المرأة والتحديث

هالة مصطفى

2002 / 9 / 24

 

*- رئيس وحدة النظم السياسية
بمركز الدراسات السياسية والاستراتيجية بالأهرام
- رئيس تحرير مجلة الديمقراطية - مصر

موضوع (المرأة والتحديث) يكتسب أهمية كبيرة ومضاعفة  لكونه يجمع بين قضيتين شكلتا – وما تزالان  تشكلان ـ جوهر مشروع  النهضة المصرية والعربية والإسلامية الذي كانت أولى انطلاقاته في أواخر القرن الـ18. فقد سجلت هذه اللحظة التاريخية ـ من ناحية ـ بداية التفاعل الخلاق مع الحضارة الغربية الحديثة من خلال التجربة الرائدة لحكم محمد علي في مصر وبداية تشكيل الفكر العربي الحديث .

كما بدأت تتكون - من ناحية أخرى - نخبة وطنية مصرية منفتحة على العالم وثقافته المعاصرة، مع انتشار التعليم واتساع قاعدة الطبقة المتوسطة، والأخذ بأسباب العلم والمعرفة الحديثة، وهو ما انعكس في حركات الإصلاح الديني والتنوير الثقافي، وترسيخ مفاهيم المواطنة والمساواة والحريات العامة والفردية، ونمو الوعي بقضية تحرير المرأة والديمقراطية فضلا عن وضع أول دستور  ليبرالي في البلاد وقيام أول تجربة حزبية تعددية في بدايات القرن العشرين. 

لقد كانت هذه الإنجازات جزءا  لا يتجزأ من المشروع الفكري الإصلاحي لتحديث الدولة والمجتمع معا. وبالتالي فمن الصعب  معالجة أي قضية من هذه القضايا بمعزل عن القضايا الأخرى..  فالنهوض بقضية المرأة سيظل مرتبطا بالنهوض بمشروع التحديث ككل.

في هذا الإطار أود أن أبدأ بالإشارة إلى أن التحديث في أوسع   معانية يقوم على التفرقة بين التقليدية والحداثة، وإذا استندنا هنا إلى إسهامات عالم الاجتماع المعروف ماكس فيبر، فإن التقليدية هي حالة سابقه على مرحلة الدولة القومية وعلى مرحلة العقلانية الثقافية، والتصنيع والديمقراطية.. والدستورية القانونية.

وهذا يعني باختصار أن التحديث ينطوي على عمليات تغيير   مستمرة، تتطلب نضالا طويلا شاقا في أغلب الأحيان، مثلما يعني شموله لعدّة مستويات دستورية وقانونية، ومؤسسية تتعلق بتحديث الأبنية والمؤسسات، وأخرى اقتصادية - اجتماعية، وكذلك مستويات ثقافية تتعلق بنظام القيم وطبيعة الثقافة السائدة، وربما يكون المستوى الأخير هو أصعب هذه المستويات لكونه يتم ببطء ويواجه في كثير من الأحيان بمقاومة بسبب بعض العادات والتقاليد التي  لا تستطيع التكيف مع المتطلبات المعاصرة.

ويقودني ذلك إلى طرح عدد من القضايا المتعلقة بمسار مشروع التحديث وفي القلب منه قضايا المرأة والديمقراطية والأبعاد  الثقافية التي ترتبط بها.

أولى  هذه القضايا : تتعلق بتراجع المدرسة الفكرية الإصلاحية التي شكلت القاعدة الأساسية للتحديث في بدايات القرن العشرين، وكان رائدها ورمزها الأول رفاعه الطهطاوي، ثم امتدت في الرموز الفكرية الشامخة كطه حسين ومحمد حسين هيكل، وحسين مؤنس وأحمد  لطفي السيد وعلي عبد الرازق وتوفيق الحكيم ونجيب محفوظ وغيرهم..

وتمثلت أهم أسباب هذا التراجع في نمو تيارات فكرية حملت مشاريع مغايرة، وهي تيارات اصطفت من أقصى اليمين (مثل  التيارات السلفية أو الأصولية) إلى أقصى اليسار، والتي خلط  بعضها بين "التحديث" و"التغريب" كمنطلق للهجوم على المشروع  التحديثي الإصلاحي، أو تلك التي أعطت أولوية لمواجهة التحديات  الخارجية على حساب البناء الداخلي. فافتقدت نقطة التوازن الصحيحة بين الداخل والخارج. وبالتالي فمن المهم اليوم إعادة الاعتبار لمفهوم التحديث أو بالأحرى المدرسة الفكرية للتحديث لأنها ترتبط ارتباطا  وثيقا  بعمليات الإصلاح والتنمية التي ينهض عليها أي مجتمع.

ثاني القضايا : طبيعة الدور الذي تلعبه النخبة الفكرية والثقافية في المجتمع وطبيعة الثقافة التي تعبر عنها ويتشكل على أساسها دورها وتوجهاتها والأولويات التي تنحاز إليها.. فالتحديث والنهوض بقضايا المرأة ودفع الديمقراطية وتطوير التعليم وقضايا الإصلاح بشكل عام كانت كلها جزءا لا يتجزأ من المنظومة الفكرية  ومن المشروع الفكري التحديثي للنخبة المصرية.. فهل مازالت تلك النخبة تلعب نفس الدور وتمتلك مشروعا فكريا متكاملا للعبور إلى  المستقبل؟

ثالث القضايا: يتعلق بالمسألة الثقافية وبالتحديد بمسألة  توافر "توافق عام" في المجتمع حول المفاهيم والقواعد الأساسية التي تحكم التجربة السياسية والاجتماعية برمتها.. أقول توافقا عاما  وليس إجماعا  ولا أخلط بينهما.. توافق بمعنى تراض بين مختلف تيارات وفئات المجتمع حول القيم الأساسية التي تضمن التعايش بينها مثلما تضمن دفع قضايا النهضة والتحديث والتقدم  إلى الأمام. فهل هناك بالفعل توافق عام ؟

إن هذا التوافق يغيب عنا في بعض الأحيان، وينقسم في أحيان  كثيرة إزاء عديد من القضايا الحيوية والهامة. إنها قضية قديمة  وجديدة معا،وربما يعود عمرها إلى عمر المشروع التحديثى نفسه، أي منذ بدأت تتشكل ثقافة جديدة متفاعلة ومستفيدة مع الثقافة  العصرية الحديثة، في حين ظلت الثقافة التقليدية الموروثة دون تجديد، وجوهر المشكلة أن الثقافتين سارتا في خطين متوازيين، وهذا التوازي خلق بدوره نمطين مختلفين في طرق التفكير وفي  السلوك والتعامل مع القضايا المختلفة.. وهكذا أخذ يتغلب الاتجاه التحديثي أحيانا وفي لحظات أخرى يتغلب الاتجاه التقليدي المحافظ الذي يتحول في لحظات معينة إلى نوع من الأصولية الفكرية. وهي ظاهرة برزت بشدة منذ أواخر الستينيات وبالتحديد بعد 1967. إن غياب أو ضعف التوافق العام يؤدي إلى عدد من المظاهر الثقافية السلبية لعل في مقدمتها الجمود الثقافي.

وأهم مظاهره الاستغراق في قضايا الماضي.. فكثير من القضايا المهمة والحيوية لم يتم التوافق عليها (مثل أسلوب ومضمون تطوير التعليم، وضع المرأة، تطوير الخطاب الديني ، فضلا عن قضايا الديمقراطية ذاتها).. وليست مصادفة أن تكون تلك القضايا التي طرحت في أوائل القرن الماضي، هي ذاتها القضايا المطروحة علينا اليوم !

 وكذلك يؤدي غياب التوافق العام إلى استفحال الازدواجية الثقافية والتي تندرج تحت إطار ما يسمى بإشكالية العلاقة بين "الأصالة والمعاصرة" فوضع هذه الإشكالية على هذا النحو لم يساهم في التجديد الفعلي للثقافة العربية بقدر ما يؤدى في أحيان كثيرة إلى إعادة إنتاج القديم، والقديم الذي أعنيه هنا  هو ذلك النوع من الثقافة التي مازالت تنظر إلى قيم مثل الحرية والديمقراطية والعقلانية وحقوق المرأة كأنها غريبة عن التراث أو أنها مجرد منتج للثقافة الغربية ينبغي التشكيك فيه أو الحذر منه، ومازالت تكرس في النهاية كما يشير المفكر العربي المعروف عابد الجابري نمطا من الثقافة "الأبوية" التي لا تتفق مع روح  المساواة.

إن كل ذلك يعني أن الدفع في اتجاه التحديث والنهوض بقضايا  المرأة يتطلب نوعا من المراجعة في الإطار المعرفي والثقافي الذي ننطلق منه. إننا في حاجة إلى تجديد الثقافة، وفي حاجة أيضا إلى إعادة قراءة التراث وتقديمه بفكر مفتوح وعقلية معاصرة، في الاتجاه الذي يغلب العقل والمصلحة على النقل.

في هذا السياق أود التركيز بشكل أساسي على علاقة المرأة بالتحديث والتي أعتقد أن لها جانبين متمايزين :

الجانب الأول: هو المرأة كهدف للتحديث، أو كموضوع للتحديث، فإحدى العلامات الأساسية لتحديث المجتمع هي وضع المرأة فيه، ولا يمكن الحديث عن مجتمع حديث أو عصري، بمعزل عن تحديث وضع المرأة فيه  ولا يمكن أن نتحدث عن ذلك المجتمع، ما لم تتمتع فيه المرأة بمكانتها الاجتماعية والسياسية والثقافية  والاقتصادية، وتتحقق فيه مكانتها الإنسانية الكريمة الكاملة. ولن يتأتى ذلك إلا بتوجيه عناية خاصة للمرأة في جهود التنمية من حيث التعليم وتوفير سبل الرعاية الاجتماعية ودعم مشاركتها  في المجتمع على كافة المستويات. وفي هذا السياق، يهمني أن  أركز بالذات على تحقيق المشاركة السياسية للمرأة كعلامة فارقة في تحديث النظام السياسي.

فالمشاركة السياسية للمرأة لها بعدان أساسيان : الأول، يتعلق بالإطار الدستوري والقانوني، والثاني يتعلق بالمناخ السياسي  والبعد الثقافي والاجتماعي.

إن الحقوق الدستورية والقانونية أقرت تاريخيا في إطار التقدم الهائل الذي حدث منذ عصر النهضة الأوروبية وقيام الثورة  الفرنسية ثم في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان عام  1948 الذي وقعت عليه أغلب الدول بعد انقضاء الحرب العالمية  الثانية، والذي أعاد صياغة الحقوق والحريات الفردية على مستوى العالم كله.

وهنا أود الإشارة إلى أن إقرار هذه الحقوق والحريات (خاصة بالنسبة للمرأة) لم يأت دفعة واحدة، فحق التصويت مثلا لم يكن حتى أربعة أو خمسة عقود ماضية على الشكل الذي هو عليه الآن، أي منذ الحرب العالمية الأولى والثانية،، فحتى ذلك الوقت كانت  المرأة مستبعدة من "حق التصويت". 

ولقد نص الدستور المصري في مادته 40 على أن المواطنين "لدى القانون سواء، وهم متساوون في الحقوق والواجبات العامة، لا تمييز بينهم في ذلك بسبب الجنس أو الأصل أو اللغة أو العقيدة".ويعني ذلك أنه من أكثر الدساتير تقدما في هذا المجال.

ويعد دستور 1956 أول الدساتير المصرية التي نصت على حق المرأة في الترشيح والانتخاب، كما أن الشروط التي وضعها قانون مباشرة الحقوق السياسية رقم 73 لسنة 56 لا تتعلق بجنسها كامرأة وإنما بها كمواطنة، فأعطى الحق في الترشيح لكل امرأة للبرلمان مادامت تتمتع بالجنسية المصرية، ومقيدة في جداول الانتخاب، وتبلغ من العمر 30 عاما، وتجيد القراءة والكتابة. ونفس الشيء بالنسبة لشروط الانتخاب أي (أن تكون - مصرية، تبلغ من العمر 18 عاما، ولا تكون من الموقوفات عن مباشرة الحقوق السياسية).

ولكن بالنسبة للتمثيل الفعلي للمرأة المصرية، فقد تفاوتت النسبة بين برلمان و خر، ففي برلمان 1957 كانت هناك 3 سيدات، وفي برلمان 1984 بلغ عددهن 36 سيدة، وفي برلمان 1987 كانت هناك 19 سيدة، وفي برلمان 1995 هبط العدد إلى 9 سيدات، وفي برلمان 2000 بلغ العدد 11 سيدة من إجمالي 454 مقعدا، وهذه الفجوة تأتي في الغالب بحكم الأوضاع الثقافية والاجتماعية التي لا تكون في الغالب لصالح المرأة.

ولست في حاجة إلى القول، بأن تلك النسبة للمشاركة السياسية للمرأة - وكما نستدل عليها من الترشيح لعضوية البرلمان- تظل نسبة متواضعة، لا ترقى إلى مستوى الحقوق التي يقررها الدستور والقانون للمرأة، ولا تستجيب لطموحاتنا و مالنا.

أما الجانب الثاني، فهو الدور الذي يمكن أن تلعبه المرأة في عملية التحديث، أي المرأة "كفاعل" للتحديث وكقوة للتغيير.

ونستطيع التأكيد على أن التنمية الحقيقية والتحديث والديمقراطية لن تتحقق كلها إلا بمشاركة المرأة التي تشكل 50% من المجتمع. وهو ما يتطلب رفع نسبة تمثيلها ومشاركتها في عملية التغيير على مختلف المستويات التشريعية والحزبية والتنفيذية، وفي مؤسسات المجتمع المدني بحيث تشارك في عملية صنع السياسات وفي توجيه سبل التنشئة في المجتمع وفي غيرها من المجالات التي تتحقق بها عملية التحديث في النهاية.

وفي هذا السياق قد يكون من الضروري دعم الدور التشريعي للمرأة، والتساؤل الذي يثور أمامنا يتعلق بأسباب ضعف تمثيل المرأة في المجالس النيابية وكيفية تفعيل هذا التمثيل، كما يطرح ذلك أيضا البحث عن أنسب النظم الانتخابية التي تتيح للمرأة فرصة التمثيل الملائم في المجالس النيابية. هل هو نظام القائمة، أم الفردي أم نظام الحصص ؟.

إن دعم المؤسسات وتفعيلها يرتبط ارتباطا وثيقا بعملية التحديث، بل أن مفهوم "المؤسسية" في ذاته يقع في قلب مفهوم التحديث. ولا يمكن تصور تفعيل المؤسسات دون دفع وتطوير كافة صور المشاركة السياسية والاجتماعية والثقافية التي تضمن تمثيلا مناسبا لكافة فئات المجتمع وفى مقدمتها المرأة.

وبنفس المنطق،، هناك مسؤولية كبيرة تقع على عاتق الأحزاب السياسية، والسؤال هو: إلى أي مدى تتبنى الأحزاب قضايا مشاركة المرأة سواء داخل الحزب خاصة في المناصب القيادية فيه أو خارج الحزب من خلال ترشيحه لها على قوائمه الانتخابية.

إن الأحزاب السياسية بحكم التعريف هي إحدى أهم قنوات التحديث السياسي سواء على مستوى الثقافة السياسية أو على المستوى الاجتماعي لافتراض تمثيلها القاعدة العريضة من مختلف فئات المجتمع، وتطور الأحزاب وازدهارها هي أهم ضمانات الحيوية السياسية والفاعلية الديمقراطية. ولكن إسهام المرأة المصرية في العمل الحزبي ما يزال للأسف قاصرا. وعلينا أن ندعوها، وندعو الأحزاب السياسية جميعها إلى تفعيل الدور الحزبي للمرأة.

وربما يشجعنا على ذلك أن المرأة تلعب بالفعل دورا مهما، جديرا بالثناء على مستوى العمل الأهلي، والجمعيات التطوعية، أو ما نسميه "المجتمع المدني". وسجل المرأة المصرية في هذا المجال مشرف منذ بدايات القرن العشرين.

وأخيرا فإن وضع المرأة كقوة للتغيير والتحديث إنما يتعلق بوضعها في المجتمع بشكل عام وفي الحياة السياسية والعامة بشكل خاص، وبمدى تأثيرها فيهما من خلال المواقع المختلفة التي تحتلها.

 

افكار أيلول/سبتمبر 2002



https://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن