عبيد بقوة الإكراه و أقنان بشدة الإلزام و إماء بروح الإجبار في ألفية حقوق الإنسان

يونس بنمورو
benmouro@gmail.com

2012 / 8 / 11

تتأرجح براءة الطفولة بين إستغلال متوحش لعمق روحها، وإعادة اجتفاف لدسم جسدها، و إكتناز للدنانير على ظهرها، فبدون قطرات رحمة، ونفحات شفقة تنساق كرها لإعمال هشاشية أعضائها، بعضلية لا يقوون على إمتلاكها أو حتى إكتسابها، طوعا لإرضاء المكتوب عليها وعلى أبائها، و إعالة لحالها و حال أسرها، بتوريط فتية عمرها المزهرة و نعومة أظافرها المتلألئة، في حقول الكوادر العابسة و في عوالم السواعد اليابسة، فلا سبيل لها غير التألم بآمال ضائعة، و لا بيدها حيلة سوى التحسر على أحلامها اليتيمة، و لا مخرج لها إلا بإلاستسلام لبؤس ظروفها و تراجيديا واقعها، و لا في لسانها سيف لتلميع براءتها و الإنتشاء بفتات حقوقها، أو تثوير لمكانة ضعفها و طبيعية تمدرسها، ففي عش الحنان و جب أن تتمرغ و ترتاح، و أن تعيش فيه حياة الهدوء و الأحلام، وفيه ضرورة قصوى لملئ وعاء وهونها و ضعفها حتى يشتد عودها و تعيش حياة أقرانها، لكن الحال حال أنامل طفولية منقوعة في الألم و مثخنة بالقمع و الحرمان، ومتخمة بالنقص و الإبتزاز، أنتجها فقر الأسرة وهمشتها برامج التنمية و أحدثتها سياسة السياسي، لتكون ضحية لواقع لم تساهم بقيد أنملة في إنتاجه و خلقه، أو التفكير في صناعته وإشتهائه، فبراثين التخلف و تصحر الفقر، وحقارة العوز النقدي، ناهيك عن هشاشة الاجتماعي و غدر السياسي و تقاعس الشق الأسري، جعلت من الطفولة عملة جذب للأموال و إستراتيجية لتكديسها، و عُدَّةَ جلب للقمة العيش من نفق الحياة، أملا في اجتثاث خمول الأسرة الراضخة تحت عجلة الجهل و المستسلمة لمطرقة البؤس والعناء، من خندق التقهقر و وابل الموت المجتمعي، و مشاركة لخطيئة الآباء في شظف الحياة، و تقاسما لكافة تكاليفها و مصاريف العيش فيها، تأمينا لوجودها من مغبة الوقوع في حافة المجتمع و رصيف الدنيا، فقطرات تطفل بين الهنا و الهناك، تعمق سوداوية الأحداث و لا إنسانية الأوضاع، و في وحل العمل تزداد كئابتنا لواقع الحال، ففي محلات التشغيل جملة من الأطفال إستحالوا إلى أقنان، أناء الليل و أطراف النهار، و في جب التسول تزداد يوما بعد يوم حشود غفيرة من العبيد، و طوابير شتى من الإماء، و بعيدا عن المدرسة ترتاع الطفولة من أجل خبز اليوم و رغيف الحياة، أما أحيانا من باب الدعارة تقتات حفاظا عن كينونة البقاء، في أزقة الواقع وتخوم الحياة، فتسجين الطفل في الشغل مصادرة لنموه الطبيعي و قتل للإنسانية فيه، و قمع لشطحات أماله و إقبار لكافة أحلامه و طموحاته، بزج طفولته في عالم تفتقر لأجله بنياته النفسية لقدرات التحمل و الصمود، و إجهاضا لمؤهلاته الجسدية نتيجة الإستخدام المشين، وعجزها عن المواكبة و الإستمرار، نتيجة إقتلاعهم من أحضان أسرهم، سواء بالرغبة أو الإكراه، و إستدراجهم من كنف العائلة بقوة الأشياء، و إتخاذهم أداة لتوليد الأموال، و موارد لكسب دراهم معدودات، لا تسمن و لا تغني من جوع، بإلقائهم في مهن تفقر أكثر مما تغني و تفسد أكثر مما تعلم وتربي، و حشرهم في عالم لا يؤمن إلا بجشع الاقتصادي الوحشي، و شطط الاستغلال الرأسمالي الهمجي، ليصبح الطفل مشروعا استثماريا حاصدا للأموال، ومضادا حيويا لفداحة الفقر و الأهوال، و مناعة ضد شحنات العجز و الشقاء، وكأرض خصبة لإستزراع الأموال، من اجل صيانة أعطاب الأسرة من كدمات الواقع، و التخفيف عليها من جلدات الأقدار، لتتخلى الطفولة عنهم بحب وسخاء و أحيانا بتأمر و امتعاض، ليصبحوا عمالا في غير موعد العمل، وأجراء بدون أجرة العطف و الحنان، في غياب من يحضنهم بكرمه و طيبته أو يغدق عليهم من شفقته، و ليسرق الزمن منهم نصاعة براءتهم و بياض صباهم، ليعيشوا زمانا غير زمانهم، و ليساقوا نحو أعمال لا تقدر عليها أنفسهم و لا روحهم، أو حتى أدرعهم و أجسادهم، ليستأسد الظلم عليهم و ليساهم في إنتاجهم شخصية مرضية كاملة التركيب و التعقيد، منحرفة البنيان و معوجة السلوك، تعلن العداء للمجتمع و الحياة، و تفضح إنطباعات الحقد و الإحتقان، نتيجة اليأس من أوضاع العيش و المعيش، والتذمر من شقاوة الظروف و كئابة الأوضاع، ليجعلهم القهر قنابل موقوتة جاهزة للإنفجار، بدون سابق إنذار و لا إعلان، كنار تحت الرماد، لحرمانها من أبسط حقوقها في التعبير عن رأيها بعدم إستغلالها و تسخيرها، ليلبس العمل حلي العقبات أمام نموهم، و يتجمل بزينة الإكراه بإبعادهم عن التمدرس و الإستجمام، ليغرقهم ضررا في تخوم الإبتزاز و دوامة الرق و الإستئجار، و يغمس نفوسهم في مآسي اكبر من رحابة صدرهم و تحملهم، فتحت جناح الفقر تتناسل عمالة الأطفال، بدءا من نعومة الأظفار و نقاء الإحساس و براءة الروح، ليعري العمل قلق مستقبلهم، و ليصبح حجر عثرة أمام التطور و التقدم، و عاملا في إضطراب ديمومتهم، و حاجزا أمام تحسين ظروف واقعهم المهان، ليغدوا ضنك الشغل و مرارة التشغيل، تأمينا لاستمرارية الشهيق و الزفير على جلدية الأرض، و منفذا من مستنقع التدهور و حرارة التهميش، و ترقيعا لعتمية ظروف قد تقطع حبل الصرة مع واقع الاحتياج و قذارة الفقر، و عائقا للتعلم والتمتع بنشوة اللعب و لذة الإسترخاء، لكن في غياب مستوى واع في التفكير واختفاء بارز لقيم الإنسانية الكبرى، و إنتهاك صارخ لحقوق الطفل و الطفولة، وفي هيمنة لجبروت النظام الاقتصادي، وفي تفاقم لفسيفساء المشاكل الأسرية، من طلاق و تفكك للنسق العلائقي و تسرب مدرسي، وتأمر للأزموية وخزي الواقع المدقع، يصبح حال ما ألت إليه الطفولة الموءودة بالأمر المتواطؤ عليه، بدءا بإقتصاد معطوب و مجتمع ممزق منكوس، وسياسات منكوبة متوعكة، وثقافة أسرية متعفنة، تحث على التفريخ المفتوح، بخلفيات إنجابوية متمسمرة في العقول، تستمد رمزيتها و قوتها من تعدد أبنائها، فأنا ألد إذن أنا موجود، هو مبدأها و عامل مطمئن لها و ضامن لإستمرارية وجودها، دون إستحضار مصير براعمها و مستقبل فلذات أكباذها، لتنضاف هذه المشكلة إلى ملفات أخرى تزيد من ثقل وزنها و تشابك عقدها، لتتسرب للمجتمع فيروسية الأمية و حمى التبعية نتيجة إستفحالها، و لتتولد ظواهر أخرى أشد خطورة و فتنة منها، و لتظهر إختلالات و أعطاب أشد فداحة وبلية، لينتهي حال الإجتماعي بخصال الركود و الجمود، و ينتصر لإضمحلال القيم الأخلاقية و المبادئ الحضارية و تبخر للخصال الإنسانية، و حتى لا نرقص على نفس الإيقاع، يجب تغير أسطوانة الإستراتيجيات و الحلول، أملا في الخروج من غيابات الأذى الجسدي و الإستغلال النفسي، فالحاجة إلى صكوك دولية سيكون بالأمر الأكيد، للمصادقة على الإتفاقيات و صفعات التقارير، التي ترمي إلى حضر أسوء أشكال العمل و الاستغلال، باتخاذ إجراءات فورية و أكثر جرأة تعمم التمدرس المجاني الإلزامي، وتسرع و تيرة الدمج الاجتماعي تحقيقا للنمو الاقتصادي، بتبني سياسات تنموية ترفع المستوى المعيشي لطبقات ما تحت الفقر و الفقراء، زيادة على إستنبات مراكز للتفتيش، و تشريع لقوانين تحدد السن الأدنى للتشغيل، و مكافحة للتسرب المدرسي، ناهيك عن تفعيل مبدأ الغرامات، مع الرقابة الفعالة لحسن التطبيق، زيادة على تقديم بدائل للأسر التي تم عتق رقبة أبنائها من شرنقة التشغيل، من أجل إستئصال عمالة الأطفال كمرض إجتماعي، يفضح إختلال الإقتصادي و هشاشة المجتمعي، الذي إذ لم يشفى سيتداعى له سائر المجتمع بالسهر و الحمى، لإعتباره قضية أخلاقية و تحديا اجتماعيا حضاريا، يحتاج غيرة أدمية، ومسؤولية وطنية، فإن نحن استدعينا إرادتنا من اجل القيام بذلك، فلعلنا نجلب الأمل إلى قلوب الأطفال في كافة بقاع العالم، وسنؤكد بذلك لكل طفل بأن له الحق بالتمتع بطفولته، بأن يعيشها و يستمتع بحلاوتها، حتى تنتفض من جديد ببواعث الومضة و الإستشراق، المخفية خلف ستائر الحرمان و التهميش، بعيدا عن تضميد الجرح بإلتفاتات رسمية خجولة لأصحاب الضمائر النائمة، أو ببروتوكولات شكلية مقيتة، أو مناسبات ندواتية محتشمة للترف الفكري، أو قوانين لا إجرائية حبيسة الخزانات و زنزانات الرفوف، تعيد إنتاج الحاضر بشروط الراهن، و تساهم في تفاقم المشكل أكثر من إخماده، و ذلك دفاعا عن طفولة مبتسمة الثغر و هنيئة البال، وسعيدة الحال و الأحوال، تتمتع بجمالية طفولتها وتحس بعمق إنسانيتها، ولا تصنف نفسها في الدرجات الأخيرة من سلم المواطنة، أو تمارس الإحتقار على ذاتها، نتيجة التعدي المفرط عليها، والإيذاء الفعلي لها.



https://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن