الحداثة المراوغة: تأملات فى مجريات الأمور

السيد نصر الدين السيد
elsayed.abouzeid@gmail.com

2012 / 3 / 3

المشهد الأول: البداية العاصفة
فى ظهيرة يوم السبت الموافق الواحد والعشرين من يوليو لسنة 1798، وفى بر إنبابة، على الضفة الغربية لنيل القاهرة وبينما "خرجت الفقراء وأرباب الأشاير بالطبول والزمور والأعلام والكاسات وهم يضجون ويصيحون ويذكرون بأذكار مختلفة وصعد السيد عمر أفندى نقيب الأشراف إلى القلعة، فأنزل منها بيرقا كبيرا وأسمته العامة البيرق النبوى، فنشره بين يديه من القلعة إلى بولاق، وأمامه وحوله ألوف من العامة بالنبابيت والعصي يهللون ويكبرون ويكثرون من الصياح، ومعهم الطبول والزمور وغير ذلك" (على حد قول الجبرتى المؤرخ المصرى الذى عاصر الحملة الفرنسية على مصر 1798-1801)، كان ثلاثون ألف من العساكر الفرنساوية بقيادة سارى عسكرهم الشهير "بونابرطة" ينتظمون فى مربعات ويتحركون بها فى خطى منتظمة ليفتكوا بستين ألفا من فرسان المماليك المصرلية والعربان وبالمشاة من متطوعة القاهرة وما حولها.

ولم تكن المعركة، التى لم تستغرق سوى ثلاثة أرباع الساعة، معركة حربية بقدر ما كانت مواجهة حضارية بين ذهنيتين مختلفتين. الذهنية الأولى هى ذهنية المجتمع المصرى التى كانت تحكم عقول أفراده منظومة فكرية تجمدت عند لحظة تاريخية بعينها وإنغلقت على نفسها فتوقفت عن التجدد والتطور. إنها المنظومة التى إرتكزت على الفكر "اللاعقلانى" (الخرافى) بشتى صوره وأشكاله فى تعاملها مع ظواهر الواقع وأحداثه. منظومة توقفت عن التطور فتيبست قدرات المجتمع الذهنية وتجلت فيه مظاهر عقم الفكر وجفاف الإبتكار وإنعدام الإبداع. وهكذا صارت مقولة "كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة فى النار" هى المقولة الحاكمة لعقول أفراد هذا المجتمع عامتهم وخاصتهم على قدم المساواة، وإمتد نطاق تطبيقها ليشمل شئون الدنيا ولم يعد مقتصرا فقط على شئون الدين. وفى مقابل هذه الذهنية البدائية التى تسيدت المجتمع المصرى كانت المنظومة الذهنية الجديدة التى تبناها المجتمع الفرنسى مجتمع الجيش الغازى. وكانت هذه المنظومة هى المنظومة التى أنتجتها حركة التنوير الأوروبية (1700-1800) وفى القلب منها منظومة العلم الحديث. وهى المنظومة التى تبناها المجتمع الفرنسى فحررته من جمود التقليد و"خنقة" الإتباع ودفعته لإستخدام عقله فى إنتاج المعرفة وتدبير الأمور.

ولقد أسفرت وطأة المواجهة عن بداية لمسيرة تحديث المجتمع المصرى على أيدى والى مصر الطموح محمد على (1805) ومبعوثه إلى باريس الشيخ متفتح الذهن Open-Minded رفاعة رافع الطهطاوى.

المشهد الثانى: الواقع الراهن
اليوم، وبعد مرور حوالى 200 سنة من بدء مسيرة التحديث، نتوقف لنتساءل عن آثارها على المجتمع المصرى ...؟. وهى المسيرة التى بدأتها الأمة المصرية بهدف إقامة مجتمع تسوده "قيم الحداثة" التى تشكل الأساس الثقافى الذى يقوم عليه مجتمع "الرفاهية" Well-Beingبكل أبعادها المادية والمعنوية. ولاأجد وقتا أنسب من وقتنا هذا لطرح هذا السؤال ولتلمس إجابته. إنه الوقت الذى أتاحت فيه ثورة 25 يناير الفرصة لظهور ما كان مخفيا من قوى فاعلة فى المجتمع المصرى على مسرح الأحداث ولتبوء هذه القوى مقاليد الأمور. وهى القوى التى تشكل، بكل ما تحمله من رؤى وأفكار وبكل ما يحكم علاقاتها من توافقات وتناقضات، ملامح المشهد الراهن. وهى ملامح ترسم فى مجموعها صورة غير مبشرة لمسيرة تحديث المجتمع المصرى فى المسقبل المنظور ... !

وتأتى على رأس "قيم الحداثة" قيمة "العقلانية" Rationality التى تعنى ببساطة إستخدام العقل، والعقل فقط، فى كلا من مجالى "الفكر" و"الفعل". وإستخدام العقل فى "الفكر"، أو "العقلانية المعرفية (أو الإبيستيمية)" Epistemic Rationality، معناه ألا تعتقد فى صحة شيئ ما لم توجد شواهد (بينات Evidences) قوية على صحته. فإعتقادك بوجود "العفاريت"، على سبيل المثال، لايعتبر تفكيرا عقلانى لعدم توفر شواهد محققة ومتكررة تؤكد وجود مثل هذه الكائنات. وفى غيبة "العقلانية المعرفية" تحكم ذهنية المجتمع وأفراده ما يمكن أن نطلق عليه تجاوزا إسم "شبه المعرفة" ويتعاظم دورها فى تشكيل رؤية هذه الذهنية لمعطيات الواقع ولمتغيراته. و"شبه المعرفة" هذه هى مجموعة الإعتقادات التى يصعب التحقق من صدقها وترتكز على "الحكايات" التى يصعب التأكد منها، أو على "الشهادات" التى تفتقد للإجماع، أو على "أقوال وخبرات" الأسلاف الذين عاشوا فى أزمنة غير زماننا.

وفى غيبة "العقلانية المعرفية" يسود التفكير "اللاعقلانى" بأشكاله المختلفة. وأول أشكال التفكير اللاعقلانى الشائعة هو "التفكير الثنائى" الذى يتبنى فى حكمه على الأمور منطق "إما ... أو"، فإما أنت معى على طول الخط أو أنت ضدى على طول الخط. وهكذا يحكم نظرة الذهنية المحكومة بهذا النوع من التفكير مفهوم "الحقيقة النهائية والمطلقة" التى لاتقبل الإعتراف بإمتزاج الخطأ والصواب فى أحكامها وتقديرها للأمور، وترفض مقولة الشافعى "رأيى صواب يحتمل الخطأ، ورأي غيرى خطأ يحتمل الصواب". وثانى أشكال التفكير اللاعقلانى هو "التفكير العاطفى" وهو التفكير الذى يدفع صاحبه بإصدار الأحكام بناءا على ما يشعره من عاطفة، حب أو كره، لاعلى أساس المعلومات الحقيقية والموثقة. أما ثالث هذه الأشكال فهو "التعميم المبالغ فيه" حيث يتم تطبيق ما يتم إستخلاصه من حالة بعينها على بقية الحالات دون أية مراعاة لإختلاف الظروف. ولعل قاعدة "العبرة بعموم اللفظ لابخصوص السبب" من أبرز أمثلة هذا النمط من أنماط التفكير. أما رابع هذه الأشكال فهو "الإحساس الزائف بالعظمة" Grandiosity. وهو الإحساس الذى يجعلنا ننظر لأنفسنا بوصفنا محور ما يجرى على كوكب الأرض من أحداث، فنحن "خير أمة أخرجت للناس" (بأمارة إيه) ...! والكل ما عداها إما حاقد لها أو متآمرعليها ...! وآخر أشكال التفكير اللاعقلانى السائدة هو "النظرة المحدودة" التى تجعلنا لاننظر إلا لجانب واحد من جوانب المشكلة المطروحة متغافلين عن بقية جوانبها ومتانسين تعقد وتشابك مشاكل الواقع المعاصر.

أما إستخدام العقل فى "الفعل"، أو "العقلانية الإجرائية"Instrumental Rationality، فتعنى القدرة على التشخيص الدقيق لما يواجهه المجتمع من مشاكل والتعرف على أسبابها الحقيقية ومن ثم تبنى الحلول المناسبة والعمل تحقيقها بأفضل الوسائل الممكنة. وفى ظل تسيد أشكال التفكير اللاعقلانى تشيع "نظرية المؤامرة (أو نظرية اللهو الخفى)" كمنهج لتفسير أسباب مايقع من أحداث. فطبقا لهذه النظرية فإن أى حدث رئيسى لابد وأن يكون وراءه كيان خفى، حكومة أو جماعة أو تنظيم، ذو نوايا خبيثة وحاقدة خطط له وعمل بطريقة سرية وماكرة على وقوعه. ولايأخذ هذا المنهج فى إعتباره أى شواهد عملية بل ويتعمد تشويهها وتحريفها لتلائم مايسعى إليه من تفسير. وهكذا نفقد القدرة على معرفة الأسباب الحقيقية لما نواجهه من مشاكل وتضيع منا فرصة إكتشاف الحلول الفعالة لها.

هذه هى ملامح مجتمعنا المعاصر بعد مرور 200 سنة من مسيرة تحديثه التى كشفتها، دون رتوش، ثورة 25 يناير. ولاأجد كلمات تصف أحوال مجتمعنا أصدق من كلمات نزار قبانى فى قصيدته "هوامش على دفتر النكسة": "خلاصةُ القضيّهْ ... توجزُ فى عبارهْ ... لقد لبسنا قشرةَ الحضارهْ ... والروحُ جاهليّهْ... ".



https://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن