-ذاكرة الجسد- و-فوضى الحواس- تاريخ الجزائر

ختام نعامنة

2002 / 9 / 21

"ذاكرة الجسد" و"فوضى الحواس" تاريخ الجزائر

ختام نعامنة 

ليس الثراء اللغوي وحده الذي يدفعك دفعا لقراءة روايتي الكاتبة الجزائرية احلام مستغانمي، "ذاكرة الجسد" و"فوضى الحواس"، بل هي الصورة الحية التي تنقلها عن واقع جزائر ما بعد الثورة. في هذا السرد الجميل، والكئيب، يمكنك ان تستشف جذور انتفاضة الشعب الجزائري اليوم ضد البطالة والفقر.
"ذاكرة الجسد" (404 صفحات) هي الرواية الاولى للكاتبة وقد صدرت في تموز 1988 في باريس، وبالامكان اعتبار الرواية الثانية "فوضى الحواس" (375 صفحة) التي انتهت كتابتها في 19 كانون اول (ديسمبر) عام 1997 الجزء الثاني من الرواية. لاقى العملان الادبيان رواجا كبيرا في العالم العربي، وحظيت الكاتبة مستغانمي بشهرة محلية وعالمية وتشجيع كبير من عدة كتاب وشعراء عرب بينهم الكاتب والشاعر الراحل نزار قباني الذي سطر ظهر "ذاكرة الجسد" بكلمات جاء فيها: "هذه الرواية لا تختصر ذاكرة الجسد فحسب، ولكنها تختصر تاريخ الوجع الجزائري، الحزن الجزائري، والجاهلية الجزائرية التي آن لها ان تنتهي". وتهدي الكاتبة روايتيها الى والدها متمنيةً ان يقرأهما باللغة العربية التي لا يجيدها بسبب وجوده في فرنسا، الامر الذي يشير الى انها في الانفصام الثقافي بين العربية والفرنسية الذي يعاني منه المثقف الجزائري، تقف هي موقف العربية.
"ذاكرة الجسد" هي حكاية ثورة الجزائر وانتصار الجزائر وانهزام الجزائر. تروى الحكاية باسلوب "فلاش باك" ذكي الى حد كبير، فهو لا يبقيك في الماضي بل يدخلك اليه مرارا ثم يهوي بك الى الواقع العصيب. بطلها خالد، رجل في الخمسين، يحمل على جسده ذاكرة الثورة، فقد بُترت يده اليسرى اثناء المواجهات المسلحة في الثورة ضد المستعمرين الفرنسيين. خالد الذي يعتبر في القصة رمز الثورة والتاريخ الباسل، يعيش مهموما في مرسمه في باريس، بعد ان رفض الوظيفة التي اقترحها عليه النظام الجزائري الذي تسلم السلطة بعد دحر الاستعمار. خالد هو بين القلائل الذين رفضوا بيع ضمائرهم، بينما افسد النظام الجديد ضمائر الباقين من خلال تعيينهم واقاربهم غير الاكفاء في المناصب المرموقة فقط لضمان السلطة.
شقيق خالد هو الآخر رمز لحالة الضياع الذي يعيش فيه الشباب الجزائري. فهو مدرس بالكاد يحصل على قوت يومه، ويستميت باحثا عن واسطة تسهل له الانتقال للسكن في المدينة والعمل فيها، وما ان يقترب من تحقيق حلمه البسيط حتى يقتل خطأ بايدي اصوليين، وكأن الرسالة ان الشباب الجزائري لا مستقبل له.
ولا تخلو الحكاية من قصة حب بين الرسام وبين احلام ابنة الطاهر، قائد الوحدة التي كان يحارب فيها، والتي التقاها اول مرة عندما كان هو الخامسة والعشرين وهي في الاشهر الاولى من عمرها، ثم يلتقيها مرة اخرى وهي في الخامسة والعشرين في افتتاح معرضه بباريس. في ابنة الطاهر يمكننا ان نرى الجزائر، ابنة الثورة، التي سرعان ما تصبح العوبة بيد عمها سي الشريف، من الجناح الانتهازي في الثورة، والذي يزوّجها بشخصية غنية فاسدة لاهداف سياسية. بهذا الزواج تعود احلام الشابة الى قسنطينة، البلد الجزائرية التي كانت مستعمرة للفرنسيين، والتي يرتبط خالد بها ارتباطا وثيقا لما اصبحت تمثله من انتصار على الاستعمار. تعود احلام لتنتمي الى الطبقة العليا الفاسدة التي تكن لها كل الكره والاحتقار، ولكنها لا تملك سوى الانجرار وراء التقاليد.
ولا تنتهي القصة عند هذا الحد بل نقابل احلام في "فوضى الحواس" وقد وقعت في غرام شاب لا تعرف شيئا عنه حتى اسمه. تعطشها الكبير للحب، هو الذي يجعلها تفتش دائما عن هذا الشاب الذي يحبها هو ايضا ولكنه بحكم كونه صحافيا لا يستطيع ان يكشف لها هويته الحقيقية.  الصدفة وحدها تساعدها في التعرف عليه، وذلك عندما تتصفح الجريدة التي حملت نبأ رجوع محمد بوضياف للجزائر بعد ان تركها بعد الثورة كغيره الكثيرين من الشرفاء الذين لم يستطيعوا المشاركة في الفساد. في الصورة تكتشفه يسير وراء هذا الشخص فتعرف من هو.
"فوضى الحواس" هي قصة معاناة الشعب الجزائري ليس فقط من الحكومة الفاسدة، انما ايضا من الاصوليين الذين يحاربون الشعب البسيط ويمنعوه من حرية التعبير. تتجلى هذه المأساة في وضع الصحافيين الذين يقضون معظم ايامهم في خوف بسبب تهديد الاصوليين لارواحهم. ويدفع هذا الوضع الكثير من الصحافيين الشرفاء للعيش في ظروف العمل السري، كالسكن في بيوت ليست لهم، وتغيير مظهرهم الخارجي باستمرار، وتوقيع مقالاتهم باسماء مستعارة، وعدم التواجد باستمرار في نفس الاماكن كل هذا للمحافظة على حياتهم. وتتخلل الرواية اكثر من حادثة يقتل فيها صحافيون بايدي الاصوليين دون ان تحرك الحكومة ساكنا.
رغم الاحداث الموجعة حقا، الا ان اسلوب السرد الذي تتميز به مستغانمي، وهو اشبه بالشعر المنثور، لا يدع لك مجالا للانسحاب. نلاحظ ايضا الشجاعة والحرية في التعبير عندما تشرح الكاتبة في "فوضى الحواس" الفرق بين ممارسة الجنس والقبلة.
ليس الادب وحده الذي تتلقاه في هاتين الروايتين الفذتين، بل وثيقة ادبية عن تاريخ الجزائر وعن الحب الذي يبقي المجال دائما مفتوحا لبداية جديدة.
احلام مستغانمي تعتبر اول كاتبة جزائرية على الاطلاق تحقق كتابتها شهرة واسعة في العالم العربي، فلقد حطمت كتبها ارقاما قياسية من حيث المبيعات، اذ تم طبع "ذاكرة الجسد" للمرة العاشرة و"فوضى الحواس" للمرة السادسة. كما حصلت الكاتبة في عام 1999 على جائزة نجيب محفوظ للادب الروائي من الجامعة الامريكية بالقاهرة، وعلى ميدالية الادب الجزائرية عام 1998، وقيل فيها: "احلام مستغانمي نور يلمع وسط الظلام الكثيف، وكاتبة حطمت المنفى اللغوي الذي دفع اليه الاستعمار الفرنسي مثقفي الجزائر".    
النجاح الذي حققته الروايتان دفع المخرج السينمائي شاب خالد يوسف، تلميذ المخرج المصري يوسف شاهين، للمبادرة لتحويلهما الى فيلم سينمائي سيقوم بانتاجه يوسف شاهين وببطولته نور الشريف.


 الصبّار
 



https://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن