المقاومة الوهمية والممانعة المزيفة

قصي غريب
qusai_ghareeb@yahoo.com

2012 / 1 / 23

بين الحين والآخر يخرج علينا أصحاب المشروع الطائفي وأدواته وحلفاؤه في المنطقة ليؤكدوا في خطاب أيديولوجي مجتر ورتيب ممزوج بالتقية من خلال شعارات فارغة من مضمونها؛ ممجوجة من فرط ابتذالها من ان النظام الشمولي الاستبدادي الطائفي الذي يحكم سورية بالقوة الغاشمة هو نظام مقاوم وممانع لاسرائيل وللولايات المتحدة الأميركية؛ ومن ثم فان الانتفاضة الشعبية التي تعم أرجاء سورية منذ 15 آذار 2011 والتي خرجت تطالب بالحرية والكرامة واسقاط النظام هي جزءاً من مؤامرة أميركية صهيونية تستهدف النيل من نظام المقاومة والممانعة.
ولكن الحقيقة التي لا مراء فيها ان النظام الحاكم سورية مدع كذاب في كل ما يدعيه من مقاومة وممانعة؛ فهو غارقاً في مستنقع التنازلات منذ استيلائه على السلطة في انقلاب 16 تشرين الثاني 1970؛ فنظام الصمود والتصدي في عهد حافظ الأسد كان حارساً أميناً لأمن واستقرار اسرائيل فجبهة الجولان الذي سلمه للعدو الاسرائيلي من دون قتال حرص على ان تبقى هادئة تماماً؛ كما انه قد اعترف ضمنياً باسرائيل من خلال الاعتراف بالقرارين الأممين 242 و338 .
وبعد حرب 6 تشرين الأول 1973التحريكية وبداية دبلوماسية الخطوة خطوة التي قادها وزير الخارجية الأميركية هنري كيسنجر دخل نظام الصمود والتصدي في مفاوضات مع اسرائيل انتهت بتوقيع اتفاقية فك الاشتباك في أيار 1974 التي تضمنت وقف اطلاق النار والامتناع عن جميع الأعمال العسكرية.
وفي 1976 دخلت قوات نظام الصمود والتصدي الى لبنان بموافقة أميركية اسرائيلية لتحجيم القوة العسكرية والسياسية للمقاومة الفلسطينية حماية لأمن واستقرار حدود اسرائيل، وعندما غزت الأخيرة لبنان في 1982 وقفت قواته متفرجة وتركت قوات المقاومة الفلسطينية تواجه مصيرها لوحدها أمام آلة الحرب الاسرائيلية؛ بل انه قد أسهم في اخراج من بقي منها من طرابلس في 1983، وكان نظام الصمود والتصدي في مؤتمر قمة فاس 1982 قد وافق على مبادرة القمة التي اعترفت ضمنياً بوجود اسرائيل.
وفي حرب الخليج الثانية 1991 اشترك نظام الصمود والتصدي بقوات عسكرية الى جانب قوات التحالف الغربي بقيادة الولايات المتحدة واسهم معهم في تدمير القوة العسكرية العراقية العمق والقوة الاستراتيجية لسورية، وبعد نهاية الحرب مباشرة لبى دعوة الولايات المتحدة وحضر مؤتمر مدريد للسلام الذي انعقد في 30 تشرين الاول 1991 ووافق على الانسحاب الكامل مقابل السلام الكامل – وديعة رابين – وكان شعار حافظ الأسد ان خيار سورية الاستراتيجي هو السلام؛ ودخل في مفاوضات مباشرة مع اسرائيل برعاية اميركية، وبعد وفاته في حزيران 2000 ووراثة ابنه بشار الأسد السلطة بترقيع دستوري مفضوح بمباركة أميركية رفع النظام شعار المقاومة والممانعة بدل شعار الصمود والتصدي، وكانت وزيرة الخارجية الاميركية مادلين اولبرايت قد اجتمعت مع الوريث على انفراد ثم خرجت لتؤكد على الملأ على وجود بوادر مشجعة في شأن موقف النظام الجديد من عملية السلام مع اسرائيل، وانسجاماً مع هذا التوجه وافق نظام المقاومة والممانعة في قمة بيروت 2002 على مبادرة السلام العربية التي دعت الى اقامة علاقات مع اسرائيل مقابل الانسحاب الكامل من الأراضي العربية المحتلة منذ حرب 5 حزيران 1967 وقد أكد على انها السبيل لتحقيق الأمن والاستقرار في المنطقة، وقد استمر النظام وعلى رأسه بشار الأسد يناشد رئيسي وزراء اسرائيل اريل شارون ومن بعده ايهود أولمرت بالعودة الى المفاوضات التي توقفت برغبة اسرائيلية؛ وطلب وساطة تركية وقد استضافت الأخيرة عدة جولات من هذه المفاوضات غير المباشرة بين الجانبين؛ وقد أكد بشار الأسد انه يعمل على بناء الثقة؛ والاقتناع بان اسرائيل جادة في عملية السلام, وايجاد الارضية المشتركة التي تسمح باجراء مفاوضات مباشرة؛ وان ما يهمه هو القرارالأممي 242.
وفي 27 تشرين الثاني 2007 حضر نظام المقاومة والممانعة مؤتمر انا بوليس للسلام في الشرق الاوسط الذي عقد في الولايات المتحدة؛ والهادف الى حث الدول العربية على التطبيع مع اسرائيل فضلاً عن ذلك فان بشار الأسد كلما زاره وفد أميركي رسمي يجدد حرص نظامه على السلام مع اسرائيل؛ وينوه على الدور الذي قام به نظامه مع الولايات المتحدة منذ انطلاقة عملية السلام وحتى تبنيه المبادرة العربية لقمة بيروت 2002 التي تثبت صدق توجه نظامه اتجاه السلام كخيار استراتيجي، وقد سبق له أن صرح أكثر من مرة عن استعداد نظامه لاجراء محادثات سلام مع اسرائيل.
وعندما اندلعت انتفاضة الشعب السوري في 15 آذار 2011 وطالب المنتفضون باسقاط النظام واقامة دولة القانون والمواطنة رفع سليل نظام الصمود والتصدي والمقاومة والممانعة المدعو رامي مخلوف المتهم بسرقة الاقتصاد السوري صوته عالياً مبيناً الوجه الحقيقي للنظام عندما ربط استقرار اسرائيل باستقرار النظام في سورية ووجوده؛ اذ قال لصحيفة نيويورك تايمز : " إذا لم يكن هناك إستقرار في سورية فمن المستحيل أن يكون هناك استقرار في اسرائيل فلا يوجد طريقة ولا يوجد أحد يضمن ما الذي سيحصل بعد اذا لا سمح الله حصل أي شيء لهذا النظام " .
وانطلاقا من هذا فان رفع شعار الصمود والتصدي في عهد حافظ الاسد؛ وشعار المقاومة والممانعة في عهد بشار الاسد انما يأتي من منطلق ممارسة الغوغائية السياسية والمزايدة الرخيصة لشل حركة الشعب السوري من خلال منح النظام مزيداً من الحصانة الثورية المزيفة وتمتعه بالعصمة السياسية كبديل عن احترام حقوق الانسان والتعددية السياسية وتداول السلطة سلمياً في سورية، ومن ثم فانهم يعطون لنظامهم المستبد مسحة ثورية وصفة قدسية؛ وعصمة سياسية لمصادرة حق الشعب السوري في نقده وبيان سلبياته؛ ومطالبته بحقوقه السياسية والاجتماعية؛ ومن ثم الخروج عليه تحت ازعومة انه نظام ثوري مقاوم لاسرائيل؛ وممانع للولايات المتحدة، وبما انه لا صوت يعلو فوق صوت المعركة فهو فوق النقد والمساءلة والمطالبة وهو ما يجعل الشعب السوري لا يتجرأ على نقده والمطالبة بحقوقه المشروعة. فمن يتجرأ على نقد نظام المقاومة وحاضنتها ومشيد قلعة الممانعة الملائكية المعصومة الا الجراثيم والمدسوسون والعملاء المأجورون في حين ان خيارهم الاستراتيجي مع اسرائيل هو السلام؛ فحافظ الأسد نادى بخيار السلام الاستراتيجي مع اسرائيل؛ وقد تخلى عن المطالبة باقامة التوازن الاستراتيجي معها؛ وقد كرر أكثر من مرة ان السلام مع اسرائيل هو خيار استراتيجي، وعلى ذات المسار سار وريثه بشار الأسد فأكد على أهمية السلام واعتماده خياراً استراتيجياً وعلى استعجاله لتحقيقه.
ومن هنا فان الخطاب السياسي الرسمي لنظام الصمود والتصدي والمقاومة والممانعة كان وما زال يتمسك بالسلام مع اسرائيل باعتباره خياراً استراتيجياً؛ ولهذا فانه يستحق بجدارة ان يطلق عليه أنه : نظام المقاومة الوهمية والممانعة المزيفة.



https://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن