د. نصر حامد أبو زيد ومسألة التأويل وفلسفته

جواد بشارة
jawadbashara@yahoo.fr

2002 / 9 / 10

ورقة تقديم بقلم د. جواد بشارة : باريس

الدكتور نصر حامد أبو زيد واحد من أعلام الفكر العربي المعاصر حاول اختراق أسوار  العقل الديني بتبني قيم العقلانية الحديثة ( عقلانية ديكارت ) والإفادة من إنجازات عصر التنوير التي بدأت مع إنطلاقة عصر النهضة من خلال الانفتاح على الثقافة الغربية وببعض من منجزاتها الإيجابية ومناهجها العلمية  في دراسة النصوص ونقدها .

فهو مفكر وكاتب  عربي  وباحث إسلامي مهتم بالدراسات القرآنية على وجه الخصوص كما بدا واضحاً في محاولته البحثية الأولى " الاتجاه العقلي في التفسير : دراسة في قضية المجاز في القرآن عن المعتزلة " وكذلك في : " فلسفة التأويل عند إبن عربي " و " مفهوم النص : دراسة في القرآن وعلومه" وهو الكتاب الذي أثار جدلاً واسعاً وكبيراً وأستخدم كمستند  لتوجيه تهمة الإرتداد ضد المؤلف من قبل التيارات الدينية المتشددة .

لقد استخدم الدكتور أبو زيد المكتسبات العقلية والمنهجية للثقافة الحديثة في قراءته لواقع العالم العربي والإسلامي  وتحليلاته النقدية للأصول والنصوص الدينية والتراثية . أي إن المفكر أبو زيد يدعو إلى تجديد الفكر الديني باستخدام الفكر النقدي من خلال العقل التنويري  دون أن يكون بالضرورة ضد العقل الديني جملة وتفصيلاً . لقد انتقد الدكتور نصر حامد أبو زيد الخطاب الديني الإسلامي كما يتجلى في فضاء الواقع الإسلامي الحالي  الذي يتسم بالتخلف والجهل والظلامية وسيطرة ذهنية التحريم والتكفير وإلصاق  تهم الإرتداد كما  وصفه بعض خصومه  ولم يكن هو الأول الذي قام بذلك الفعل التنويري  ولن يكون الأخير.

لايتردد  مفكرنا  في تناول النص القرآني  والنصل القدسي  بالتحليل والتأويل والترحال ما بين الواقع  والرمز كما كان الأمر في السابق مع الدكتور طه حسين  وعلي عبد الرازق مواصلاً المعركة التي بدأت في ثلاثينات القرن المنصرم بين الإسلاميين التقليديين وخصومهم العلمانيين وقد واصل أبو زيد الطريق من النقطة التي توقف عندها مفكرين عقلانيين وحداثيين سابقين لم تسمح لهم الظروف آنذاك في ترسيخ أطروحاتهم التجديدية الجريئة .

ينحو الدكتور أبو زيد نحو تجديد الفكر الديني الإسلامي وهو مشروع طموح أحبطته القوى المتنفّذة فيما عُرف بقضية أبو زيد " في أعقاب القضية التي أقيمت ضده في المحاكم المصرية مما أرغمه على ترك  بلده مصر بعد صدور الحكم بارتداده ومحاولة تطليقه بالقوة من زوجته .

نقطة انطلاق أبو زيد في كتاباته النقدية هي " تأريخية  النص القرآني " بمعنى إن الرسالة والتنزيل حدثا في تاريخ زمني محدد  وفي  مكان جغرافي محدد  وفي لغة خاصة محددة . فهو بذلك إذن " نتاج ثقافي " وهي الصيغة التي أثارت حفيظة الإسلامويين المتشددين . ومن أجل إعادة قراءة القرآن لابد من وضعه في سياقه التاريخي وإخضاعه لتحليل مزدوج تاريخي ولغوي ومنع التلاعب الأيديولوجي  والسياسي بالنصوص الدينية المقدسة وتحويلها إلى أدوات .

لقد تجرأ الدكتور أبو زيد في كتاباته  على تناول النص القرآني  بالنقد والتحليل بصفته ( منتجاً ثقافياً ) أنتجه واقع العرب التاريخي والاجتماعي خلال عهد النبوة.

وباعتباره نصاً لغوياً كما هو حال غيره من النتاجات المشابهة يخضع للشروط النقدية  المتعارف عليها التي تخضع لها كل النتاجات المعرفية الأخرى ( أي خطابات البشر " على حد قول الدكتور محمد آركون . فأبو زيد يعيد النظر  في مفهوم الوحي  والظروف التي جعلت ظاهرة الوحي  ممكنة الوجود في زمن ما مثل إنتشار الكهانة في العصر الجاهلي. ثم يذهب أبو زيد إلى تحليل " مستويات  النص " والكشف عن آليات  تشكله وتثبيته  واختلافه عن النصوص الأخرى  كالشعر واالكهانة  وكذلك الكشف عن آليات تفريخ النصوص أو " توليد النصوص عن النصوص " وتحولها بدورها إلى " نصوص مقدسة " بين أيدي رجال الدين وعمل الدكتور أبو زيد على كشف أنماط توظيف النص الديني أيديولوجياً وتحويله إلى أداة  لتغيير الواقع إلى شيء مقدس  وجامد يُحاط بالقدسية  وعدم المس به لذلك يحاول أبو زيد التحرر من هذه النظرة التقديسية للنص ويتجرأ على كشف الجوانب " الأسطورية للوحي " ويحاول إختراق الحاجز القدسي والدخول في دائرة الممنوع

إن كتاب " مفهوم النص " على سبيل المثال  عمل مخصص لنقد الفكر الديني عموماً وللخطاب القرآني خصوصاً ويندرج ضمن مناهج " نقد النصوص " بالرغم من حساسية الموضوع وحقيقة الأجواء الفكرية المحموة التي تحيط بالدكتور أبو زيد  ويكتب في ظلها  حيث كان ومايزال يدرك مخاطر الصراع الحاد بين الأصوليين وخصومهم من العلمانيين التنويريين .

لم ينطلق ابو زيد من فراغ فهو حلقة جديدة في سلسلة التجديد الفكري وتجديد الوعي  فهو باحث متابع ومطلع على عيون التراث بوعي علمي ونقدي  من أجل تكوين وعي علمي بالتراث  وهذا هو جوهر مشروعه الفكري التجديدي الذي يتلخص  بنقد التراث  وتحليله والتركيز على النص القرآني في محاولة لتقديم " تأويل علمي أو فهم موضوعي للإسلام  " يختلف عمّا تقوم به وتمارسه وتوظفه الجماعات الدينية التقليدية المتشددة . لهذا فهو يحارب على مستوى الرمز حيث يسعى إلى تطويع البناء الرمزي الذي يتحصن بداخله الأصوليون  ، وكذلك على مستوى  الواقع إذ يعمل على نزع المشروعية عن تحركاتهم ومشاريعهم للإستيلاء على السلطة السياسية بغية فرض المفهوم التقليدي  قسراً وبكل وسائل القوة على المجتمع العربي ـ والإسلامي . وهذا ما يفسر حدة الصراع القائم بينه وبينهم .

باعتقادي إن الدكتور أبو زيد يدعو إلى " تأويل علمي " للدين وذلك بإزالة الجوانب الغيبية والأسطورية عنه بغية إيجاد أرضية ثابتة وراسخة ومتينة للقاء مع العلمانية، ويعمل على " تأسيس تاريخية " بنية الخطاب الإلهي  وكشف بنية القراءات الأيديولوجية  للنص  والكشف عن جذور التأويل  الأيديولوجي  والديني في الثقافة العربية والإسلامية من خلال قراءة تحليلية  تفكيكية عبر  منهج تحليل الخطاب  والإفادة من مناهج السميولوجيا ( علم الإشارات والرموز )  والهيرمنوطيقا  ( علم تأويل النصوص )  والاستفادة من مناهج وتجارب الألسنية  والأسلوبية  وعلم السرد . والهدف محاربة آليات الإقصاء والاستبعاد التي يمارسها الخطاب الديني إزاء الآخرين .

 

لا أريد الإطالة والتكرار  وقد تعمدت عدم ذكر موضوع التأويل في مشروع الدكتور أبو زيد الذي هو موضوع محاضرة اليوم لأنه أقدر من سيتحدث عن ذلك فسأترككم مع الدكتور أبو زيد ومناقشة أفكاره وطروحاته بعد المحاضرة وشكراً.

 



https://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن