخل من مدخلات علاج أزمات النمو الإنساني في المغرب، إذا تم تحريرها ودمقرطتها وتدبيرها بشكل احترافي يبتغي الإسهام الجيد في تأمين نمو الأفراد والجماعات والمجتمع.
فمن المعلوم بأن الرياضة وعبر التاريخ الإنساني، لم تكن عرضة للفرجة السلبية أو أداة للإلهاء أو التخدير أو تحويل الاتجاهات، أو للتنفيس الانفعالي أو التوظيف في الإشهارات التجارية الرخيصة، أو المزايدات السياسوية الضيقة التي يريدها للرياضة بعض المتسلطين عليها في المنطقة العربية والثالثية بالخصوص. فقد كانت الرياضة ومازالت وستبقى بكل أصنافها ومجالاتها ونظمها وقيمها ومعاييرها، بمثابة الأبواب الشاسعة على كل الاستثمارات في الإنماء الإنساني وتامين صحته النفسية ونضجه الاجتماعي، وعطائه المعرفي والثقافي والاقتصادي والسياسي.
وعليه فالاستثمار في الرياضة على مستوى المالية العمومية يعني الاستثمار في الإنسان على مستوى الحاضر والمستقبل، وهو استثمار هام ومريح عندما تكون الغاية من فرص الوجود الفعال داخل عالم سريع التغيرات بقدرات أقوى على التفكير والإبداع والتنظيم العادل والانجاز المثمر وإحداث القطيعة الابستمولوجية مع الأفكار والقوانين والأشخاص الذين يوطنون الرياضة في السيطرة على الفرد وتنميطه ومحاصرة نموه وإضعاف مؤهلاته، وإلهائه عن الأمور التي تهم مصيره ومستقبل وطنه ومواطنيه ومآل العالم الذي خلق من اجل التفكير بمصالحة، والإسهام في تشييد حضاراته السليمة.
لذا كانت الرياضة وما تزال حاضرة في كل مقاربات الإنماء والتطوير والعلاج والتأهيل والإدماج على المستويات الفردية والجماعية والمجتمعية، فاعلة بقوة في كل مناهج وبرامج التربية والتنشئة، وفي مناهج وبرامج التضامن الاجتماعي والتواصل الثقافي والتكامل الإنساني الثقافي والسياسي ولاقتصادي والبيئي والحضاري. كما أنها أقدر القطاعات على الإسهام في معالجة السلوكيات المضطربة، والآفات الاجتماعية عبر مناهج وبرامج الرياضة التضامنية، والعمل على إنتاج الاقتصاد المعرفي والسلوكيات المتوازنة و التخفيف على عاتق مالية الدولة والجماعات المحلية من حجم الإنفاق الذي يتم صرفه في ظل التدبير الراهن بالإضافة إلى الإسهام في استتباب الأمن والتخفيف من حدة السلوكيات الإجرامية والإنحرافية وكدا مظاهر الإقصاء والإنتظارية والخضوع والخنوع من خلال توسيع نطاق المشاركة في تدبير الشأن الرياضي كمجال من مجالات الشأن العام بكل أبعاده المحلية والجهوية والوطنية وفق قيم التدبير التشاركي والحكامة الجيدة، المؤسسة على دستور اولمبي وطني يجعل من الرياضة مدخلا أساسيا من مدخلات التنشئة على الحياة الديمقراطية، المبنية على بناء وإنماء وارتقاء شخصية الفرد كأساس لكل تحول ديمقراطي حقيقي ينشد المغرب الحاضر والمستقبل.
وفي السياق تؤكد العديد من الدراسات العلمية على أهمية الرياضة في الحياة الشخصية والجماعية والمجتمعية طبيا وتربويا وسوسيوتنمويا وحسب النتائج التي تم توصلنا إليها على المستوى النفسي والتربوي الموظف للرياضة في التنمية الايجابية لمفهوم الذات وتحسين الاتجاهات نحو الأسرة والوطن والدراسة والمستقبل، فإن للرياضة أهمية كبيرة في تحفيز الذات والاعتماد على النفس والاجتهاد من أجل الوجود المتحضر والمكرم، فمن خلال العمل مع الأشخاص في وضعية صعبة الذين يفتقرون إلى التحفيز، والذين من خلال الرياضة استطاعوا التحرر من تركيز قدراتهم في إرضاء أو استرضاء الأكبر منهم أو الذين يهيمنون على حياتهم وامتلاك التحفيز الداخلي كقوة ذاتية يمكن للفرد التحكم فيها بشكل تلقائي.
ففي تجربة ميدانية ركزت على التشخيص بالعلاج والتأهيل النفسي والتربوي والمهني والاجتماعي المتعدد المحاور والمتفاعل حول الرياضة كقاطرة للتنمية الفردية والجماعية، اعتمد فيها الباحث أسلوب الامتناع عن إخبار المستهدفين بما ينبغي عليهم القيام به أو الحرص على تركه، باعتبار أن الكلام المفتقر للإنصات كثيرا ما يفاقم المشاكل ويزيد من حدتها، لكن قلق الباحث واهتمامته الداخلية كان دافعها نحو التفكير في التغيير الايجابي والأعمال المناسبة التي يمكن انجازها لفائدة المستهدفين على قاعدة التقبل والفردية والسرية في علاقة الباحث كمنشط سوسيوتنموي وكل مستهدف على حدة، فتم توظيف الرياضة من أجل تحويل التركيز على المشكلات القائمة وصب كل الاهتمام على الحياة الفردية لكل مستهدف وما يحرزه من تقدم، حيث يمكن هذا الأسلوب من استثمار الفرص التي تحتويها الصعوبات في تطوير الشخصية والتحكم في جذور العوائق وتحويلها إلى حوافز نحو الانجاز الذاتي وهي أمور قد تتسم بالبساطة لدى الآباء والمربيين والقيمين على التنمية الإنسانية سياسيا وإداريا وتقنيا، لأن الأمر لا يستوي هنا بالخطابات أو الاتاوات أو الإرشادات المتمثلة في مخاطبة المستهدف بأننا نثيق في قدراته وأن باستطاعته أن يدرك مستويات القوة والضعف لديه بل أن المسألة تحتاج إلى إفساح المجالات والتشجيعات الكافية لقيامه بالانجازات بشكل مستقيم وإخراج أفكاره الإبداعية الخاصة به مع الحذر اللازم من السقوط في إحراجه. وكذلك الحرص الشديد على توسيع فرص اللقاءات بالآخرين وإمكانيات الحصول على الفوائد البعيدة المدى المستمدة من العمل والتدريب والأنشطة التلقائية والمنظمة التي تسهم في تذوقه حقيقة ثمار النجاحات المأمولة.
من خلال هذه التجربة التنشيطية نستطيع القول في كون الرياضة نشاط سوسيوتنموي يساعد الناس على إشباع احتياجاتهم من النمو بكل مظاهره السالفة الذكر، بالإضافة إلى الارتقاء بالتفكير والإبداع وسعة التخيل المتحرر من التقوقعات في الأوهام والأحلام الساذجة، كما يسهم في تمكين الفرد من رصد حاجياته الذاتية بموضوعية وبدون خجل بعيدا عن الطمع والأنانية وبتفاؤل دائم ينبني على الواقعية والتواصل مع الآخرين دون تبعية أو خضوع، والاستمتاع بالتقدير العاقل للذات في تحرر مستمر من النرجسية والغطرسة والجشع، باقتدرات نفسية قوية على رفع التحديات دون استسهال الخيارات البسيطة، والتحفيز على الاشتغال والإنتاج بعيدا عن الارتجال والاستعجال من خلال بناء الاعتقادات السليمة من التزمت والتخلف وضيق الأفق، وهذا كله قد أسهم في إيقاظ الطاقات الكامنة لدى المستهدفين وساعدهم على تقديم ذواتهم بموضوعية خالية من التصنع الذي يحول دون التأمل في افتحاصها،وإنماء نضجها النفسي والاجتماعي والإنتاجي وتحريرها من الخضوع للمشاعر التكسبية والتملقية أو بناء الشخصية بناء على تقدير الآخرين.
كل هذه الأمور قد تؤمنها الرياضة كخدمة سوسيوتنموية اعتمادا على شخصية الممارس الرياض الذي يعتبر منشطا سوسيوتنمويا من خلال ما يقدمه من عروض رياضية لمتفرج كمستهدف من هذه العملية التنشيطية ذات الوظائف التربوية والتعلمية والعلاجية والتأهيلية والترفيهية، بالإضافة إلى الوظيفة الإنمائية، فالعرض الرياضي داخل ملعب أو حلبة سباق أو قاعة رياضية هو درس عملي مؤثر في الصورة الذهنية للمتفرج ومطور ايجابي لسلوكياته السليمة. فهل يدرك القائمون والممارسون والمنظمون والحكام هذه الحقيقة العظيمة للرياضة؟
إذا كان الطموح هو الإقلاع بالمغرب سوسيوتنمويا عبر الرياضة كأحد الرافعات الأساسية للتنمية فإن هذا الأمر يتطلب جهودا فكرية تهم مستقبل المغرب والمغاربة، ليكون بلد الرياضة والرياضيين. والمغرب الرياضي القوي على تأمين وطنه ومواطنيه لا يمكن تأسيسه بواسطة البنيات القانونية والإدارية والمالية والتقنية المساندة والتي كانت وما تزال تدبر بخلفيات النفوذ والوجاهة تارة وبخلفيات الوازع الأمني تارات أخرى، وهي أمور قد تحول دون توظيفنا لرياضة في تصنيع النهضة الوطنية القوية على رفع تحديات الحاضر والمستقبل.
فهل يمكن للمقاربة القائلة بتحويل الجمعيات الرياضية إلى شركات تتنافس في جودة المنتوج الرياضي وتسويقه المتمثل في الحصول على أعلى الدرجات في التنافس الرياضي الوطني والإقليمي والدولي، وإنتاج لاعبين وإعارتهم واستعارته وفق اتفاقات قانونية في هذا الصدد شريطة تأمين حياة اللاعب الصحية والمادية والاجتماعية، بالإضافة إلى الالتزامات بالحرص على تأهيله وفق المقاييس الدولية المنظمة لعنف الرياضة التي ينتسب إليها، والعمل على تدرجه من ممارس رياضي إلى مساعد مؤطر ثم إلى مؤطر ينتقل من المحلي إلى الوطني ثم الدولي مع الإسهام في ضمان الارتقاء المهني والتأمين الاجتماعي اللائق إلى حين الإحالة على التقاعد!
إن هذا النهج المهم والمتميز الذي يؤطر حياة الاحتراف الرياضي في العديد من البلاد الأجنبية كما أن نجاحه في تلك البلدان كثيرا ما ينبني على حقيقة مستوى المعيش دخل كل بلد وعلى حقيقة النظام السياسي والاقتصادي الذي يسوده. وهي أفكار قد تم اقتباسها من أجل توظيفها في المغرب لكن هل هناك من إمكانيات لتأمين نجاحها؟ وهل تستطيع تامين الأهداف المتواخاة من مغرب رياضي ينسج النماء الإنساني في كل أبعاده؟
قد لا نستطيع الجزم في هذا الشأن، لأن الأمر هنا هو عبارة عن استثمارات خاصة تنشد الربح المادي بالأساس مهما كانت أهدافها الأخرى التي غابا ما تستعمل من أجل تسويق المنتوج الرياض من اجل الربح على المدى القريب والمتوسط والبعيد.
فالمغرب الرياضي يتطلب مواطنا رياضيا قويا على إنتاج دستور رياضي يؤطر نظاما سياسيا رياضيا ينبني على مؤسسات محلية جهوية ووطنية، تسهم في إنتاج حياة سياسية واقتصادية وتربوية على تعليم علوم النمو بكل أبعاده، ويعطي للبلاد المكانة الدولية المتميزة في إحياء الإنسان والاستثمار في إثمانه من خلال الرياضة كمدخل من مدخلات التقدم.
ولعل من أهم المرجعيات التي يمكن الانطلاق منها من أجل الإسهام في صياغة مغرب رياضي قوي بأبنائه الفاعلين في التنمية وبناء الحضارة تلك الرسالة الملكية التي وجهها ملك المغرب محمد السادس للمشاركين في المناظرة الوطنية للرياضة المنعقدة بالصخيرات يومي 24و 25 أكتوبر من سنة 2002، التي أكد على العناية والاهتمام البالغين وعلى الأمل الذي يعلقه ملك المغرب على هذه المناظرة في بلورة انطلاقة جديدة تكفل النهوض بأحوال الرياضة الوطنية، مؤكدا جلالته على وجوب تجاوز ما يعيقها من اختلالات منافية لسبل الرياضة ومناقضة لدورها الجبري في ترسيخ المواطنة الكريمة والغيرة الوطنية وبتاء المجتمع الديمقراطي الحداثي.
ومن أهم التجليات التي ركزت عليها رسالة ملك المغرب إلى أعضاء المناظرة الوطني للرياضة، تلك الاختلالات المتمثلة في الارتجال والتدهور وتوظيف الرياضة مطية من قبل أصحاب السلوكيات الطفيلية بغرض الارتزاق والأغراض الشخصية.
كما استعرضت هذه الرسالة الوثيقة المرجعية ما تتعرض له الرياضة المغربية من اضطرابات وتقلبات تجسدها النتائج الهزيلة والمخيبة للآمال، داعية المجتمع إلى الوقوف الموضوعي على مكامن الضعف والقصور على استحضار للمكتسبات والحرص على حسن استثمار المؤهلات والعمل على تأهيل الطاقات مؤكدة بأن الرياضة في العالم المعاصر هي حق من حقوق الإنسان الأساسية وهو ما يؤكد على توسيع نطاق ممارستها لتطال كافة الشرائح المجتمعية، وفي كل مناطق البلاد وخاصة الجهات المحرومة والأشخاص ذوي الاحتياجات الخاصة.
فملك المغرب يعتبر بأن الرياضة رافعة قوية للتنمية البشرية والاندماج والتلاحم الاجتماعي وأنها أداة لمحاربة الإقصاء والحرمان والتهميش، ويلح ملك المغرب على المهنيين والسلطات المختصة تعميق التساؤل بشأن ما آلت إليه الرياضة المغربية من تدهور، وقد لخصت رسالة ملك المغرب الوضع المقلق لرياضتنا الوطنية في مستوى الحكامة المعمول بها في تسيير الجامعات والأندية وعدم ملائمة البنيات القانونية مع التطورات، كما أكدت على مسألة التكوين والتأطير ومعضلة التمويل، علاوة على توفير البنيات التحتية الرياضية بالإضافة إلى غياب التنسيق بين الفاعلين والمتدخلين في الشأن الرياضي، كما أبرزت هذه الرسالة معاناة الرياضة الوطنية من غياب الشفافية والنجاعة والديمقراطية في تسيير وتدبير الشأن الرياضي.
وقد طالبت رسالة ملك المغرب بوجود نظام عصري وفعال لتنظيم القطاع الرياضي يقوم على إعادة هيكلة المشهد الرياضي الوطني على أسس ديمقراطية، وتطوير الممارسة الرياضة الاحترافية والنهوض برياضة النخبة والرياضة الجماهيرية على قاعدة الانسجام والتناغم ونفس الاهتمام على مستوى السياسات الرياضية كخدمة عمومية .
كما ركزت هذه الرسالة على مسألة تمويل داعية إلى تنويع مصادره وتقوية آليات مراقبته وافتحاصه ووضع حد لكل صنوف التعتيم التي تطال المالية الرياضية لدى العديد من الأندية والجامعات، وقد دعت الرسالة الملكية الجماعات المحلية والقطاع الخاص للشراكة بالتزام وفعالية في المخطط المندمج لتنمية الرياضة بالمغرب من أجل مجتمع رياضي واقتصاد رياضي.
إن التنزيل التربوي والسوسيوتنموي والمالي والقانوني لهذه التوجهات الملكية لا يمكن اختزاله في بعض الإجراءات الاستعراضية المتخفية وراء بعض القوانين أو إنشاء بعض البنيات التي لا تخدم الرياضة في شيء، ولكنها جاءت كمشاريع أخرى سبقتها في إطار هيمنة الارتجال وعدم الوضوح الذي يحاصر الرياضة المغربية ويحول دون توظيف الرياضة في التنمية. فحسب بعض الوثائق التي عرضت على المشاركين في المناظرة الوطنية للرياضة سواء التي أعدتها بعض الجهات التابعة للسلطة الحكومية المكلفة بالشباب والرياضة، أو تلك التي تمت من قبل أحد مراكز الدراسات بالإضافة إلى مجموعة من الوثائق الموضوعاتية التي أعدتها بعض الأحزاب السياسية، يمكن القول بان هناك اتفاقات ضمنية على التطبيع مع سلوكيات تدبير الأزمات بل وتعميقها والاستفادة الشخصية من مخلفاتها. بمبررات واهية تغطي على ضعف أصحابها وتعمل على خنق وإجهاض كل نية تنشد الإصلاح والانتقال بالمغرب إلى موقع قيادة الرياضة في العالم.
وإذا كان المغرب في حاجة إلى من يحرص على السنتيم الوحيد من ثرواته الوطنية، وميزانيته العامة ويعمل على استثماره في كل ما يؤمن إمكانه البشري والمادي والطبيعي، فمن العيب أن يدر الأموال الطائلة في إعداد ورشات بسيطة تحمل أفكارا متواضعة، تسمى بالدراسات مع العلم أن في القطاع المسؤول عن الرياضة وفي مؤسسة التكوين والبحث العلمي التابعة له، والمتخصصة في الرياضة والشباب والطفولة والمرأة تقنيا وعلميا، من أعد ويعد باستمرار الكثير من الدراسات المتعلقة بمسألة النهوض بالشأن الرياضي، وهم الذين تم إبعادهم حتى من الحضور في هذه المناظرة وفي مناظرات وندوات أخرى متخصصة في الشباب والرياضة. فهؤلاء يدركون بعمق المعضلات التي تألم بالمغرب عامة والمجالات السوسيوتنموية بالخصوص، ولديهم التشخيص العلمي وفق خلفيات معرفية متكاملة التخصصات مفعم بمقاربات علاجية على المدى القريب المتوسط والبعيد، لكن تهميشها والحرص على إبعادهم رسميا وجمعويا من أجل فتح باب المزايدات أمام الرياضة والتنمية والشباب والوطن والمواطنين هو من أمر مرفوض لأنه أسلوب يكرس أهمية دعاة تنمية التخلف وتوظيف الرياضة في العبث.
فقد يأتي البعض ليذكر بما يسمى بتحصيل الحاصل فينص على أن عينته لها إدراك بأهمية الرياضة صحيا واجتماعيا وسلوكيا واقتصاديا وإعلاميا. وأن الأداء الرياضي بالمغرب يعاني من التراجع على صعيدي الهواية والاحتراف، وأن المسؤولية في هذا التراجع تتحملها عدة جهات سياسية وسوسيواقتصادية، وأن الدولة في المغرب تفتقر إلى سياسة رياضية واضحة تبدو جلية في حجم الأغلفة المالية المخصصة للجهاز الحكومي المكلف بالرياضة. كما أن المجالات المخصصة لممارسة الرياضة، ملاعب وقاعات ومسابح، لا تتوفر على وسائل السلامة والأمن، بالإضافة إلى معاناة الرياضي المحترف، وضمان اجتماعي يؤمن مسيرته الرياضية ويضمن له التقاعد المناسب، وأن الميزانيات التي تضعها الدولة لتأمين الشأن الرياضي لا تصرف وفق حكامة عالية جيدة، وأن الجماعات المحلية لا تتوفر على سياسة خاصة بتهيئة الفضاءات الرياضية، مما يمنع أو لا يشجع على تنظيم التظاهرات الرياضية، وأن القطاع الجمعوي الرياضي المتمثل في الجامعات لا يتوفر على الاستراتيجيات المطلوبة لتطوير الرياضة الاحترافية، كما انه يعاني من التدبير السيئ لموارده المالية وأن بعض المسؤولين لا ينتمون للمجال الرياضي، وأن قرارات الجامعات تتسم بالافتقار للدراسة العلمية وبالتسرع.
كما تعاني الفرق الرياضية من هيمنة الزبونية والمحسوبية في شأن إدماج اللاعبين المبتدئين، ناهيك عن غياب عادة التربية البدنية في مدارس التعليم الابتدائي وضعف مكانتها على المستوى الثانوي الإعدادي والتأهيلي، وضعف البنيات الرياضية داخل المؤسسات التعليمية وعدم انخراط أطرها بشكل واضح في العملية التربوية. أما وسائل الإعلام بات اهتمامها يقتصر على كرة القدم ولا تهتم بمشاكل التنظيمات والفرق الرياضية وأن المحتضنين ما يزالون غير متحمسين لتطوير الأداء الرياضي المغربي.
هذه هي المعاينة الميدانية التي استقتها إحدى المؤسسات الخاصة بالبحث مذيلة بمجموعة من الانتظارات التي عبر عنها أراد عينة هذه الدراسة والمتمثلة في قيام وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية بحث المغاربة على ممارسة الرياضة من خلال خطب الجمعة، وقيام وزارة الداخلية والسلطات المحلية باستتباب الأمن داخل الأماكن العمومية التي يرتادها العموم لممارسة الرياضة وتامين وتنظيم مباريات كرة القدم وعرض المشاغبين والمتسببين في الشغب على القضاء، وقيام وزارة التربية البدنية بإنشاء ملاعب مجهزة في المؤسسات التعليمية، واحترام الجماعات المحلية لمعايير مخططات التهيئة وخاصة ما يتعلق بالمساحات الخضراء والملاعب الرياضية والمجالات المشجعة على تنظيم التظاهرات الرياضية.
وقيام وزارة الشباب والرياضة بإرساء مشاريع لإنشاء ملاعب رياضية ونوادي ومركبات رياضية ووضع قوانين ومساطر لافتحاص الأحوال المالية للجامعات الرياضية ووضع قوانين للرياضة الاحترافية.
وتنتظر هذه العينة من الجامعات والجمعيات الرياضية اعتماد الشفافية والديمقراطية على مستوى الهيئات المسيرة، والقيام باللقاءات مع الأبطال الرياضيين وتوقيع عقود الاحتضان والرعاية، وإنشاء مدارس التلاميذ الرياضيين الموهوبين، وتنظيم المنافسات المحلية.
كما تنتظر من الإعلام الإسهام في إبراز مختلف أنواع الرياضة وإخبار الرأي العام بالتظاهرات الرياضية المحلية والوطنية، ودعوة الأطباء الرياضيين للقيام بتوجيه النصائح حول الممارسة الرياضية ومحاورة المسؤولين الرياضيين في شان النهوض بالرياضة.
هذا بالإضافة إلى قيام الدولة بوضع سياسة رياضية واضحة وتمكين الجهاز الحكومي المكلف بالرياضة من الإمكانيات المادية المطلوبة لتنفيذ هذه السياسة.
وفي الورقة التقديمية للإستراتيجية الوطنية للرياضة في أفق 2020 والتي انبنت صياغتها على التراجع في النتائج الرياضية، وخاصة في الرياضات التي كانت لها مكانة دولية كألعاب القوى وكرة القدم والتنس.
كما ركزت على مؤشر عدم تطور الممارسة الرياضية لدى المغاربة حيث أن السدس منهم فقط هو الذي يمارس الرياضة وأن عدد المنخرطين في الجامعات الرياضية الوطنية لا يتعدى نسبة 1%.
وحسب التشخيص والمقارنة التي وطأت لهذه الإستراتيجية والتي تركز على جرد مستفيض لمكامن القوة والضعف التي يتميز بها الأداء الرياضي المغربي والتي تم تدعيمها بقراءات كيفية دقيقة حيث يتبين بأن المغرب الرياضي يتميز بحضور هام بالنسبة للرياضات ذات المستوى العالي، كما تدل على ذلك الانجازات "التاريخية" وبالأخص في ألعاب القوى !!! وأن هناك اهتمام كبير للساكنة المغربية بالرياضة !!! بالإضافة إلى تعدد الرياضات الممارسة والمنتظمة من 44 جامعة رياضية و 8000 جمعية رياضية. هذا كله داخل مناخ وطني تؤطر دينامكيته نحو التغيير وملائمة الحكامة في التدبير الرياضي وخفض الفوارق الجهوية، وإدماج الرياضة في خطوات مسلسل التنمية البشرية.
أما مواطن الضعف في الرياضة الوطنية حسب الورقة الإستراتيجية المقدمة للمناظرة الوطنية الثانية، فتعود حسب أصحاب هذه الورقة إلى عدة صعوبات منها غياب إستراتيجية شمولية ومنسجمة للرياضة الوطنية، وعدم ملائمة القوانين المنظمة للرياضة في المغرب مع التطور الرياضي وبالخصوص في مجال تطور الاحترافية الرياضية، وضعف نظام تكوين الأطر التقنية والإدارية، وضعف التمويل المخصص للرياضة وبالأخص في القطاع الخاص، والتمويلات الخاصة، وتقادم وضعف شبكة البنية التحتية الرياضية، بالإضافة إلى ضعف نظام اكتشاف المواهب وتكوينها وخاصة داخل المدارس.
وعلى ضوء ما تقدم لخصت هذه الإستراتيجية رؤيتها في إرساء وترسيخ الممارسة الرياضية وقيمتها في الحية اليومية للأفراد لتجعل من المغرب أرضا للرياضة ومهدا للأبطال. ويقترح أصحاب هذه الرؤية في تفعيلها التركيز على عشر أهداف، خمسة منها ترمي تثبيت وإشاعة الممارسة الرياضية من خلال إنعاش الحق الأساسي في الرياضة والممارسة الرياضية كعامل للاندماج الاجتماعي، وإشراك قيم الرياضة في تربية وتكوين الشباب، وتطوير حكامة جيدة داخل الهيئات الفاعلة في الرياضة، وكدا تدعيم وتقوية جودة شبكة البنى التحتية الرياضية القريبة، وبعث الحيوية في فروع التكوين في مجال مهن الرياضة.
أما الخمس أهداف الباقية فيتجلى مضمونها في جعل المغرب أرضا للرياضة ومهدا للأبطال وذلك من خلال: تحسين انجازات وتنافسية الرياضة المغربية بشكل ملموس، وجعل المغرب ملتقى رياضيا إما على الصعيد الجهوي أو الدولي، ودعم تأثير المغرب داخل الحركة الرياضية الدولية، والمحافظة وتطوير التراث الرياضي الوطني، وتطوير الاقتصاد الرياضي !!!
ويدعو أصحاب هذا التوجه إلى ضرورة مضاعفة عدد الممارسين للرياضة ضمن الساكنة بثلاث أضعاف، ومضاعفة عدد الرياضيين المنخرطين في الجامعات بأربع أضعاف، وتدعيم البنيات التحتية والتجهيزات الرياضية بأربع أضعاف، وتوسيع القدرات التأطيرية من الجانب الكمي بخمس أضعاف، (غالبيتهم من المتطوعين بهدف تأمين تأطير ملائم للممارسة الرياضية !!!)
ولتحقيق هذه المرامي يقترح تحديد خمسة محاور رئيسية لتفعيلها هي (إنعاش الرياضة والممارسة الرياضية !!!)، (تحديث الحكامة!!!)، إعادة تأسيس نظام التكوين!!!)، تنويع وتقوية مصادر تمويل الرياضة!!!)، (جعل الجهة محركا أساسيا للاستراتيجيات الرياضية الوطنية!!!).
وبالعودة إلى الدراسات الكيفية التي عملنا على انجازها أو أسهمنا في ذلك يتبين بأن هناك نقص كبير في تصورات المقرر السياسي المغربي للرياضة، مما يجعل الأمل في النهوض بالغرب الرياضي سياسية بكل المقاييس وأن كل محاولات التقويم التي تطالها إلا وتنعكس سلبا على المسار التنموي المغربي عامة وعلى النمو الإنساني بكل أبعاده الفردية والجماعية والمجتمعية، فالمغرب الذي وظف كرة القدم في تحقيق الكثير من الأهداف المخالفة للقيم الرياضية ليس هو المغرب الذي يسعى إلى التنمية البشرية التي تعني تمكين كل فرد من النمو بكل جوانبه الفسيولوجية والنفسية والمعرفية والاجتماعية والأخلاقية والدينية والاقتصادية والبيئية والسياسية، فالنهوض بالرياضة كمنتجة للنمو يعني وعي الفرد بقيمته الصحية، وهذا سيحصنه ضد الخمور والتدخين وتعاطي المخدرات، بقيمته الحقوقية والسياسية مما سيمكنه من تغيير المؤسسات السياسية وبنائها على أسس الحرية والعدالة الديمقراطية، ويضع قطيعة مع العبث والتسلط والظلم والفساد. وسيساعده على إدراك مسؤولياته نحو الأسرة والمجتمع والبيئة فيحرص على صيانة الوقت والمزيد من التعلم والحفاظ على التضامن الأسري، والحفاظ على التوازن البيئي، وبهذا ستنخفض معدلات السلوكيات المضطربة والآفات الاجتماعية، وسيتوطد التماسك الاجتماعي وسيتسع النمو الأخلاقي، ويتطور الوعي الثقافي، وكل هذا يعني أن المغرب سيعرف تحريرا حقيقيا من تسلط رواد الفساد وأباطرة المخدرات، ومن هيمنة كل مفكري ومثقفي ومدبري تنمية التخلف، الذين لم تستطع النضالات السياسية والجمعوية في المجالات الأخرى الانتصار عليهم.
أولائك الذين همشوا الرياضة وركزوا على استقلالها في الحفاظ على مراكز نفوذهم السياسي والإداري والاقتصادي من خلال رهن الوطن في أنفاق شراء الانتصارات الآنية والظرفية كلهاية من لهايات التسلية وطمس وإبادة كل تفكير ينشد استثمار الرياضة في التنمية والتحضر الوطني. فقد حاربوا العلماء والبحث العلمي المتخصص كما حاصروا كل إمكانيات تكوين واستكمال تكوين الأطر العليا من خلال تعطيل التعاون المغرب مع الدول الأجنبية المتقدمة علميا وتقنيا في المجال الرياضي. وقتلوا كل إرادة ترمي إلى دمقرطة الرياضة على مستوى التسيير، والكفاءة العلمية والتقنية على صعيد التدبير، من خلال الاكتفاء بالتعيينات الفوقية التي تقابل بمباركة غير الأكفاء الجاثمين على العديد من الأندية والجمعيات الرياضية، وهي تعيينات غالبا ما تكون من أهل الأمن أو أهل المال الذين لا يسمحون لمن يعينونهم في المكاتب المسيرة أو الأجهزة المدبرة بمخالفة أرائهم التي يعتبرونها كتبا منزلة فهي تعليمات يجب الامتثال لها من قبل الجميع. وعند وقوع كارثة قد تمس بالسياسة المفرغة للرياضة من محتوياتها السوسيوتنموية، يتم الإسراع بحل الجامعة أو أي جهاز أخر وتكليف لجنة مؤقتة بتسييره ضدا على القوانين والمواثيق الوطنية والدولية ناهيك عن التحكم المسبق في نتائج الجموع العامة لكثير من الجامعات الرياضية، واستباحة المال العام تحت مظلات ويافطات مختلفة من المؤسسات العمومية، وشركات الاقتصاد المختلط بدعوة احتضانها لأنواع معينة من الرياضات، واستعمال بعض النتائج الرياضية كذريعة لاستبعاد الأطر الوطنية الكفأة، والاعتماد على الأطر الأجنبية المكلفة بشكل كبير للمزانية العامة، بل وقد أصبحت أجور بعضهم من أسرار الدولة التي لا قدرة للحكومة على معالجتها، بالإضافة إلى غياب قوانين لتشجيع الاستثمارات الخاصة الوطنية والأجنبية في المجال الرياضي.
وهي أمور لم تسمح للرياضة كقاطرة سوسيوتنموية في أن تتحول إلى عنصر مهم في الثقافة الشخصية اليومية للمواطن المغربي، والانتقال به من مقعد المتفرج إلى موقع الممارس والمسير والمدير بشكل منتظم. كما أنها لم تسمح بانفتاح الرياضة على العديد من القطاعات الاجتماعية، ومنها توسيع نطاق التخصص في مجال الطب الرياضي إلى درجة يصبح فيها العلاج في المستشفيات معتمد على المسبح العلاجي والملعب العلاجي والقاعة الرياضية العلاجية، وتوطينها في السجون من خلال الملاعب والمسابح والقاعات المغطاة المطلوبة لتقويم الشخصيات المضطربة وتحسين أفكارها واتجاهاتها نحو ذواتها ونحو المجتمع والمستقبل. ناهيك ضرورتها في تمكين الأطفال والناشئين والشباب في المصالحة مع التعلم والتفكير والإنتاج والعمل، وتوظيفها في تنمية الفاعلية لدى المسنين، بالإضافة إلى ما يمكن للرياضة أن تؤمنه في النهوض بالسياحة عامة والسياحة الجبلية والصحراوية بالخصوص، حيث نستطيع توظيف الرياضة السياحية في فك العزلة على أهلنا في الجبال من خلال الاستثمار في كنوزها الطبيعية وما تتيحه ومقومات أهلها الثقافية والاجتماعية، وذلك بشق الطريق وإقامة المنتجعات الشتوية والربيعية والصيفية وتوظيفها في تنظيم الرياضات الجبلية وتنظيم دورات التركيز للأبطال الرياضيين والفرق والمنتخبات الرياضية الوطنية والأجنبية.
إن الرياضة ليس أداة لتخدير الشعوب وتنمية تخلفهم كما يرد بعض المتسلطين، بل هي عملية إنسانية وسوسيوتنموية ذات تأثيرات في الصحة والتربية والتعليم والسياحة والتجارة والاقتصاد والتضامن الاجتماعي والبيئة ومعالجة الآفات الاجتماعية والإدماج الاجتماعي والاندماج الثقافي، وفي المجال السياسي والدبلوماسي والعلاقات الدولية، والإعلام، وهي أمور تتطور وتتوسع من حيث تأثير هذه العملية، ومن حيث المجالات التي تؤثر فيها من خلال البحث العلمي المتخصص والمتفاعل مع مستجدات القيم الرياضية وأحوالها، والقادر على القراءة المتجددة لرسالتها في الحاضر والمستقبل الإنساني، وتطوير انعكاساتها الايجابية على شخصية الأفراد والجماعات والمجتمعات وتوظيف كل مقوماتها ونظمها في النهوض بالمؤسسات السوسيوتنموية، وهذا يتطلب النظر إلى الرياضة بالمغرب كمدخل من مدخلات النهضة الحضرية ذات الفاعلية العالية على أسس علمية متعددة التخصصات والمناهج في صياغة التشخيص السليم للواقع المغربي وللرياضة، التي يطمع الباحثون والمهنيون وكل من يحرص على تقدم المغرب في توظيفها من أجل ذلك، بالتركيز على تحليل بنياتها التقنية والتنظيمية وهيئاتها التسييرية وأجهزتها التدبيرية، بالإضافة إلى تأثيراتها في بيئتها الخارجية.
فحسب دراسة ميداني تنشد التقيد بهذا السياق من حيث أهدافها ومنهجيتها تم التوصل إلى العديد من المعطيات تتجلى في هيمنة التمثلات الخاطئة للرياضة، وانعدام المأسسة الفعالة وغياب الحكامة الجيدة في التدبير، بالإضافة إلى التوظيف السياسوي المغلوط وتهميش الرياضة في صياغة مؤشرات النمو الاقتصادي صعودا أو هبوطا. ولعل الإسهام في إعطاء الرياضة المكانة السوسيوتنموية في قيادة الحياة يتطلب بالأساس دستورا وطنيا اولمبيا يؤمن المشاركة في تدبير الشأن العام الرياضي وطنيا وجهويا ومحليا، ويسهم في التربية والتنشئة والتثقيف على المواطنة كقائد للشأن العام المغربي بكل مكوناته وقطاعاته. وهذا يعني بأننا في حاجة إلى تغيير جدري حقيقي للمغرب الرياضي يقويه على تحقيق التمويل الذاتي من أجل توسيع البنيات وتطويرها، وإنتاج الأبطال الرياضيين من المستويات الاولمبية العليا، وتأمين حقوق المحترفين الرياضيين وذوي حقوقيهم مدى الحياة، وتدعيم البحث العلمي المتخصص في تطوير الأداء الرياضي والتدريب الرياضي والطب الرياضي والرياضة الثقافية، والتدبير الرياضي والرياضة السياسية والإعلام الرياضي، بالإضافة إلى التشريع الرياضي والقضاء الرياضي والتأمين الرياضي والرياضة المالية والرياضة التجارية والصناعة الرياضية والدبلوماسية الرياضية، وهي أمور تؤكد على أن الرياضة قطاع مندمج في كافة المجالات الإنسانية وفرصة وازنة للاستثمارات العمومية والخاصة والجمعوية، مؤثر بشكل فعال في معدل النمو.
وهذه الأمور لا يمكن تحقيقها بشكل جيد في غياب ناخب مواطن يعتني بالشأن العام عامة والشأن العام الرياضي بالخصوص بمسؤولية كاملة على المستويات المحلية والجهوية والوطنية، يتم إعمالها بشكل منظم بدستور أولمبي وطني يِكد على مكانة الرياضة لدى المجتمع المغربي وما لها من أهمية في التربية على التسامح الفكري والعقائدي والتماسك الاجتماعي والتضامن الوطني والافتخار بالتنوع الثقافي، والانفتاح الايجابي على المحيط القاري والأقاليمي والدولي على قواعد السلم والتعاون والتضامن، دستور يحدد مؤسسات تدبير الشأن العام الرياضي بدأ بالتأكيد على وطنية الرياضة في الإعمال السليم للحقوق المدنية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية والثقافية والتربوية التي تؤكد عليها المواثيق الدولية والإقليمية والقارية لحقوق الإنسان. وتأكيد هذا الدستور الوطني الاولمبي على خدمته وامتثاله لثوابت المجتمع المغربي وقيمه وأماله وطموحاته الحضارية، وفي قيام كل مرافق الحياة ومنها الرياضة على الحكامة الجيدة للمؤسسات التي تستمد منها إرادتها وشرعيتها من إرادة المواطن الناخب الرياضي المسجل في اللوائح الانتخابية الأولمبية التربوية، التي يشترط فيها توفر الراغب في التسجيل على السن الخامسة عشر وأن يلتزم بالإنفاق المادي على الرياضة بما قدره 0.30 درهما في اليوم وأن يدلي بصوته في اختيار المجالس التشريعية الاولمبية المحلية والجهوية والوطنية. ويترشح لعضويتها عند توفره على السن الخامسة والعشرين، وعضويته بأحد النوادي الرياضية دستور أولمبي ينظم الرياضة بالمغرب على المستوى الوطني من خلال المؤسسة التشريعية الأولمبية التي يتم انتخاب ثلثيها عبر الاقتراع العام المباشر، ويصعد الثلث عبر الاقتراع غير المباشر من قبل أعضاء المجالس المحلية والجهوية. وهي مؤسسة تختص بالتشريع الرياضي، وتعين الحكومة الوطنية الاولمبية وتراقبها عبر الأسئلة الشفوية والكتابة ومن خلال لجان التقصي والبحث واستقبال مشاريع القوانين، ومؤسسة أولمبية تختص بالتنفيذ والتنظيم، ووضع سياسات الاستثمار والإنتاج الرياضي المندمج في كل القطاعات التربوية والاجتماعية والاقتصادية والبيئية، في تكامل تام مع السياسات العامة لمؤسسة الدولة بكل الأساليب المعتمدة في التسيير والتدبير وطنيا ومحليا وجهويا وإقليميا، بالتركيز على كل صنف من أصناف الرياضات الفردية والجماعية وفق المعايير المتقدمة على الصعيد الدولي. في حين تختص المؤسسة القضائية بالبث في المنازعات القانونية والإدارية وفي كل القضايا ذات الطابع الرياضي باعتبارها القضاء الأولمبي الوطني الفاصل في كل النوازل الرياضية الوطنية وفق نظام يدبر من قبل قضاء متخصص ويحتوي على درجات عادية للتقاضي بالإضافة إلى احتواءه على آليات للعدالة الناعمة التي يسمح بها القانون من أجل معالجة النزاعات بعيدا عن أنظار القضاء.
ومن أجل صيانة الإعلام الرياضي الوطني وتوظيفه في تحقيق الأهداف التربوية والسوسيوتنموية المتوخاة من الرياضة، لابد من مأسسته داخل هذا الدستور من خلال مجموعة من الاختصاصات المتمثلة في تأمين حق الإعلامي في الحصول على المعلومة وائتمانه عليها لتصل إلى الناس سليمة من كل لبس أو تحريف، وتحويل التغطية الإعلامية لمباراة أو تظاهرة رياضية إلى مستوى وسائل الإيضاح التي تستعمل في إلقاء الدروس، فالمباراة أو التظاهرة الرياضية هي درس تربوي سوسيوتنموي وعلمي وأخلاقي يحتاج الكثير من وسائل الإيضاح وفي مقدمتها الإعلام الرياضي المتخصص الذي يستطيع تفسير الحركات والجهود القائمة داخل الملعب أو الحلبة للمشاهد أو المتفرج مباشرة بشكل علمي وتقني يمكنه من إدراك عوامل تلك الجهود والحركات ومن متطلبات تطويرها. وهذا يفرض أن يتضمن الدستور الوطني الأولمبي مؤسسة للإعلام الرياضي تستطيع الإسهام في النهوض بالرياضة تنظيما وتسييرا وعطاء دوليا ووطنيا بالإضافة إلى توظيفها في تحقيق النمو الفردي والجماعي والمجتمعي بكل مظاهره.
وإذا كان للإعلام الرياضي أهمية بالغة في هذا الصدد فإن البحث العلمي المتخصص لا يقل شأنا عنه خاصة وأن كافة الرياضات الفردية والجماعية تحتاج إلى الدراسة المتجددة للممارس الرياضي بيولوجيا وفسيولوجيا وسيكولوجيا ومعرفيا وسلوكيا، فلا يمكن تصور عطاء رياضي متقدم لا ينبني على السلامة والكفاءة العاليتين لهذه الجوانب، التي ترتبط بالبحث العلمي المتجدد. وهذا يتطلب احتواء دستورنا الوطني الاولمبي على مؤسسة للبحث العلمي تضم كافة العلماء والباحثين في الشأن الرياضي المغربي، والصياغة العلمية لكل متطلبات تطويره من خلال مجلس للبحث العلمي الأولمبي ينعقد مرة في السنة وتلزم نتائجه ومقرراته كافة المؤسسات الأخرى، بالإضافة إلى تأمين المنتخبات الرياضية القوية والأبطال الرياضيين الكبار عالميا، ويجب أن يضم هذا الدستور الوطني الأولمبي مؤسسات محلية وجهوية منتخبة لتدبير الشأن الرياضي في إطار سياسات عمودية تستطيع إنتاج الكفاءات الرياضية ورعايتها من خلال قوانين واتفاقات محلية مع الأندية والجمعيات الرياضية بالإضافة إلى اختصص إعداد البنيات الرياضية وتطويرها وإعداد مشاريع الاستثمار في الرياضة على الأصعدة المحلية والجهوية.
إن الرياضة كأهم مدخلات النمو الإنساني والتنمية المجتمعية في هذا الطرح ليست هي التربية البدنية التي تعتبر واجبا على عاتق المؤسسات المدرسية بكل أطوارها، ومؤسسات التكوين المهني بكل أصنافها، وكدا مؤسسات التكوين العسكري والأمني والحماية المدنية والإصلاحيات والسجون، حيث تكون هنا التربية البدنية مادة دراسية أو تكوينية أساسية قد تصب في العمل الرياضي من خلال نظام الرياضة للجميع، بغية تدعيم النمو الشخصي. والرياضات القاعدية التي تعتبر بمثابة مختبرات للفحص والتأهيل الرياضي، أو رياضات النخب التي تنشد الكثير من الأهداف التنموية والدبلوماسية بالإضافة إلى التألق الشخصي والجماعي والمجتمعي للمغرب في المنافسات القارية والدولية.
لقد استطاع القانون رقم 30.09 المتعلق بالتربية البدنية والرياضية الإسهام في معالجة بعض الصعوبات التي تعاني منها الرياضة في المغرب، وقد غاص هذا القانون في الأمور التقنية التي تحتاج كل واحدة منها إلى قانون عادي ونصوص تنظيمية مستقلة تدقق في كل أمر بشكل تقني، ونضع حدا لكل تسبب في التأويل من مسألة التعاريف ومنها ربط العلاقة بين الجمعية الرياضية والشركة الرياضية وطبيعة العقود الرياضية ونوعها، وهل صحيح أن طبيعة عقود العمل الفردية والاتفاقيات الجماعية للشغل صالحة لتدبير الشأن الرياضي، وهل تستطيع الجمعيات الرياضية تنظيم شركات، وهل الشركة الرياضية شركة تجارية أم مدنية أم يجب أن تكون لها طبيعة خاصة تتلاءم مع الواقع المغربي. وهل نظام العصب والجامعات واللجان الاولمبية الجهوية والوطنية ما ي زال صالحا للعمل. وهل تمويل الرياضة سيبقى على عاتق الدولة أم أن الأمر يتطلب الانخراط في تشارك ديمقراطي أساسه المواطن الرياضي كناخب ومقرر في تدبير الشأن العام ٍِِالرياضي.
إننا نتطلع إلى تشريعات رياضية أوسع لتمكين المغرب الرياضي من قيادة البلاد نحو التقدم الحضاري والتواجد العالمي المشرف من خلال الرياضة، بالإضافة إلى طموحاتنا في امتلاك بلادنا لاقتصاديات المعرفة، من خلال ما يجب علينا إنتاجه من إمكان بشري مؤهل نفسيا ومعرفيا وتقنيا واجتماعيا وحضاريا وهذا يتطلب منا إحداث القطيعة مع الارتجال في السياسة، لأنها العلم لذي يوظف كافة العلوم والمعارف والتقنيات من أجل صلاح حاضر الفرد والمجتمع وتأمين سلامة وتقدم وتألق الأجيال الصاعدة، ولكي نحصن أنفسنا وبلادنا ضد هذا الارتجال يجب أن نفتح حوارات محلية وجهوية ووطنية نوعية وجماهيرية حول المغرب الرياضي، كإمكان يمكن الاستثمار فيه من أجل سلامة الأجيال الصاعدة وتواجدها المكرم داخل عالم مستقبلي سريع التغيرات، ولا مكان فيه للضعفاء الذين قد يعتبرون مجرد جزئيات من مخططات الآخرين أو مجرد عالة على الحياة العامة.



https://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن