أصنام يعبدونها وسموها (تابوهات) (3) عندما تحول (الدين) إلى صنم.

حماده زيدان
hamadazedane@gmail.com

2012 / 7 / 7

"في قاعة كبرى، يجلس الحاكم على عرشه المعظم، تلفه الراقصات والغواني من كل اتجاه، ترقص تلك بمؤخرتها، وتلك بأردافها، وتلك تهز جنبها بجنون، يلبسن بدلات الرقص التي تشف عن أجساد بيضاء وطرية، الأبخرة المقدسة تلف أجناب القاعة، والغواني بأصواتهن ينشدن أناشيد لتمجيد حاكمهم، وهو.. ذلك الحاكم المفدى يجلس على عرشه سعيداً بكل هذا الطرب والخلاعة، ينزل الحاكم من فوق عرشه، تتوقف الآلات عن العزف، والمؤخرات عن الاهتزاز، والحناجر عن الغناء، توقف كل شيء، ولم يتبقى من هذا المشهد سوى نظرات يرميها الرئيس، هنا وهناك، يختار من بين الحضور من ستكون رفيقته فوق سرير عشقه، ذيل الحاكم يتحرك مع تقدم خطواته نحو منتصف القاعة، والراقصات يتحركن وفي صمت كبير حركات جنسية فجة، والحاكم يمر من بينهن سعيداً منتشياً، بيديه ينغز إحداهن فتضحك بفجور، وبعينه يضرب إحداهن بغمزه عاشقة فتذوب فيه عشقاً، استمر سير الحاكم المقدس بين عاشقاته، إلى أن وقع نظره على إحداهن، والتي كانت جميلة حقاً، وكانت بدلتها تشف أكثر ما تخبئ من جسدها الطري الجميل، أشار إليها الرئيس بإبهامه، فخرت له من الساجدين فتشلحت بدلتها عن مؤخرة رجراجه وطرية، أمرها الحاكم بالقيام، ووضعها بين ذراعيه، وقال:
- ها ماذا لدينا اليوم من فتاوى؟!
اعتدل من كان بين ذراعيه وعدل من عمامته، واعتدل الحضور جميعهم أيضاً، فعدل هذا صليبه الكبير على صدره، وقام آخر بتعديل طاقيته فوق رأسه، وقالوا جميعاً وفي حس واحد:
- نحن طوع يمينك.. وأنت طوع يميننا.. من رحمتك نستمر.. وبرحمتنا تعيش."
كان من المفترض، وفي ختام مقالاتي عن التابوهات الثلاثة، أن أتحدث عن علاقة الدين بالحاكم تاريخياً، منذ الحضارة الفرعونية وعبادة (آمون) إلى أيامنا تلك، مروراً بالعصور الوسطى والمظلمة في أوروبا، إلى دولة الخلافة الإسلامية، انتهاء بما نعانيه الآن، ولكن وبعد تفكير وجدت أن الكتابة عن كل هذا لن يكفيه مقال، وقد يحتاج إلى بحث وتمحيص وربما يخرجني عن الموضوع الأساسي للمقال، لذلك قررت الابتعاد عن التاريخ والاكتفاء بالمرور مرور الكرام على بعض مقتطفات فقط، وربطها بالواقع، الذي لم يختلف كثيراً عن التاريخ، لأننا وإلى الآن مازلنا نعيش في العصر (الآموني) ومازالوا (كهنة آمون) يعملون وبكفاءة مطلقة.
فترات تاريخية من التابوهات.
وفي مصر لم يكن (الكهنة) بتلك القوة، ولم يكن الجسد التابوهي بتلك القوة المفزعة، في الفترة الليبرالية المصرية أي بعد ثورة 19 وحتى قيام "جمال عبدالناصر" بانقلابه العسكري، ولم يكن الجسد قابل للتكوين وذلك لأن الملك لا يحتاج لمن يثبت عرشه، والملك لا يحتاج لمن يقنع الشعب أن يجدد لمدة، أو مدتين، أو حتى عشر، هو ملك، ويكفيه ذلك ليثبت عرشه، لذلك فالعصر الملكي الليبرالي كان بلا تابوهات تقريباً، وكان الملك وأمه تنتقد تحركاتهم الصحف، وفي بعض الأحيان تسبهم، هكذا كانت الفترة الملكية الليبرالية، والتي رغم فساد حاشية الملك كانت أكثر فترات الحرية التي عاشها الوطن، ولكن دائماً الزمان لا يقف عند عصر بعينه ليدور بعدها مع عصر جديد، ونظام جديد، سمي جمهوري وهو في الأصل عسكري.
زعماء كانوا تابوهات..
ناصر خالق التابو الأعظم.
جمال عبدالناصر، أحد قادة انقلاب يوليو، والذي سطا هو ورفاقه على الحكم الذي كان محصناً من قبل بالنظام الملكي، حيث أن الملُك لا يزول، لذلك عندما حصل ناصر على الحكم لم يكن له سنداً للملكية ليحكم بها، ولكن نظراً لطبيعة شخص ناصر نفسه، ونظراً لما كان يعانيه شريحة كبيرة من الشعب من جهل وفقر، جعلا ناصر بشخصيته والكاريزما ألإلهيه التي خلق بها، وبمساعدة ما ذكرته من فقر، وجهل، جعلا لناصر سنداً للملكية، استغله هو بتوزيع فتات من غنائم ثورته على هؤلاء الفقراء من جهة، ومن جهة أخرى قام بكتم أصوات المثقفين، واعتقل منهم آخرين، وقام بحل الأحزاب جميعها بمباركة (التيار الديني) الذي خرج في مظاهرات تندد بالديمقراطية!!، ولم يجد ذلك الشعب (الفقير.. الجاهل) أمامه غير (ناصر) الذي قام الإعلام الناصري بتعظيم صورته حتى عظمت وتألهت، وأصبح ناصر آله لا يشاركه أحداً في حكمه، ليصبح ناصر بقوته فقط التابو الأعظم، الذي انقلب كما هي العادة على التيار الديني (جماعة الإخوان المسلمون) وانقلبوا عليه، وحاولوا اغتياله جسدياً في المنشية، ليغتالهم هو معنوياً عن طريق حّل جماعتهم، ومن بعدها قام ناصر بالقبض على المئات منهم وإعدام بعضهم، ليستمر ناصراً بعدها كتابو أعظم، بل وإله أكبر وجد له الكثير من العباد الصالحين، وأصبح اسمه هو المتمم للثورة، ولمصر في بعض الأحيان.
السادات من الإيمان إلى التكفير والقتل.
محمد أنور السادات، جاء هذا الرجل الريفي إلى رأس السلطة بعد رحيل ناصر، والذي كان من قبله آله لا يشاركه أحد في حكمه، والسادات يريد أن يكون له من ذلك النصيب الإلهي، خاصة أن لديه دولة محتلة من العدو (إسرائيل) من جهة، ومن جهة أخرى كانت الناصرية في أوج نموها، وكان البترول قد بدأ في الظهور بدول الخليج، وبدأ النزوح المصري لدول الخليج، وبدأ المد الوهابي في الظهور تدريجياً في مصر، والسادات مازال عفريت الناصر يخرج له حتى في نومه، لذلك قام الرجل بالاتفاق مع ذلك التيار المتشدد الجديد، لعدة أهداف كان أولها وبالفعل محو أطلال عرش ناصر من عقول الفقراء، والهدف الثاني والأهم هو تغييب عقول المصريين لبناء (جمهورية.. ملكية.. عسكرية) يحلم فيها السادات أن يكون الرئيس الفرعون، أو الرئيس الملك، أو الرئيس المؤمن، لذلك تحالف السادات مع تيار ديني متشدد، وأطلقهم في الجامعات، والمسارح، والشوارع يعبثون كما يريدون، وفي تلك الفترة بدأ ترزية القانون في صناعة دستور يجعل من السادات (فرعوناً) فكانت المادة الثانية التي أضاف مبادئ الشريعة الإسلامية كمصدر رئيسي للتشريع التأكيد عندما أصبحت (الإسلام دين الدولة، واللغة العربية لغتها الرسمية، ومبادئ الشريعة الإسلامية المصدر الرئيسي للتشريع. (، ووضع أمام تلك المادة مجموعة من المواد التي جعلت منه فرعوناً لا يقهر أبداً، وجعلته هو الرب، وهو الإله الضامن لكل شيء بالدولة، وكانت المكافأة الكبرى التي كانت هي المقابل من الرئيس (المؤمن) للتيار (المؤمن) الذي يؤمن بالخلافة ويعتبرها فرضاً من الفروض، وفي الخلافة لا يحق للرئيس أن يترك ملكه، لذلك أعطت المادة 77 للرئيس (الخليفة) هذا الحق الأبدي في السلطة، والذي نصت عليه كما يلي..
(مدة الرئاسة ست سنوات ميلادية تبدأ من تاريخ إعلان نتيجة الاستفتاء، ويجوز إعادة انتخاب رئيس الجمهورية لمدد أخرى).
وهكذا تمت الصفقة، بين الرئيس (المؤمن) والتيار (المؤمن) وانتظر هذا التيار من فرعونة أن ينفذ باقي عقود اتفاقهم، ولكن (السادات) ولكونه فرعون، وأضف على فرعنته تلك انتصاره الكبير على (إسرائيل) فجعلت منه كل هذه العوامل زعيماً شعبياً، معه الشعب المنتصر، ومعه الدستور الدائم، إذاً.. لماذا يتمم الرئيس تحالفه؟!
الرئيس (المؤمن) وبعد معاهدة (كامب دافيد) انقلب السحر على ساحره، وتحول الرئيس (المؤمن) إلى عدو للإسلام وللمسلمين، وأصبح هو العدو للدول العربية المحيطة (المؤمنة) وللحلفاء (المؤمنين) بالداخل، لذلك صدر القرار (المؤمن) باغتيال السادات، وتخلص الإسلام على حد ظنهم من فرعون (خلقوه) بأيديهم فانقلب عليهم.
مبارك الأب ومبارك الابن.
مبارك الأب مرحلة أولى من الحكم.
محمد حسني مبارك، ذلك الرئيس النائب، الذي ركب للسلطة بعد اغتيال السادات، وأصبح رئيساً خلفه رئيسان، وأمامه مستقبل يريد أن يبنيه، ناصر وضع له أساسيات الحكم الفردي الديكتاتوري، والسادات رسخ وأكد هذا الحكم عن طريق دستور 71 كما ذكرت سابقاً، وبين هذا وذاك تيار ديني تعمق، وكبر، وتوغل بشكل قد يزحزح عرشه قبل أن يبدأ، لذلك بدأ مبارك سريعاً بحملة اعتقالات على رموز التيار الإسلامي بكافة حركاته، وبدا للجميع أن عصر مبارك سيكون هو العصر الأسوأ للتيار الديني في مصر، وبدا للناظرين حكم جديد على وطن لا يهتم كثيراً بحاكمه، ولا يهتم إلا بتأليه، ومحاباته في صحف وإعلام ورجال دين ضمن مبارك ولائهم، وبدأ مبارك في بناء شخصيته كرئيس فأقام علاقات جيدة مع الكثير من الدول التي فارقتنا بعد معاهدة السلام، وبدأ في إنشاء عدة مشاريع قومية كبرى، وكانت فرصته الكبرى التي جعلت منه زعيماً أمام شعب يهوى الزعامة هي "طابا" التي عادت بعد شوطاً كبيراً من المباحثات، انتهى بقبول إسرائيلي للتحكيم، وبحكم تاريخي في في 30 سبتمبر 1988 م ،أعلنت هيئة التحكيم الدولية في الجلسة التي عقدت في برلمان جنيف حكمها في قضية طابا، والتي حكمت بالإجماع أن طابا أرض مصرية، وهكذا توج مبارك كزعيم عندما رفع علم مصر على أرض سيناء، وأصبح بذلك (زعيماً) كما أراده رجال الإعلام، وكما أراده صناع التابوهات، والذين بدئوا من وقتها في خلق ما يسمى بمصر مبارك.
مبارك الابن مرحلة ثانية من الحكم.
أب كبر وهرم، وابن أراد أن يرث، وأم تريد أن تكون زوجة الرئيس السابق، وأماً للرئيس الحالي، هكذا فكرت، وقررت، وبدأت هي وأسرتها في مخطط كبير لتمكين الابن من حكم والده، بدأ هذا التمكين من خلال مؤسسة إعلامية ضخمة بدأت تتحدث تحركات (السيد) جمال مبارك، وزيارات (السيد) جمال مبارك، وجمعية جيل المستقبل التابعة (للسيد) جمال مبارك، هكذا بدأ من جهته السرطان الإعلامي عمله الدءوب، ومن جهة أخرى بدأ النظام في التحالف مع (التيار الديني) وبدأ التحالف الخفي بين نظام ديكتاتور يريد أن يورث حكمه لطاغية جديد، وبين تيار جزءاً منه (إصلاحي) لا يهوى الثورة، ويرى مصالحه في التحالف مع الأنظمة، وهذا هو الجزء العريض من التيار وهو جماعة الإخوان المسلمون، وجزء آخر لا يهوى السياسة، بل يحرمها ويكفرها، وهذا ما كان يحتاجه النظام في ذلك الوقت، وهذا ما فعله التابو الديني الجديد، الذي سيكون في السطور التالية حكايته من طقطق حتى السلام عليكم.
الحكاية تبدأ دائماً من الرأس، رأس السلطة وهو (النظام) هنا، والنظام كان يحتاج إلى عدة أشياء لتوريث الحكم للابن، وكان يعتمد من جهة، على تجهيل الناس الذي فعلته أنظمته التعليمية الفاشلة والذي كان الفشل فيه أمراً مخططاً، وكان المقصود من ذلك هو إخراج أجيال تحفظ المناهج ولا تفهمها، وتردد كالبغباء دون وعي لما تقول، لتخرج تلك الأجيال مسطحة وقابلة لأي تدخل جديد، وهنا يأتي دور التيار الديني وبالتحديد (التيار السلفي) الذي كان كبار علمائه يحركهم جهاز أمن الدولة بالريموت كنترول، وتكون مهمة هؤلاء الكهنة الجدد هو إبعاد المواطن المصري عن السياسة، وعن الحياة الدنيا بأثرها، وإبقاءه فقط في الحياة الآخرة فلا يفكر في من يحكم (فالحكم في النهاية لله)، ولا يفكر في تغيير واقعه لأنه (قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا) وهكذا تحول المواطن المصري في أواخر عصر مبارك إلى شبح يعيش فوق الأرض وعينه لا تنظر إلى للسماء، حيث الحوريات العين، والطعام، والخمر الحلال، والحياة الدائمة بلا شرور، هكذا أصبح المواطن المصري، أو على الأقل شريحة عظيمة منه، وهكذا اطمئن نظام مبارك لنجاح خطته للتوريث خاصة مع تحالفه بجماعة الإخوان المسلمون، والتي كان يعطي لها فتاته التي تقبلها بنفس مطمئنة، وكانت وفي كل تحركاتها تسير عكس سير المعارضة المصرية، حتى يرضى عنها النظام.
عودة لعبادة التابو.
كما ذكرت عبر مقالين سابقين، أن التابو هو ذلك الجسد المقدس المكون من رأس، وجسد، وذيل، والرأس قلنا هي السلطة، والجسد هو الجنس، والذيل هو الدين، وفي عبادة الدين هنا استطاع (كهنة آمون) الجدد تحويل الناس من عبادة (الله) الخالق، إلى عبادة الأديان المرسلة فأصبح المسلم يعبد (الإسلام) والمسيحي لا يعبد إلا (المسيحية) واليهودي كذلك لا يعبد إلا دينه، وأصبحت تلك الأديان أصنام جديدة عدنا بها إلى الجاهلية الأولى، ولك أن تسأل نفسك لما يصر دائماً المتدينين أن يظهروا تدينهم؟!، بل ويبالغون في ذلك بافترائهم على الله بأشياء لم ينزل بها من سلطان؟!، وأصبحت اللحى، والنقاب، والجلاليب القصيرة، والصلبان الكبيرة التي تزين الصدور، هي أهم قرابين معبودهم الجديد، واستطاع الكهنة من إخراج الناس من شريعة الله ليدخلوهم في شرائع الحاكم الذي استفاد بتشتت وتعصب الشعب المحكوم، وأصبح موضوع (الفتنة) الطائفية النائمة ركيزة أساسية من ركائز هذا الحكم، وتحولت تلك (الفتنة) النائمة غطاء لشرعية غير موجودة بالفعل، شرعية لم تحتمل نزول مجموعة من الشباب إلى الميدان للمطالبة برحيلها، شرعية أوجدها ذلك الجسد الخرافي التابوهي وتزحزحت بإزاحة رأسها قليلاً، ولكنها ستعود وربما بقوة أكبر مع وجود رأس جديد محملاً من الأساس بالجسد والذيل.



https://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن