سوريا : معاندة التاريخ وروح العصر

فواز جمعة
fawaz111@amude.com

2002 / 9 / 19

 

بعد ان وافق البرلمان التركي في جلسته المنعقدة في 382002 على بعض قوانين الانسجام مع معايير كوبنهاغن التي اشترطها الاتحاد الأوروبي من أجل قبول عضوية تركيا في الاتحاد الاوروبي ومنها الحقوق الثقافية للشعب الكردي فيها ، تصبح سوريا هي الدولة الوحيدة من الدول الاربع التي تقتسم السيادة على الشعب الكردي ( العراق ، ايران ، تركيا وسوريا ) التي لم تعترف بعد باي حق من حقوقه القومية المشروعة في سوريا ، الذي يعيش ، كأشقائه في الدول الاخرى ، في مناطقه وعلى ارضه التاريخية ، ومحروم حتى الان من ابسط حقوقه القومية والانسانية ، علاوة على عدم اعتراف النظام السوري بوجوده التاريخي وعدم اعترافه باي حق من حقوقه القومية فأنه يمارس عليه ، سياسة التمييز العنصري بكل معانيها : من سياسات التعريب والصهر الى التجريد من حقوق المواطنة على ضآلتها الى تكبيله بالحزام العربي الاستيطاني والقوانين والاجراءات الاستثنائية التمييزية والى تضييق سبل العيش امامه ، مما ادى الى تشريد الالاف من الشباب الكرد الى شتى اصقاع العالم ، والى تزايد اعداد الاكراد في المدن السورية الكبرى الذين يعملون بالمهن والاعمال الهامشية والصعبة وتضخم اعداد " البروليتاريا الرثة " بينهم بالمقارنة مع نسبة اعدادهم الى اعداد سكان سوريا ككل حيث ان نسبة الاكراد العاملين كباعة ارصفة وماسحي احذية وعمال مطاعم وفنادق وبناء تفوق اضعاف اضعاف نسبتهم الى عدد السكان في سوريا . ان هذه السياسات العنصرية الممنهجة ، لقد تم التخطيط لها من قبل حزب البعث الحاكم منذ امد بعيد ، وان قراءة سريعة للواقع المعاش تبين بجلاء ، لا لبس فيه ، ان صورة هذا الواقع هي نفسها التي وردت في المشروع العنصري الذي سمي مشروع محمد طلب هلال ( السئ الصيت ) .
ان النظام التركي الطوراني ، الذي اخذ حزب البعث ، حين تأسيسه ، منه ، البعض من ايديولوجيته القومية ، اقتنع اخيرا بان لا حياة لتركيا في هذا الزمن المعولم ما لم تعترف بالاخر المختلف قوميا ، وما لم تأسس لالغاء الاحتكار القومي الطوراني او على الاقل للتخفيف منه في تركيا ، وان مستقبل تركيا مرهون بهذه الخطوات الانفتاحية قوميا وديمقراطيا ، وقد سبق تركيا الى ذلك النظام الايراني الذي بدأ فعليا بالاعتراف بالحقوق الثقافية لكل القوميات الايرانية( الاكراد والآذريين والعرب وغيرهم) . ان من مصلحة الشعب التركي والايراني الاعتراف بحقوق القوميات الاخرى مثلما هي من مصلحة هذه القوميات ، لان ذلك يمتن الوحدة الوطنية ويعضدها اكثر. ويوقف نزفا هائلا للموارد البشرية والمادية للبلاد ، وان أي استغلال او اضطهاد ، بغض النظر عن طبيعته وحجمه ، يولد اليات خاصة للحكم تكون محكومة على الاغلب بالمنطق القمعي الالغائي الذي سرعان ما يتععم على كل مفاصل الحياة ، فالقومية التي تريد صهر او ازاحة قومية اخرى ، سرعان ما تفتك بنفسها ، كما الحزب الذي يريد احتكار السلطة لنفسه ، حين يقوم بذلك ، يبدأ بعض قادته بالمنطق الاحتكاري ذاته بابعاد البعض الاخر من قيادته وهكذا دواليك.
ان الحقوق المشروعة للشعوب او للقوميات او حتى للافراد ، لابد ان تستحصل ، مهما طال بها الزمن ومهما عمل مغتصبوها من اجل ادامة الاغتصاب وجعله امرا واقعا او حقا مكتسبا ، فدعاة القومية الطورانية التركية بما فيهم بعض الحاكمين في تركيا الان ، لم يخطر ببالهم ابدا منح الاكراد البعض من حقوقهم الثقافية في الفترة التي اعترف علنا "تورغوت اوزال" بالوجود الكردي في تركيا ودعا الى الحوار مع الحزب العمالي الكردستانيpkk في عام 1992 وتمت محاربة " اوزال " من اجل ذلك . كان من الممكن تفادي الكثير من الضحايا لو استطاع القوميون الترك الوصول الى نتيجة اليوم قبل عشر سنوات .
أن سوريا ، ومهما اوتيت من القوة والجبروت ، لن تستطيع ان تعاند التاريخ والعصر معا ، وان تتجاهل الحقيقة الكردية وحقيقة الاستحقاقات المطلوبة من حيث الاعتراف بالحقوق القومية المشروعة للشعب الكردي واسقاط الحالة التمييزية العنصرية الممارسة ضده واعادة الاعتبار والاهلية للمجتمع السوري بمجمله كمجتمع كامل الاهلية وليس بحاجة الى وصاية جلاديه ، ان كل القوى والفاعليات السياسية والثقافية الكردية في سوريا ، تريد التعايش مع الشعب العربي وكل الطيف القومي السوري على اساس الشراكة في الوطن والمساواة في الحقوق والواجبات . فلنستفد من تجاربنا السابقة وتجارب الاخرين . ان الشعب العربي سيكون اقوى واكثر قدرة على تحقيق احلامه القومية المشروعة حين يتخلص من وزر الاضطهاد القومي الذي يمارسه على الاكراد والشعوب الاخرى ، من امازيغ وسودانيين جنوبين وغيرهم ، المتعايشين معه تاريخيا . لم تعد الحدود مغلقة والخيارات محدودة .


* لاجئ كردي سوري في المانيا
 
     
 



https://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن