خواطر وتناظراتحول الانتخابات السويدية و-اخلاقيات الذبابة

خالد صبيح
Khalidsabih@gmail.com

2002 / 9 / 18

خواطر وتناظرات

حول

الانتخابات السويدية و<اخلاقيات الذبابة>

 

 

في السويد، البلد الذي لم يخض اي حرب منذ مايقرب الثلثمائة عام، جرت يوم الاحد 15-9  الانتخابات العامة. وهذا الحدث جد عادي ومالوف للكثيرين ويجري التعامل معه بنوع من اللامبالاة بحكم التعود عليه، فقبيل يوم الانتخابات سألت احدى الصحف بعض المواطنين ان كانوا قد قرروا  لمن سيصوتون، والسويديون اناس جادون ويثقون بديمقراطيتهم وانتخاباتها، فاجاب احد المستفتين بانه لم يقرر بعد والامر سيخضع الى المزاج الذي سيكون عليه حينما يستيقظ في صباح يوم الانتخابات، قد تكون لهذه الواقعة دلالات متعددة ولكن اكيد ان الامر برمته ، الانتخابات وسؤال الاستفتاء الصحفي وجواب المواطن كلها جاءت بطريقة تلقائية، فليست هناك اية ضرورة للبهرجة وافتعال المواقف لان الامر كما ذكرت هوعادي تماما. لكن هذا الامر العادي لم يكن تماما عاديا لشخص مثلي يدلي لاول مرة في حياته بصوته.. لكن مهلا فالامر يتطلب بعض التناظرات طالما نحن بصدد الانتخابات، فقد سبق لي وان ارغمت على الاشتراك في انتخابات في بلدي العراق، نعم العراق! وليس في الامر دعابة، فقد حدث هذا فعلا.. كيف؟ حدث ذلك في انتخابات لاحدى اللجان النقابية في احد معامل مؤسسة الموانئ في البصرة في اواخر السبعينات. حينها جمع جميع العاملون في المعمل وافترشوا الارض وجلس اعضاء اللجنة النقابية المرشحون عند طاولة عريضة يرافقهم في الجلوس المهندس البعثي المسؤول الامني في المعمل،ووضع صندوق وبجانبه عدد كبير من البطاقات الزرقاء< اللون الذي يميز احزاب اليمين في معظم بلدان اوربا> وبجانبها عدد مماثل من البطاقات البيضاء. من يؤيد ترشيح اللجنة، وهي المرشح الوحيد(1 ) سيضع البطاقة الزرقاء بعد ان ينادى على اسمه بالميكرفون وسيفعل ذلك امام الجميع وتحت النظرات المغرورة للمسؤول الامني، ومن لايؤيد سيضع وبنفس الكيفية البطاقة البيضاء الامر الذي لم يفعله سوى شخص واحد لاثبات ، وبطريقة مفضوحة، ان هناك في النهاية من لايؤيد هذا الترشيح وعبر عن رايه بحرية< ستفيد هذه الواقعة المرتزقة الذين يرددون ان النظام الفاشي ومؤسساته منتخبون> . في بداية العملية الانتخابية< المسخرة> حضر وبطريقة استعراضية وبعنجهية ظاهرة ضابط امن المنطقة التي تتبع لها المؤسسة،ورُحب به بالميكرفون وبصفته الرسمية <ضابط امن> وتبادل التحية والعناق مع المسؤؤل الامني للمعمل. هذا تداعي ورد لذهني حينما ادليت بصوتي في انتخابات السويد. كنت مبتهجا واصريت في داخلي على ان اذهب الى مكان الانتخاب لامارس العملية بكل طقوسها،<كانت بسيطة في شكلها وتنظيمها وكبيرة جدا في مدلولاتها > بينما كان بوسعي ان اقوم بالعملية من خلال البريد، وانتابتني رغبة كدت اعبر عنها للموظفين المشرفين على الاجراءات وهي ان اكرر العملية عدة مرات لاشبع جوعا تاريخيا لممارسة كهذه، لكني لم افعل لان طلبي سيكون مضحكا.

هذا التناظر محض شخصي وهي مصادفة شخصية واكيد ان للكثيرين حوادث مشابهة ، والتناظر هذا وللصدفة يستدعي حادثة اخرى مقارنة. مرة اخرى السويد ايضا، في هذا البلد الذي لاتوجد فيه القاب للمواضعات الاجتماعية او الرسمية والدواوينية، فاي شخص لك الحق ان تخاطبه باسمه وبكلمة< انت> دون القاب تبجيلية، مهما كبر شانه حتى وان كان رئيس الوزراء. يذكّر هذا الامر وبشكل يحمل الماساة والمهزلة معا، بغالبية مذيعينا وصحفيينا حينما يلتقون بارباب السلطة، ومعظمنا شاهد مراسل  ال < mbc > في الاردن وكيف يرتجف مرتبكا ومتلعثما ولايستقر في مقعده عندما يلتقي احد ارباب السلطة هناك، لاسيما ماساته الفضائحية حينما اجرى لقاءا مع الملك. ومراسل نفس المحطة في بغداد الذي تتضاعف مصيبته ومصيبة المشاهد ايضاحينما يختنق بلعابه وهو يلتقي احد افراد السلطة من الذين لايساوون فلسا واحدا في سوق الرجال حسب التعبير الساخر والمعبر للكاتب محمود السعدني.. ولاادري هل نضحك ام نبتاس حينما نرى الصحفي العربي يشحن كل طاقاته اللغوية من اجل نحت الالقاب الفخمة وصيغ التخاطب المضخمة المعاني لافراد السلطة وكانه يخاطب الهة وليس بشرا بالكاد تنطبق عليهم هذه الصفة... في المناظرة الاخيرة التي جرت بين قادة جميع الاحزاب البرلمانية السويدية قبل يوم الانتخابات ومن بينهم رئيس الوزراء الذي كان يرفع يده كالتلاميذ  طلبا لحق الكلام او التعقيب وكما يفعل الاخرون، والمذيع الذي يدير المناظرة هو الذي يقرر لمن يعطي حق الكلام،

كانوا يتناظرون بهدوء وبدون اي تشنج او مقاطعة لبعضهم البعض..بعد انتهاء هذه المناظرة وبضربة زر حولت التلفاز الى قناة < mbc>  وهي القناة العربية الوحيدة التي التقطها<ولاادري ان كان ذلك حسن ام سوء حظ> وبضغطة الزر تلك لم انتقل الى قناة تلفزيونية اخرى وحسب بل خلتني قمت بنقلة كبيرة انتقلت فيها من التاريخ الى عوالم مبهمة مشحونة بالسخف والرعب والظلام، إذ كان هناك لقاءا مع المسخ طارق عزيزالذي <ظلمته> مقدمة البرنامج ونحن معه حينما وصفته بانه معروف بالذكاء والحنكة الدبلوماسية، الامر الذي حتى امه نفسها لم تدعه بولدها. واظن ان الكثيرين سيحتجون على هذا الادعاء لان الشخص الذكي وذو الحنكة هو من يفكر وله راي ،< وحاشى> لبرغي بلاقياس<ومولس> كابن< حنا> ان يكون كذلك. والاكثر اضحاكا انه لم تبدر اية ردة فعل من المسخ لهذا الاطراء. لااعرف ان كان يعتبره تحصيل حاصل ام انه هو نفسه لم يصدقه كما الجميع؟! والملفت للنظر، طالما ان الموضوع هو مقارنات بين واقعتين وعالمين  ان مقدمة البرنامج عانت كثيرا لاجل ان تستطيع طرح اي من اسئلتها عليه، مع انه المشارك الوحيد في اللقاء فقد كان يقاطعها ولايعطيها فرصة لتعقب او تسال. ولااعرف ان كانت المقدمة تعرف كما نعرف نحن العراقييون ان ضيفها متعود على طريقتين لاثالث لهما في الحديث، وهما ان يتحدث ناقلا وصايا

< السماء> من القصر الجمهوري الى اتباعه من العاملين المحيطين به وهم يصغون اليه بضجر مكبوت ولتمتد ذات الممارسة الى آخر وادنى حلقة في سلسلة خنق البشر البعثية، او يصغي بانتباه مفتعل <لسيده وقائده المنصور> مظهرا بتعبير وجهه المتجمد اصلا كل اشكال الاستخذاء والطاعة..

 وهكذا حشد في وجهه وصوته كل مايمكن تصوره  من صفاقة وبلادة ووقاحة وتبجح في شرعية < قيادته> فقط لانها تحكم منذ اربع وثلاثون عاما< السبب الاكبر لعدم الشرعية> وانها اكثر شرعية من شرعية الرئيس الامريكي

< وانا لااعتد بالرئيس الامريكي فهو مسخ اخر وان  بطريقة حضارية> نبتلع مراراتنا  ونتسائل: هل هناك لغة قادرة على توصيف هذه السفاهة؟ الا يؤكدهذا الكلام اخلاقيات الذبابة ، في الالحاح والطنين والوقاحة، التي تصبغ لغة وعقل الفاشية في العراق؟

والشئ بالشئ يذكر،فمصائبنا كثيرة وليس آخرها صيحات بعض الكتاب ومن يزاول الكتابة المبتهجة والهاتفة لرؤساء احزاب للمعارضة يقومون بواجبهم في اصلاح ماخربوه هم بايديهم، والذي يستطيعون تخريبه مرة اخرى واخرى،  متاثرين ربما بالمزاج الذي يستيقظون به في الصباح.. ومع هذا تاتيهم بيانات المديح تعبر عن صدور اثلجتها قرارات <قادة الامة التاريخيين> وغيرها من التدبيجات المخجلة والتي تاتي من عصر في طريقه للانقراض ، عصر لغة التمسح والتعبد الاعمى لسياسيين ديدنهم الايذاء والاخطاء وهواجس السلطة والسطوة، ابهكذا لغة وكتاب نتجاوز واقعنا المؤلم ونبني عالما مغايرا  لعالمنا الممسوخ هذا؟

معذرة لاشغالكم بهمومي!

هامش

(1) كان الشيوعيون آنذاك في الجبهة الوطنية وطُلب منهم تقديم قائمتهم الا انهم رغبوا<كذا> في تقديم قائمة مشتركة<جبهوية> الامر الذي رفضه البعثيون. وحينما امتنع اثنان من الشيوعيين عن التصويت  بعدم الحضور حوسبا لان التوجيهات كانت في ان يصوتوا للجنة السلطة.



https://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن