هل يستعيد المثقفون الساحة من المعممين؟

أبو أحمد مصطفى

2002 / 9 / 28

 

الشرق الأوسط، 26/2002

عندما قام الرئيس العراقي صدام حسين بغزو الكويت، خرج علينا المتفذلكون بنظرية المؤامرة، وخلاصتها ان العراق وقع في فخ نصبته له السفيرة الامريكية ابريل جلاسبي، وذلك بأنها ابلغته ان الادارة الامريكية ترى ان النزاع الكويتي ـ العراقي هو شأن عربي. والمضحك ان هؤلاء يبرئون الرئيس العراقي من كل نية سيئة تجاه الكويت وجيرانها، ولكنهم لا يحاولون ان يروا ما هو أبعد من ذلك، وان يوجهوا اليه تهمة الاعتداء على الغير. ولو كان ذلك قد حصل واجتمع العرب على كلمة سواء يقرون الحق ويزهقون الباطل، اقول لو ان ذلك قد حدث، لكان من المؤكد ان امورنا اصبحت افضل مما هي عليه الآن، ولما كانت الولايات المتحدة قد اتخذت من غزو الكويت ذريعة لمهاجمة العراق ومواصلة العبث والاستخفاف به وبالأمة العربية كلها.
واليوم يجب على اسرائيل ان توجه التهنئة لقادة حماس والجهاد الاسلامي لأنهم أباحوا لها امتهان شعبهم وإذلاله بكل حرية وامام عدسات التلفزيون، بما يفوق كل ما تعرض له في السنوات الخمسين الاخيرة، وذلك بأنهم قاموا بأكبر عملية لخداع شعبهم وشبابه بأن ما يقومون به من اعمال ضد المدنيين هو الذي سيقود الى استقلال وطنهم السليب. وكم اعجب من هؤلاء اذ يزعمون بأن الذي يحدث للشعب الفلسطيني هو نتيجة حتمية لاتفاق اوسلو، فهل ما يمارسونه سيقود الى ما هو افضل؟
ان الكذب والنفاق الذي يمارسه هؤلاء المثقفون والفقهاء، والتصريحات الجوفاء والمنطق الأعوج، هو الذي يدفع بهذه الأمة الى هذه الهاوية السحيقة التي لا نرى قرارا لها.
ان الركون الى وهم الجماهير العربية لتغيير الاوضاع او الى التهديد بأنها قابلة للانفجار، اذا ما وقعت الواقعة، هو خداع للنفس وكذب على الذات.. فالعدو يعلم ان هذه الشعوب لا يمكن لها
ان تتحرك من دون اذن رسمي يحدد لها الساعة والمكان وحجم اللافتات وصياغتها.
ثم ان التحجج بأن هذه الشعوب مقموعة هو مدعاة للسخرية، لأن الشعوب لا تتحرك الا لمقاومة القمع والامتهان.. اما شعبنا العربي فحالة نادرة في التاريخ. وعلينا ان نتذكر متى قامت آخر ثورة شعبية كتلك التي حدثت في الفلبين او اندونيسيا. وكم مواطن تظاهر لصالح زعيم معارض كما في ماليزيا.
كم اتمنى من المثقفين والفقهاء ان يركزوا جهدهم وحديثهم حول مواطن الخلل الحقيقية بعيداً عن اساطير الأولين وعنترياتهم.. ويشتد الغم عندما يتصدق المعممون على الشعب الفلسطيني بدروس التحرير وتأصيله بحسب فقههم، كما لو ان هذا الشعب حصل على جزء ولو يسير مما حصلوا عليه مقابل ولاء خارجي جلي وواضح.
دعوهم يا هؤلاء وشأنهم بعيدا عن الفتاوى التي لا تصلح لهذا الزمان ولا تفيد احدا.. وعليكم ان تبثوا الوعي الحقيقي لا الوهم الزائف وان تدركوا ان ما يحدث لهذه الأمة من محن انما هو بفعل ما رسختموه في اذهان الشعوب عن العهود الغابرة والتاريخ المزيف، هل يدلنا احدكم على عهود النور في تاريخنا وما انجزناه منذ الف عام للبشرية!!! ولننظر الى الكم المهول من المطبوعات التي تجرّم الغناء وتشرح اصول الأذان وآداب الوضوء والحيض والنفاس وانتظار عودة الغائب، والدعوة الى تأليه الأموات من الأقرباء والأنساب.. وكم هي الكتب التي يتم بيعها وتوزيعها لشرح الهوة بين الواقع الأليم في العالم العربي وخارجه.
هذه الشعوب المغلوبة على امرها منذ قديم الزمن لا تدري ولا تدرك اين هي مصلحتها، ولا كيف تسير وتسوس امرها. شعوب تتخبط في ظلام حالك لا ضوء في نهاية نفقه.
لم اسمع معمما واحدا يتحدث عن التقرير العربي للتنمية البشرية الذي يصدم كل ذي عقل لبيب.. لأن هؤلاء يترزقون من الدعوة الى الجهاد ومواصلة دحر العدو.
انها مهزلة يجب ان تتوقف ويجب على المثقفين الحقيقيين ان يضعوا حدا لنفاقهم وان يستعيدوا الساحة من المعممين الذين يقودون الشعوب الى نكبة جديدة ملامحها واضحة وحروفها لا تستعصي على احد.

* دبلوماسي عربي يفضل عدم ذكر اسمه الحقيقي ـ خاص بـ«الشرق الأوسط
»

 



https://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن