أبعاد الحملة الإعلامية ضد المملكة العربية السعودية

جواد بشارة
jawadbashara@yahoo.fr

2002 / 9 / 7


   : باريس
شهدت الأيام الأخيرة تصاعدا غير مسبوق في حدة وشراسة الحملات الإعلامية الأمريكية ضد المملكة العربية السعودية والأسرة الحاكمة فيها ، وصلت إلى حد الدعوة لاحتلال آبار النفط السعودية ، والبحث عن بديل سياسي اكثر ملائمة - من وجهة نظر واشنطن - ليعتلي سدة الحكم في السعودية . ما يهدد بإنهاء اكثر من سبعة عقود من العلاقة " الاستراتيجية " بين البلدين . وبالتالي شعر السعوديون بالمرارة وإن الكيل قد طفح من جراء إتهام الأميركيين لهم بدعم الإرهاب كانت أحداث الحادي عشر من ايلول/ سبتمبر النقطة الفاصلة في تغير مسار العلاقات  الثابت بين البلدين من أكثر من سبعون عاماً وقد جاءت الأحداث لتبدد الضباب الكثيف الذي يغلف العلاقات القائمة بين الولايات المتحدة الأميركية والمملكة العربية السعودية على أكثر من صعيد . لقد ظهرت تبادل الإتهامات والإنتقادات وردود الأفعال على مسرح الظل الذي تسوده قاعدة السرية والكتمان والبعد عن العلنية في نشر المناقشات الحادة والمتوترة بين الجانبية رسمياً و لكن وسائل الإعلام لم تتقيد بهذا الكتمان ، وظهرت افتتاحيات الصحف الأميركية الكبرى لتواصل الحملة التي شنها أقطاب الدفاع عن حقوق الإنسان مثل منظمة العفو الدولية وهيومان رايت ووتش Amnesty International & Human Rights Watch  والتي لايقرأ بيانتهما سوى قلة قليلة من المختصين.
كانت صدمة تفجيرات  الحادي عشر من أيلول / سبتمبر عميقة وقاسية على الرأي العام الأميركي  خاصة والغربي عامة ، وبالذات بعد معرفة إن غالبية المشاركين في العمليات الإنتحارية هم من السعوديين مما أثار نوعاً من الإنزعاج المشوب بالدهشة على حد تعبير حسن ياسين أحد مثقفي الرياض المعروفين، وخلق مشكلة حقيقية في  الشارع الأميركي حسب تعبير مثقف غربي .وقد فهم سفير الولايات المتحدة الأميركية في المملكة ذلك جيداً : " فلم يسبق لممثل واشنطن في المملكة أن زار هيئة تحرير صحيفة سعودية أو دعي إلى مأدبة إفطار في إحدى ليالي رمضان " على حد تعليق صحافي مخضرم في الرياض.
لايعرف المسؤولون الأميركيون كيف يهدئون من روع السعوديين والتخفيف من حدة المرارة في نفوسهم . فالأستاذ في جامعة الملك سعود الدكتور عبد الله حميدان ينتقد الأميركيين بأنهم  يتصرفون " كالثور الهائج " وأنهم " أزالوا بجرّة قلم ثلاثين سنة من العلاقات المتينة والجيدة بينهما بسبب حادث منعزل يقف وراءه  رجل خارج عن القانون  تبرأ منه مجتمعه ". ويشك الدكتور بندر العيبان، رئيس لجنة الشؤون الخارجية في مجلس الشورى السعودي ، بأن الانتقادات في الصحف الأميركية سوف تتغلغل في نفوس الغربيين أو تجعلهم ينسون  التأثير الإعتدالي للعربية السعودية " فـ " خطة الملك فهد " سنة 98 كانت أول خطة عربية تعترف بوجود إسرائيل كما يلاحظ أحد الديبلوماسيين فلماذا لا تؤخذ هذه الحقائق بعين الاعتبار.
فعندما طلب الأميركيون من السعوديين إستخدام قاعدة " الخبر " في الحرب ضد أفغانستان واعتقال المشتبه بهم من المتعاطفين مع بن لادن ، والسيطرة على الجمعيات الخيرية ، شعرت السلطات السعودية بالإحراج كما يعتقد أحد الدبلوماسيين الغربيين في الرياض . فجزء من العائلة الحاكمة وافقت على تلبية مطالب واشنطن ، لكن جزءً آخر من العائلة الحاكمة رفض الإذعان خوفاً من إثارة الرأي العام السعودي  والعربي والإسلامي ضدهم لاسيما  وإن هذا الرأي العام مشحون بمشاعر العداء  والاستياء والغضب من السياسية الأميركية الموالية  والمنحازة ظلماً لجانب إسرائيل ، خاصة إدارة جورج دبليو بوش ، الذي لم يتردد في الإعلان عن تصريحات مثيرة الاستفزاز بتحميل السلطة الفلسطينية مسؤولية التصعيد وتفاقم الوضع في الأراضي المحتلة وتبرير أفعال إسرائيل واعتبارها دفاعاً عن النفس وإن من حقها القيام بكل ما تقوم به من أعمال إجرامية ضد الشعب الفلسطيني الأعزل .
ولم تحترم الولايات المتحدة الأميركية رفض السعودية وعدم موافقتها بإستخدام قاعدة  الخرج حيث استخدمتها القوات الأميركية سراً في حين قامت قوات الأمن والمباحث السعودية باعتقال مواطنين سعوديين مشتبه بارتباطهم بتنظيم القاعدة المحظور " ولكن بعد استجوابهم والتحقيق معهم تبين أن ليس هناك أي دليل على ارتباطهم بتنظيم بن لادن فأطلق سراح البعض منهم " كما صرّح أحد المسؤولين السعوديين مما آثار حفيظة الأميركيين لأنهم كانوا يريدون أن يقوموا هم بتلك التحقيقات . ولم تعترض السعودية على وجود فريق من الخبراء للتعاون في دراسة ومراقبة شبكات التمويل التي استخدمتها بعض الجمعيات الخيرية بغية وقف أخطاء إيصال الأموال إلى غير جهاتها المنشودة ولكن لايمكن  للسلطات السعودية ، استناداً إلى مجرد أقوال أو إشاعات ، منع الناس من إرسال الصدقات والزكاة وأموال الخمس إلى من يريدون ، كما يقول أحد المسؤولين السعوديين .
تدعي بعض الأوساط إن الإدارة الأميركية راضية عن الأداء السعودي  لكن الأوساط الدينية  السعودية ماتزال في مرمى الإصابة لواشنطن ومحط أنظار وإنتقادات الجهات الإعلامية هناك ، خاصة بعد نشر شريط الفيديو الثاني لإبن لادن حيث شوهد عدو أميركا رقم واحد وهو يستقبل الشيخ خالد عودة الحربي المبعوث السعودي عن هيئة رجال الدين كما تدعي الولايات المتحدة الذي جاء لإبن لادن ليطمئنه ويؤكد له دعم رجال الدين السعوديين لمساعيه ، كما تقول وسائل الإعلام الأميركية لكن الدكتور توفيق السديري نائب وزير الشؤون الإسلامية يرد محتجاً " إن هذا الحربي رجل غير معروف وهو نكرة " .
مما لاشك فيه بعد كل ما قيل ونشر في وسائل الإعلام الأميركية إن العلاقات الأميركية ـ السعودية تمر في مرحلة توتر شديد وتجتاز فترة شديدة الاضطراب تجعل السعوديين في حالة ريبة : " لأن دق أسفين الخلاف بين المملكة والولايات المتحدة الأميركية ليس في صالح أحد " كما يقول أحد المسؤولين السعوديين الذي رفض الكشف عن هويته ، وهو لايعتقد بأن إدارة بوش متورطة أو مسؤولة عن الحملة الإعلامية الأميركية ضد المملكة وقال أحد الصحفيين السعوديين معلقاً : " صحيح إن الأميركيين متعجرفين ومغرورين لكنهم لايرغبون  في رفع الخلافات إلى مستوى رسمي وعلني . فهم واعون لخطورة هذا المنحى وقد قرر الرئيس بوش إبقاء العلاقات السعودية الأميركية على ماكانت عليه قبل الأحداث الدامية وألا تتعرض إلى أية مراجعة أو إعادة نظر " كما يؤكد دبلوماسي غربي ضليع بالشؤون السعودية .لكن المخاطر يمكن أن تأتي إذا ما حصل تصعيد أو تفاقم في الحرب بين الإسرائيليين والفلسطينيين وإنحياز الأميركيين أكثر فأكثر إلى جانب الإسرائيليين ، أو في حالة مواصلة الحرب ضد الإرهاب وتوسيع رقعتها لتشمل العراق فالدكتور توفيق السديري  نائب وزير الشؤون الإسلامية يخشى أن يؤدي  تحرك ونشاط الولايات المتحدة في مكافحة الإرهاب إلى  " تدعيم وتعزيز موقف المتطرفين " .مما سيدفع  المملكة إلى إتخاذ مواقف مضادة للمواقف الأميركية  لذلك يمكن القول ولكن بدون جزم إن هناك نوعاً من القطيعة قد يحصل بين البلدين.ولعل ما يزيد من احتمالات تلك القطعية ، ما أشار إليه ولي العهد السعودي الأمير عبد الله من إن السعودية والولايات المتحدة تقفان الآن عند مفترق طرق وان الوقت حان لان ينظر البلدان إلى مصالحهما المختلفة. كما إن وزير الدفاع الأمريكي دونالد رامسفيلد لم يكن اقل صراحة حينما أكد انه بعد تفجيرات 11 سبتمبر فان الكثير من الدول الصديقة قد تتحول إلى أعداء !!
وتعرضت السعودية لحملة إعلامية أمريكية شبه منظمة ، حيث نشرت صحف " نيويورك تايمز " و"واشنطن بوست " و" واشنطن تايمز " و" بوسطن جلوب " و" شيكاغو تريبيون " و" لوس أنجلوس تايمز " في وقت شبه متزامن مقالات وتقارير تحمل هجوما عنيفا على سياسة السعودية وما اعتبرته - تلك الصحف - موقفا غير واضح الملامح بشأن دعم المملكة للتحالف الأمريكي ضد ما سمي بالإرهاب . واعتبرت صحيفة لوس أنجلوس تايمز إن " السعودية على الرغم من إنها حليفا مقربا للولايات المتحدة ، إلا إنها لم تقدم سوى القليل - إن كانت قدمت شيئا - من المساعدة للقبض على بن لادن وامواله وشبكته " .
ومن جانبها اتهمت صحيفة " نيويورك تايمز " السعودية بأنها تتسامح مع الإرهاب وترفض التعاون مع واشنطن في التحقيقات حول المشتبه فيهم في خطف الطائرات التي استخدمت في كارثة 11 سبتمبر . وقالت الصحيفة إن واشنطن يجب أن تتوقف عن " غض النظر " عن هذا الموقف السعودي " ، مؤكدة أن اعتبار السعودية لا تدعم الإرهاب يعقد المشكلة .
وعلى الرغم من أن الهجوم على الرياض ركز في البداية على لائحة اتهامات شملت : عدم التعاون الكافي في مطاردة بن لادن وتنظيمه ، وتقاعس الرياض في اتخاذ خطوات فعلية لتجميد أموال بن لادن وتجفيف منابع الدعم المالي له ، إضافة إلى ما اعتبرته تلك الصحف دعما من النظام السعودي للجماعات الأصولية ، ودللت على ذلك بوجود 15 سعوديا ضمن قائمة الانتحاريين المزعومين التسعة عشر ، ولكن الهجوم الإعلامي الأمريكي اخذ بعدا اكثر وقاحة ، مع محاولة تلك الصحف الربط بين نمو الجماعات الأصولية وما أسمته بـ " الفساد والقمع " . وهو ما بلوره مارتن إنديك سفير واشنطن السابق في إسرائيل بقوله " إن خطأ واشنطن الوحيد في الشرق الأوسط هو " دعم نظم فشلت على نحو مستمر في تلبية الاحتياجات الأساسية لشعوبها ، وفضلت التعامل مع مشكلة حرية التعبير عن الرأي السياسي في بلدانها عن طريق توجيه المعارضة ضدنا ".
وفي هذا السياق اعتبرت لوس أنجلوس تايمز " أن الامتناع عن انتقاد الفساد والقمع السياسي في المملكة ليس له من نتيجة سوي التشجيع علي هذه العادات الهدامة " . وكال الصحفي الأمريكي المشهور سيمور هيرش - في تقرير لا يخلو من الفجاجة نشر في صحيفة " نيويوركر " - الاتهامات للعائلة المالكة السعودية زاعما إنها " نظام فاشل " ، واتهم هيرش النظام السعودي بأنه " ضعيف وخائف ". وواصل هيرش مزاعمه مشيرا إلى " إن وكالة الأمن القومي الأمريكي تقوم بالتقاط المحادثات الهاتفية لكبار الأمراء السعوديين منذ 1994 ، وإنها التقطت دليلا على إن إبقاء الملك فهد في الحكم رغم مرضه يرجع إلى الخلاف وحالة الانقسام داخل العائلة حول خلافته ، زاعما أن ولي العهد الأمير عبد الله لا يتمتع بتأييد كامل العائلة "
وانضمت المراكز السياسية والاستراتيجية لحملة الهجوم ، ونشر مركز الدراسات الأمنية والدولية الأمريكي تقريرا أشار إلى انه علي الولايات المتحدة وحتى تتمكن من تحقيق النصر في حربها علي الإرهاب أن تحدث تغييرات جوهرية في سياستها الخارجية منها تشجيع التغير السياسي في مصر والسعودية . وزعم التقرير إن " الدافع الرئيسي وراء غضب المسلمين هو فشل العديد من الدول الإسلامية المعتدلة في تشكيل حكومات عصرية تستجيب لاحتياجات شعوبها التي لا يسمح لها سوى بأقل مستوي من النقاش والديمقراطية " .
وقدم التقرير المملكة العربية السعودية ومصر - في إطار حملة واشنطن الإعلامية عليهما - مثالين ، على ما يزعم إنها " دول فشلت في تقديم برنامج سياسي أو التقدم برؤية ملموسة " . وطالب التقرير الولايات المتحدة بان " تستعد لإمكانية أن ينتهي الأمر بسقوط هذه الأنظمة ضحايا لهذه الحملة الدولية ما لم تتبن سياسات لا تهادن الإرهاب علي الإطلاق، كما تتبني في الوقت نفسه سياسات اكثر تحررا وتوفر المزيد من الفرص الاقتصادية والمشاركة السياسية " ووصف بول ويلبي الخبير في معهد الدراسات الاستراتيجية والسياسية الوضع في المملكة الآن بأنه يشبه " أيام شاه إيران الأخيرة " . داعيا الولايات المتحدة إلى أن تعيد التفكير بشان السعودية ، حتى لا تقوم بتكرار نفس السياسات التي حدثت مع الشاه .
ولم يكن أعضاء الكونجرس بعيدين عن تلك الحملة ، وشن السيناتور الديمقراطي جوزيف ليبرمان هجوما عنيفا على الرياض ، مشيرا إلى إن واشنطن " لا يمكن أن تتقبل أن بلدا مثل المملكة العربية السعودية التي ما زالت حكومتها قائمة لأننا ندعمها ، يشجع هذا الحقد ". وأضاف أن السعوديين "يتبعون إستراتيجية مزدوجة حيث أعتقد أنهم ركبوا موجة الخطر، وإذا استمروا في هذا الأمر فإن الخطر سيرتد عليهم. أعتقد أنه يتوجب عليهم أن يختاروا " معسكرهم.
 ويرى العديد من المحللين في تلك اللهجة الأمريكية غير المسبوقة في الهجوم على السعودية ، مؤشرا على قلق أمريكي عميق بسبب ميل السعودية في السنوات الأخيرة لانتهاج سياسات جديدة تفرضها مصالحها الخاصة وليست بوحي من المصالح الأمريكية .
فالرياض امتنعت عن التطبيع مع الكيان الصهيوني برغم الضغوط المكثفة التي مارستها واشنطن ، كما إنها ساندت عرفات في رفضه لتقديم تنازلات في مفاوضات كامب ديفيد أثناء ولاية الرئيس كلينتون . ومارست السعودية ضغوطا مكثفة على واشنطن للتدخل لوقف ممارسات إسرائيل القمعية ، ورفض الأمير عبد الله اكثر من دعوة لمقابلة الرئيس بوش احتجاجا على موقف واشنطن المنحاز لإسرائيل ، بل انه هدد بمراجعة علاقات البلدين ، ووصفها بأنها وصلت لمفترق طرق .
وفيما يتعلق بالملف العراقي فان السعودية امتنعت عن دعم ما عرف بـ " العقوبات الذكية " ،
وأصدرت بيانا مشتركا مع سوريا نددت فيه بالقصف الأمريكي للعراق ، فضلا عن رفضها لانطلاق الطائرات الأمريكية من أراضيها لضرب أهداف داخل العراق .
ورفضت السعودية الضغوط الأمريكية لتوجيه أصابع الاتهام لإيران في تفجير الخبر ، بل رفضت مجرد إعطاء مكتب التحقيقات الفيدرالية صلاحية التحقيق في الانفجار ، ورفضت تسليم مواطنيها لواشنطن . واستمرت السعودية في تعميق علاقاتها مع إيران برغم الرفض والضغوط الأمريكية ، ووقعت اتفاقية للتعاون الأمني معها .
وفيما يتعلق بالملف النفطي فقد اصبح القرار السعودي اكثر تحررا من الهيمنة الأمريكية ، وعمقت الرياض مع تنسيقها مع شركائها في الأوبك للمحافظة على سعر متوازن لبرميل
النفط يراعي مصالح المملكة الاقتصادية ، حتى إن إدارة الرئيس كلينتون اضطرت للسحب من المخزون النفطي الاستراتيجي لمواجهة ارتفاع أسعار النفط ، بعدما فشلت في الضغط على السعودية لزيادة إنتاجها.
وكانت السعودية اكثر ميلا نحو الاستقلالية وعدم التورط خلال الأزمة الحالية ، حيث رفضت السماح للولايات المتحدة باستخدام قاعدة الأمير سلطان الجوية في دعم القصف الجوي لأفغانستان ، وأكد وزير الدفاع السعودي الأمير سلطان أن المملكة لن تقبل بوجود أي جندي على أراضيها لمحاربة العرب والمسلمين. كما تحفظت الرياض على دعم القصف الأمريكي لأفغانستان ، وشدد وزير الداخلية السعودي على إن السعودية لا تساند القصف ، وترى ضرورة التركيز علي الإرهابيين وتجنب ضرب المدنيين.
وبرز اتجاه السعودية نحو مزيدا من الاستقلالية - واضحا - خلال مواجهتها للحملة الإعلامية الأخيرة ، حيث تخلت عن سياسة " الصمت والتجاهل " التي كانت تتبعها في السابق . وشن ولي العهد الأمير عبد الله هجوما مضادا ، أكد فيه إن المملكة لن تساوم حول عقيدتها الإسلامية مهما تزايدت الحملات العالمية المغرضة ، معتبرا أن ما تتعرض له المملكة من حملة شرسة في الإعلام الغربي ما هو إلا نتاج حقد دفين علي النهج الإسلامي للمملكة ، وان الإسلام سينتصر مهما صار ومهما كان . ولعل تركيز الأمير عبد الله على البعد الديني للحملة الأمريكية يدحض ما تحاول واشنطن إخفائه من إنها لا تستهدف الإسلام في حربها الحالية .
وحذر ولي العهد السعودي واشنطن من أن الحكومات التي لا تشعر بنبض شعوبها وتستجيب له ستلقي نفس مصير شاه إيران ، وذلك في إشارة للضغوط الأمريكية على المملكة لاتخاذ مواقف لا تتفق مع اتجاه الشارع السعودي ، الذي يميل إلى التعاطف مع بن لادن وإدانة القصف الوحشي الأمريكي للشعب الأفغاني .
وبغض النظر عن حقيقة وأهداف الحملة الإعلامية الأخيرة على السعودية ، فان العديد من المراقبين يؤكدون إن النظام السعودي بحاجة لإدخال تغييرات واسعة على طريقة عمله وتوسيع المشاركة الشعبية في اتخاذ القرار . خاصة في ظل الأزمة الطاحنة التي تضرب الاقتصاد السعودي ، حيث وصلت نسبة البطالة لأعلى من 30% ، وانخفض متوسط الدخل من 20 آلف دولار سنويا للفرد إلى اقل من 7 آلاف دولار سنويا . ومما دعا الأمير عبد الله لمطالبة السعوديين بـ " شد الأحزمة " لمواجهة الأزمة الاقتصادية الحالية .
ويمكن اعتبار تصريحات الأمير الوليد بن طلال ، ابن شقيق الملك فهد ، بشان ضرورة إجراء إصلاحات سياسية في المملكة وصولا إلى الانتخابات البرلمانية ، مؤشرا على وجود فريق داخل الأسرة المالكة يتجاوب مع دعوات الإصلاح والتغيير . فالنظام الحالي في المملكة لا يسمح سوى بمجلس للشورى له سلطات استشارية ، ويتم اختيار أعضائه الـ 210 عن طريق التعيين .
واعتبر الأمير الوليد الطريقة الوحيدة والناجحة لاحتواء السعوديين، خاصة الشباب منهم ، هي فتح المجال لهم للتحدث بحرية وإشراكهم في الحياة السياسية وجعلهم جزءا من العملية السياسية . وتتفق دعوة الأمير الوليد مع ما طالبت به دراسة أكاديمية سعودية في العام الماضي ، من ضرورة الاستماع لهموم وطموحات الجيل الجديد من السعوديين .
ومن المفارقة إن دعوة الولايات المتحدة لتوسيع مساحة الديمقراطية في السعودية ، تتجاهل حقيقة انه في الحالات التي تم إجراء انتخابات ديمقراطية في دول عربية أو إسلامية ، فان النجاح الكاسح كان من نصيب الأحزاب ذات التوجه الإسلامي ، مثلما حدث في الجزائر وتركيا . وفي تلك الحالتان تدخل الجيش لإجهاض التجربة وإبعاد الإسلاميين المنتخبين بإرادة الجماهير عن مقاعد السلطة ، وسط مباركة أمريكية .
والسؤال هنا : هل سترضى الولايات المتحدة عن وجود نظام إسلامي ، بالقرب من آبار النفط في الخليج ، حتى لو آتى هذا النظام عن طريق صناديق الاقتراع .
إذن ليس جديداً القول بأن المملكة العربية السعودية تشكل مركز الاهتمام العالمي، بالنظر لموقعها الجيو ـ استراتيجي ولما تمتلكه من موارد نفطية ولأنها مهبط الرسالة الإسلامية. وقد  سلطت عليها الأضواء الإعلامية مؤخراً وجذبت إنتباه الرأي العام الدولي  ، لأن غالبية الإنتحاريين الذين نفذوا عمليات نيويورك وواشنطن هم من أصل سعودي وولدوا في هذه البلاد وللسعودية دور أساسي في نشر الدين الإسلامي وفي الدفاع عن تعاليمه ومعتقداته، كما أنها ترتبط بعلاقات وثيقة مع كافة الدول الإسلامية وتحديداً مع باكستان التي تلعب دوراً رائداً في الحرب الأفغانية.لهذه الاعتبارات  فقد أدانت السعودية بشدة العمليات الإرهابية التي استهدفت واشنطن ونيويورك كما دعمت بالمطلق الحملة الدولية ضد الإرهاب ولكنها طالبت بالمقابل  بضرورة التمييز ما بين  المقاومة وما بين الإرهاب  باعتبار أن المقاومة عملاً مشروعاً لشعب يعاني من الاحتلال فيما الإرهاب مدان سواء أتخذ صفة دينية أو استعار أية وجوه أخرى. وبرأي " أن مواصلة الحرب واستمرار العمليات العسكرية لفترة طويلة  تحت شعار مكافحة الإرهاب من شأنه أن يهدد استقرار المنطقة  والعالم الإسلامي برمته ويوفر المبررات لأنصار التطرف وأعمال العنف والإرهابيين في كل مكان من العالم الإسلامي .
وكان للسعودية موقفاً يبدو أنه قد فاجأ الإدارة الأميركية حيث أعلنت الرياض رفضها إتساع رقعة الحرب ضد الإرهاب لتطال لاحقاً أية دولة عربية وتحديداً العراق  لأن الأدلة  والشواهد تثبت عدم تورط هذه الدولة .وفي إطار الحملة ضد "الطالبان "فقد رفض الأمير سلطان بن عبد العزيز  وزير الدفاع السعودي رفضاً قاطعاً أن " تستخدم القوات الأجنبية أراضي بلاده لمهاجمة العرب والمسلمين " .
ومع ذلك أعرب الزعماء السعوديون عن تأييدهم لـ " تدمير الشبكات الإرهابية " فيما اتهم وزير الخارجية الأمير سعود الفيصل الطالبان بأنهم " المسؤولون الرئيسيون عن مآسي الشعب الأفغاني " ، ثم أكد أن العلاقات السعودية الأميركية قوية، وتاريخية ، وصلبة.
وكدليل على موقف المملكة المبدئي المناهض للإرهاب ، قطعت الرياض  علاقاتها الديبلوماسية مع الطالبان بعد أن أدانت بشدة عمليات نيويورك وواشنطن الانتحارية ، وحرصاً على عدم توريطها في أية عمليات ألغت الرياض زيارة كان مقرراً أن يقوم بها رئيس الوزراء البريطاني توني بلير لكنها وعدت  في نفس الوقت بأنها سوف تتشدد  بشأن تبييض وغسل الأموال وتحويل الاعتمادات والمساعدات والأموال " غير الشرعية" أو اللاقانونية . لكنها أكدت بأنها بحاجة إلى إثباتات ودلائل بشأن تمويل الإرهاب . ولايمكنها بأي حال من الأحوال ، منع تقديم الزكاة  ( الضريبة الدينية ) التي هي إحدى الأركان الخمسة للإسلام ، وقد أثار هذا الموقف المبدئي للمملكة استياء الدوائر المعادية للإسلام في العالم الغربي  التي رأت في ذلك دليل على تهاون المملكة مع الإرهابيين وعدم تحمسها في قطع مصادر تمويلهم ووجودهم .وجاءت هذه التطورات متزامنة مع العمليات الإرهابية التي تمارسها القوات الإسرائيلية بحق الشعب الفلسطيني بحيث لام الزعماء السعوديون  الإدارة الأميركية على مساهمتها بإضعاف هذا الشعب من خلال تبني مواقف متحيزة جداً وموالية لإسرائيل ، فقد حذّر ولي العهد السعودي الأمير عبد الله واشنطن من خطورة مثل هذا الموقف ولهذا رفض تلبية دعوة لزيارة الرئيس الأميركي جورج دبليو بوش لزيارة واشنطن  خلال الربيع الماضي كما ألغى رئيس الأركان السعودي زيارة كانت مقررة في 9 أيلول / سبتمبر الماضي  إلى واشنطن مما أدى إلى إستعار الحملة الصهيونية عبر وسائل الإعلام التي تسيطر عليها الدوائر الصهيونية ضد المملكة ونظامها وتوجيه مختلف التهم الباطلة ضدها .
لهذه الأسباب تعرضت السعودية لحملة مغرضة في وسائل الإعلام الغربي ويبدو أن  الصهيونية العالمية تقف وراءها .
ويشعر السعوديون بالحيف والظلم من جراء الحملة الإعلامية الظالمة التي تتعرض لها بلادهم ويعتقدون أنهم " ضحية " لتبعات وتداعيات حوادث الحادي عشر من ايلول 2001 في الولايات المتحدة الأميركية مما دفع بالعديد من فئات الشعب الأميركي  ووسائل الإعلام الأميركية التي تسيطر عليها دوائر صهيونية متنفذة ، إلى صبّ جام غضبهم على المملكة بصورة غير عادلة وغير صحيحة لأن الأميركيون حمّلوا السعودية بدون وجه حق مسؤولية "  راية وتمويل الإرهاب " في حين يعتقد السعوديون أن السبب الرئيسي وراء تصاعد وتفاقم العمليات الإرهابية هو التحيز والدعم اللامحدود الذي تقدمه أميركا لإسرائيل  وسياستها غير العادلة في منطقة الشرق الأوسط وفي أغلب دول العالم الإسلامي .
المسؤولون السعوديون واثقون من أنهم الآن عرضة لجهد مكثف ومدروس ومغرض  لتشويه الحقائق وتشويه صورة المملكة لدى الرأي العام العالمي إذ لايمكن لهم أن يسكتوا عن الدعم الأميركي الأعمى واللامشروط لمجرم عتيد من طراز آرييل شارون مما يستفز مشاعر  العرب والمسلمين في كل مكان .
وحتى لو كان هناك عدد من المواطنين السعوديين من المشاركين في أحداث 11 أيلول / سبتمبر فهذا لايعني إن المملكة العربية السعودية برمتها مسؤولة عن أعمالهم فلا يوجد مجتمع مثالي في العالم يخلوا من منحرفين ووجود سلبيات فيه يفرز عناصراً ضالة وهذا ينطبق على المملكة العربية السعودية مثلما ينطبق على غيرها من الدول .
والمملكة بريئة من نشاط  وعمل أسامة بن لادن وأسقطت عنه الجنسية وهي تحاربه بكل ما يتيسر لديها من سبل ووسائل .
يوجد شعور سائد بين مختلف الأوساط السعودية بأن وسائل الإعلام وبعض المسؤولين الأميركيين يوحون للشعب الأميركي وللرأي العام العالمي بأن السعودية تقف وراء جيش سري من المتطرفين الإرهابيين يشكل العمود الفقري لشبكة القاعدة الإرهابية التي يقودها أسامة بن لادن وقد قدمت الحكومة السعودية الدلائل تلو الأخرى عن عدم تقديمها أية مساعدات مالية أو معنوية لهذا التنظيم ولا لغيره من التنظيمات المتطرفة ونفت بشدة أنها قدمت أموالاً ومساعدات للطالبان في أفغانستان بالرغم من وجود بعض الأفراد الأغنياء في منطقة الخليج العربي ( في السعودية وغيرها من دول الخليج ) ممن قد يكونوا قدموا بعض المساعدات المالية أو ساهموا بشكل غير مباشر في تمويل بن لادن في فترة ما أثناء خوضه لأعمال المقاومة للغزو السوفيتي .
لقد ألقت أحداث 11 أيلول / سبتمبر  الضوء على الهوة التي تفصل بين التصور الأميركي والتصور السعودي للأحداث في العالم وللسياسات الخارجية وللموقف من الإرهاب وتمييزه عن المقاومة الوطنية المشروعة ضد الاحتلال الصهيوني فمشاعر السعودية مازالت متأججة ومنفعلة من الموقف الأميركي إزاء بلادهم وتحميلها مسؤولية ما حدث  للولايات المتحدة كردة فعل لسياستها غير العادلة وغير المنصفة في العالمين العربي والإسلامي . ومن المؤكد أن تلك الأحداث المؤسفة أحدثت مراجعة جذرية للذات السعودية .
لقد ردد الكثير من المسؤولين السعوديين مثل الأمير تركي الفيصل أن شعب المملكة العربية السعودية ونظامها ليسوا أعداء للولايات المتحدة الأميركية بل أصدقاء وحلفاء منذ أكثر من 70 عاماً لكن أميركا هي التي وضعت المملكة ومسؤوليها وشعبها في هذا الوضع الصعب من جراء سياستها غير المتوازنة وازدواجيتها  وكيلها بمكيالين في علاقاتها مع العالم العربي وإسرائيل فهل صبر السعودية وصمتها الذي لم يعد ممكناً هو الخطأ الذي يجب أن تدفع ثمنه ؟ لقد نظرنا دائماً إلى أميركا كصديق وعليها ان تقيّم جدياً هذه النظرة وتصحح سياستها  تجاهنا " كما يقول أحد المسؤولين السعوديين الكبار" وعلى حد تعبير أحد المثقفين والأساتذة الجامعين ممن درسوا في الولايات المتحدة الأميركية ويعرفون المجتمع الأميركي جيداً : " كنّا نشعر ونعتقد جازمين حتى تاريخ الأحداث المؤلمة في 11 ايلول / سبتمبر إن العلاقة بين المملكة وأميركا متينة لكن الناس أصيبوا بصدمة حقاً من الهجمات الإعلامية والتشويهية ضد بلادهم وهم غير سعداء وغاضبون جداً وقد يضغطوا على مسؤوليهم لوقف كافة أشكال التعاون والتنسيق والتحالف مع هذه الدولة التي تهجم عليهم ليلاً نهاراً في كافة وسائل الإعلام المكتوبة والمسموعة والمرئية .
ووصل الأمر ببعض الصحف اختلاق المواضيع والتكهنات مثل إدعاء صحيفة "الواشنطن بوست" التي نشرت خبراً مفاده أن السعودية ستطلب إنهاء التعاون العسكري الأميركي السعودي وستطلب من القوات الأميركية مغادرة قواعدها في المملكة. مما حدا بالرئيس بوش إلى نفي هذا الخبر علناً من طائرة الرئاسة في اتصال له مع ولي العهد السعودي الأمير عبد الله بن عبد العزيز مشيداً بالعلاقات القوية والمتينة التي تربط الولايات المتحدة بالمملكة ونفي ماورد في التقارير الصحافية وأكد الرئيس الأميركي أن التعاون بين البلدين متين ومفيد جداً وضروري لاستقرار المنطقة  وان العلاقات تسير بصورة حسنة جداً كما قال وزير الخارجية الأميركية كولن باول في حين أعلن مساعد باول للشؤون السياسية لنكولن بلومفيلد  أن بلاده تقدر وتثمّن تعاون السعودية وأن الإعلام الأميركي المتحرر من أية رقابة هو الذي يشن الحملات الإعلامية المعادية للسعودية وهذا الإعلام لايعكس الموقف الرسمي لحكومته التي تحرص على تواصل وتمتين  العلاقات الإيجابية والتاريخية بين الجانبين خاصة في المجالات العسكرية والأمنية وإن ما حصل من اعتقالات احترازية بين صفوف السعوديين المقيمين والدارسين في الولايات المتحدة جاء نتيجة الصدمة التي أصابت الشعب الأميركي بعد أحداث 11 أيلول وضرورة اتخاذ أجراءات أمنية مشددة لاتستبعد أي إحتمال.لقد دقت أجراس الخطر لدى بعض المسؤولين الأميركيين المعنيين بالشأن السعودي لأن من شأن إستمرار مثل هذه المواقف المتشنجة تجاه المملكة أن يؤدي إلى خسارة حليف كبير لايقدر بثمن في المنطقة خاصة بعد خسارة الحليف الإيراني بعد الثورة الإسلامية لذلك لاتعمل الإدارة الأميركية على فرض شروط أو تقديم مطالب تعجيزية للسعودية شأنها مع باقي البلدان الأخرى نظراً لحساسية الموقف السعودي باعتبار السعودية قائدة للعالم الإسلامي . ويقوم مسؤولون أميركيون كبار في مجلسي الشيوخ والنواب ( الكونغرس )  وموظفين كبار ومستشارين بتزويد وسائل الإعلام بمعلومات خاطئة وكاذبة لتشويه صورة العرب والمسلمين عمداً خاصة السعوديين منهم الذين يقبع العشرات منهم لحد الآن في سجون الولايات المتحدة الأميركية بلا أي ذنب ارتكبوه سوى أنهم سعوديون ويتعرضون لمعاملة قاسية.
أما فيما يتعلق بما تناقلته وسائل الإعلام عن وجود خلاف سعودي ـ أميركي بشأن التواجد الأميركي العسكري في السعودية فقد شدد وزير الخارجية كولن باول ووزير الدفاع دونالد رامسفيلد على أن وجود القوات الأميركية في قاعدة الأمير سلطان في الخرج هو بموافقة السلطات السعودية وفق برنامج تعاون قائم بين الجانبين وهو تعاون وثيق، والعلاقات بينهما ممتازة والاتصالات مستمرة على أعلى المستويات وإن أميركا لم تتلق أي إشعار أو طلب أو اقتراح من جانب السعودية بإخراج القوات الأميركية الموجودة هناك وليست موجودة بالقوة أو ضد رغبة الطرف المضيف لها وقال أنه من خلال تشاوره ومحادثاته مع وزير الخارجية السعودية وسفير الولايات المتحدة في واشنطن لم يسمع بمثل هذا الاقتراح الذي اختلقته إحدى الصحف الأميركية. وعلى أية حال تراجع أميركا في كل مرة ووفقاً للظروف والمتغيرات الدولية مسألة انتشار قواتها في العالم حيث يجب أن تنتشر بالشكل الملائم لمصالح الولايات المتحدة الأمنية والحيوية وفق ترتيبات معينة وتبعاً لما تطلبه منّا الدول الصديقة والحليفة في إطار علاقة تفاهم  وتعاون وطيد ووثيق تشكل أساساً لروابط راسخة وطويلة .
أما ريتشارد مورفي مساعد وزير الخارجية السابق  فقال إن الحملة على السعودية ليست في صالح الولايات المتحدة الأميركية ولا تعكس توجهات داخل الإدارة الأميركية ولا تمثل اجتهاداً أو تياراً داخل الحكومة الأميركية  في حين عقّب روبرت بيلليترو مساعد وزير الخارجية الأسبق بأن العلاقات بين البلدين من القوة بمكان أنها لاتتأثر بحملة انتقادات صحفية ولا يمكن زعزعتها بشائعات أو حملة أكاذيب .
لقد أكدت السعودية موقفها المبدئي والثابت في محاربة الإرهاب الذي كانت هي إحدى ضحاياه وتقوم بمكافحته لأنه خطر يؤذي جميع دول العالم دون استثناء .
لقد شاب العلاقة بين السعودية وأميركا بعض التوتر بسبب موقف السعودية المبدئي من القضية الفلسطينية والعدوان الإسرائيلي السافر على الشعب الفلسطيني وموقف التأييد الأميركي لهذا العدوان .
أما بعد احداث 11 أيلول / سبتمبر الدامية فإن الأميركيين فقدوا صوابهم وصبرهم وفي سياق حملتهم العسكرية ضد الإرهاب وحشد التأييد العالمي لتلك الحملة تقدموا بطلبات محددة من بعض الدول الصديقة والحليفة ضد بن لادن والقاعدة والطالبان وكان من بين تلك الدول العربية السعودية وبدا أن الولايات المتحدة كانت مستعجلة بالحصول على الرد والتأييد المطلق بلا قيد أو شرط من جانب الأصدقاء والحلفاء ونست الطرق المعتادة في التعامل مع دول في مكانة العربية السعودية حيث تجري الأمور بهدوء وروية فحصل انطباع بأن السعوديين مترددون وتؤجل تقديم أجوبتها وتكفلت وسائل الإعلام بالتعبير عن هذا التردد وبالرغم من توضيح الموقف السعودي بالتمام لدى المسؤولين  الأميركيين  إلاّ أن سوء الفهم مازال متفشياً بين وسائل الإعلام الأميركية وركزت الجهات الإعلامية الأميركية على تصريحات المسؤولين السعوديين الكبار واستغلال البيانات الرسمية السعودية بعدم السماح باستخدام الأراضي السعودية كقاعدة لإنطلاق هجمات  على أي دولة إسلامية وهذا موقف مفهوم ومعذور وإن السعودية قامت بدورها في تحرياتها لمراقبة وتقصي اثر الأموال والمساعدات التي تقدم للجمعيات الخيرية الإسلامية وكيف تنفق وأين تذهب . وقد أعربت المملكة عن انطباعها بأن الإعلام الأميركي جاهل ومغفل ولايعرف شيئاً عن المملكة وطبيعة علاقاتها بالولايات المتحدة الأميركية وهي أعمق من كونها علاقة مصلحة متبادلة أو تقتصر على كون السعودية بلد يصدر النفط لأميركا . وعلّق روبرت بيلليترو على أن سبب نشوء سوء الفهم هو عدم وجود جهد كاف لشرح السياسة السعودية للراي العام الأميركي من جانب الحكومة الأميركية مما ترك المجال مفتوحاً لوسائل الإعلام المغرضة  والحاقدة لتخلق إنطباعاً بأن التعاون بين الحكومتين السعودية والأميركية لم يكن جيداً وهو انطباع غير حقيقي وغير صحيح . وكانت بعض وسائل الإعلام الأميركية المتحاملة على السعودية وتعمل لصالح إسرائيل قد شنت حملة ظالمة على المملكة حتى قبل  أحداث الحادي عشر من سبتمبر / أيلول لتضليل الرأي العام  متهمة السعودية بأنها ترفض التعاون والتنسيق مع أميركا في موضوع مراقبة وضبط الأموال والمساعدات والتحري بشأنها والتي يتم التحايل بشأنها وتحويلها عن مسارها لتذهب لتمويل الإرهابيين في حين كان كبار المسؤولين السعوديين في يوم وقوع التفجيرات في طريقهم للولايات المتحدة للبحث في هذا الموضع بالذات ولكن لم يشر أحد إلى هذه الحقيقة التي طمستها وسائل الإعلام .
 وهكذا بات واضحاً ماهي دوافع الذين يتهجمون على المملكة ونظامها  وينتقدون مواقفها وسياستها والأسباب التي تجعلهم يقفون هذه المواقف المتشنجة من المملكة العربية السعودية اليوم وذلك لأنهم لايؤيدون المملكة في تطبيقها للشريعة الإسلامية واعتبارها دستوراً للبلاد ومصدر تشريعاتها الوحيدة ، ولا يقبلون مواقفها المبدئية تجاه القضية الفلسطينية ، ولا يوافقون على دورها في توسيع رقعة الإسلام ودعم أركانه ووجوده مادياً ومعنوياً لأن في ذلك خطراً عليهم كما يعتقدون ، ولايحبذون إستقلالية المملكة في سياستها واقتصادها وإدارة شؤونها الداخلية وتوجهاتها الخارجية التي تتعارض في الكثير من النقاط مع سياسات واقتصاديات وتوجهات الدوائر الغربية  وتتناقض كلياً مع مخططات الدوائر الصهيونية المهيمنة على أجهزة صناعة القرار  الغربية.
والجدير بالذكر إن ولي العهد السعودي الامير عبد الله  قد<<نصيحة>> الى الرئيس الاميركي جورج بوش بمراعاة مصالح الولايات المتحدة مع السعودية والعرب، واكد على التمييز بين المقاومة والارهاب، وكشف النقاب عن ان المملكة تبذل جهودا لفك الحصار المفروض على الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات قائلا انه سيحضر القمة العربية في بيروت التي <<ستعقد في موعدها>>.
ولم يكشف الامير عبد الله عن تفاصيل الجهود السعودية لفك الحصار عن عرفات ووصف ما يتعرض له الرئيس الفلسطيني بانه <<غريب جدا>>.
وفي حوار اجراه مع المشاركين في المهرجان الوطني للتراث والثقافة في الجنادرية، قال ولي العهد السعودي <<ما من شك الموقف غريب. وغريب جدا ان يسجن زعيم. ما حدث ذلك ابدا>>.
واضاف ان المملكة <<تبذل وستبذل جهدا ولكن من طبيعة هذا البلد ان لا يفتخر بالشيء الذي يؤديه نحو اخوته ونحو الاسلام>>.
وكان الامير عبد الله يرد على سؤال عن <<موقف الولايات المتحدة مما يتعرض له الشعب الفلسطيني وعرفات الذي يتعرض للسجن في رام الله>>. وردا على سؤال عن جهود سعودية ليتمكن عرفات من حضور القمة العربية المقبلة في بيروت، قال الامير عبد الله ان <<القمة ستكون فى لبنان في الموعد المحدد وان شاء الله سيكون الاخ ياسر عرفات بيننا>>.
ودعا <<الامة العربية والامة الاسلامية>> الى <<التكاتف وجمع الكلمة وجمع القلوب والصدق قبل كل شيء والصراحة>>. وطلب من <<الامة العربية والاسلامية أن تتكاتف لان التفرقة لا تورث إلا الهوان والجمعة لا تورث إلا القوة والكرامة>>.
وحول اعلان الادارة الاميركية المتعلق باقامة دولة فلسطينية، قال الامير عبد الله مشيرا الى هجمات 11 ايلول ان <<كل شيء كان قبل الحادثة وكان سيحصل كل شيء لكن ارادة الله صارت الحادثة وحصل عكس ذلك حتى بعد الحادثة كان سيحصل شىء وانتم اعلم بما حدث>>.
واوضح ان المراسلات التي اجراها مع الولايات المتحدة وادت الى هذا الموقف ستبقى <<مخبأة لوقتها>>. وقال انه <<كان بودي ان تقرأ لكم ولكن مع الاسف فيها شيء لا يعني المملكة>>.
و<<نصح>> ولي العهد السعودي الرئيس الاميركي جورج بوش ب<<مراعاة مصالح>> الولايات المتحدة. وردا على سؤال عن الحملة لمكافحة الارهاب التي تشنها الولايات المتحدة، قال الامير عبد الله <<نصيحتي لفخامة الرئيس بوش ان يراعي مصلحة اميركا وهذه تكفينا عن كل شيء>>.
واكد ان <<الارهاب منبوذ اصلا من الامة الاسلامية والامة العربية وكل شريف لا يقبل الارهاب>>، مشددا في الوقت نفسه على ان <<المقاومة غير الارهاب>>. وقال انه <<عندما ادافع عن ديني وارضي وشرفي وعرضي فهذا ليس ارهابا بل شرف وشرف لكل انسان يقاوم عن ارضه وعرضه ودينه قبل كل شيء وشرفه>>.
ودعا بوش الى <<مواجهة المخدرات بعد مواجهة الارهاب>>. قائلا انه <<يجب على العالم بأجمعه أن يحارب هاتين الآفتين>>.
وتعليقا على مواقف المملكة من القضية الفلسطينية قال الامير عبدالله <<تحيتي إلى أخوتي وأبنائي الشعب الصامد، الشعب الذي رفع هامة العرب والاسلام شامخة. أتمنى إن شاء الله أن نصلي كلنا في يوم من الايام في القدس الشريف>>.
وعن طرح مشروع الدفاع العربي المشترك في القمة العربية القادمة في بيروت في آذار المقبل، قال ولي العهد السعودي ان <<الدفاع ليس بالحديد. الدفاع بالقلوب. إذا توحدت القلوب حصل كل شيء وأتمنى هذا>>.
هذا وقد أجري استطلاع للرأي بين صفوف الشباب والمثقفين السعوديين  اعترف به الأمير نايف رئيس المخبارات السعودية الجيد ، وأظهر بأن نسبة 95% منهم يؤيدون قضية بن لادن ضد الولايات المتحدة الأميركية لكنهم ضد عمليات نيويورك وواشنطن  إلا أنهم مستائين من السياسة الأميركية الموالية بلا شروط لإسرائيل والمناوئة للإسلام والمسلمين .




https://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن