الظاهرة الطائفية في العراق : التحولات والبدائل . - الجزء الخامس

علاء اللامي
allamialaa@hotmail.com

2002 / 8 / 27

 

                                   " الجزء الخامس  "

                                                             

                                                                                     

العصر الذهبي القصير :

...ويستنكر الكاتب أحمد الزيدي أن "يجلس السنة على رأس السلطة" في حين يجب على الشيعة  (أن يموتوا ويقاتلوا ويحموا الدولة ويشكلوا لحمة الأجهزة التي تحافظ عليها ) ([1]) وصولاً إلى العهد الجمهوري بعد انقلاب 14 تموز 1958 ومجيء عبد الكريم قاسم وهو من أب سني وأم شيعية، والذي يقول عنه الكاتب أنه ( وجد نفسه مضطراً لأن يرفع البؤس والفقر عن طبقات مستضعفة ومسحوقة..) ([2]) ولا ندري لماذا حشر الكاتب عبارة "وجد نفسه مضطراً " هنا! أيستكثر عليه أن يفعل ذلك وهو الذي يقول عنه بعد قليل ( إن عبد الكريم قاسم هو الشخص الوحيد-؟ - في تاريخ العراق ممن عمل على خلق روح جديدة ونمط جديد في الحكم.. )؟([3]) دون أن يجرؤ  الكاتب على تسمية هذا النمط الجديد بأنه لا طائفي، لا بل إن النظام الجديد اعتبر من قبل الكثيرين بأنه ممالئ للشيعة، ووصفه اليمين القومي ، وخصوصاً حزب البعث الذي كانت قيادته من الشيعة في غالبيتها كما أشرنا سابقاً ، بأنه شعوبي . علماً، وفي هذا ما يفاجئ الآخذين بالتفسيرات الطائفية، علماً بأن مجلس قيادة الثورة أو مجلس القادة كما كان يسمى والذي قاده عبد الكريم قاسم كان من حيث الانتماء الطائفي لأعضائه، سنياً بنسبة 100%. وكانت وزارة قاسم الأولى تضم ستة وزراء من السنة وأربعة من الشيعة وثلاثة من الأكراد، أما وزاراته الثانية فقد ضمت ثمانية وزراء من السنة وثلاثة من الشيعة وثلاثة من الأكراد([4]). فكيف تفسر العقلية الطائفية هذا اللغز المحير؟ نظام ثوري محسوب أو  منحاز الى الشيعة ، أو في الأقل لا طائفي ، في حين تتشكل قيادته كلها أو أغلبها  من السنة.

  إن العقلية الطائفية وقد استعصى عليها حل اللغز لجأت إلى تكتيك النعامة فدست رأسها الصغير في الرمال  واعتبرته غير موجود. إن التفسير المنطقي لهذه "المفارقة " هو ذلك الذي يستند إلى التاريخ الواقعي إذ إن تلك الثورة ، التي بدأت بانقلاب عسكري ، تقرأ من حيث برامجها السياسية والاجتماعية الطبقية لا من حيث التركيبة الطائفية لقيادتها . وقد كانت حركة التغيير الثوري  آنذاك واضحة في انتمائها الطبقي وفي سياستها الداخلية والخارجية و لهذا السبب بالضبط هبت الملايين من أبناء الطبقات الفقيرة للدفاع عنها ومساندتها ؛ كما مارس وجود الحزب الثوري اليساري ، عميق الجذور في تربة العراق ، والذي مثله الحزب الشيوعي العراقي، رغم كل التحفظات التي تقال عن خطه السياسي وبنيته الستالينية في تلك المرحلة، نقول ، مارس دوراً فاعلاً وعميقاً في تنظيم وتوجيه التحرك المليوني الجماهيري، الذي فرضت طبيعة الانقسام الطائفي للمجتمع تأثيرها في أن تتخذ أرقام النسب على مستوى القاعدة تلك الهيئة . إن المؤلف يعترف بجزء من الحقيقة وبطريقته الخاصة حين يقول إن قاسم  ( قد أثار حفيظة الإنكليز وأصبح العراق يعيش جواً مشحوناً بالتوتر والاضطراب كان للقوى الكبرى اليد الطولى في التخطيط لها ودعمها وأدت في آخر المطاف إلى الإطاحة بحكم قاسم وقتله ) ([5]) وهذه شهادة يجب الانتباه إليها، يعترف الكاتب من خلالها بأن الإنكليز وعملاءهم المحليين هم من انتقموا من قاسم وضباطه اليساريين ، وهو هنا يختلف مع مرجعه  الشيعي آية الله محسن الحكيم والذي قال لرئيس الوزراء الانقلابي " طاهر يحيى " والذي يكنيه العراقيون بأبي فرهود لكثرة ما نهب "فَرْهَدَ " من أموال الشعب، وبعد مرور أقل من عام على مقتل قاسم ورفاقه والآلاف من اليساريين والديموقراطيين العراقيين، قال الحكيم  ( لقد سبق أن قلنا لبعض الحكام الذين انتقم الله منهم أن الشعب العراقي شعب مسلم متدين لا يرضى بغير الإسلام شريعة ونظاماً.. )([6]) وثمة فرق - والحق يقال - بين من يقول أن الإنكليز وعملاءهم انتقموا من قاسم ونظامه الذي اغتصب أراضي الإقطاعيين "المسلمين المتدينين" وبين من يقول أن الله هو الذي فعل ذلك. والثابت أن الإنسان العراقي البسيط والعارف بخبايا تاريخه، يستصعب تصديق أن الله وقف مع الإنكليز والانقلابيين عام 1963، ولهذا فهو سيميل- ونحن معه- إلى تصديق شهادة صاحب كتاب "البناء المعنوي" !

اللعب الطائفي بالدماء :

وبعد أن انتصر الإنكليز والانقلابيون على العراقيين، يروى لنا الكاتب ما حلّ بالشيعة من فضائع ! وسيكون مملاً التذكير بأن ثلثي قيادة الحزب الذي قاد الانقلاب- حزب البعث- كانت من الشيعة، ولكن الكاتب يسطر بكل برودة أعصاب ( تم تصنيف أعداد من الشيعة على أنهم يستحقون الموت وتمت تصفيتهم بأعصاب باردة إشباعاً لرغبة الانتقام المخزون، وكل ذلك كان يجري باسم القضاء على الشيوعية .. )([7]) إنها حرب على الشيعة شنها السنة إذن، كما سيصرح بذلك مراراً وتكراراً كوادر الأحزاب الطائفية. ولكننا نقف على شهادة أخرى ومختلفة، ترسم لنا بعض قسمات المشهد السياسي في عهد قاسم. فقد كتب حسن العلوي في كتابه سابق الذكر ( ولما لم يكن للمعارضة الشيعة الدينية نفوذ واسع في المدن الشيعية التي انتصرت لقاسم، لجأت هذه المعارضة في بعض الأحيان لممارسة نشاطها في مدينة الأعظمية " السنية ".. وقد كشفت تلك التطورات عن ظاهرة جديدة. فالمتدينون الشيعة والعلماء الذين يناوئون السلطة، لم تتوفر لهم امتدادات شعبية واسعة بالقدر الذي يتوفر لعلماء السنة في مناطقهم، بسبب سيطرة ونفوذ الحزب الشيوعي العراقي، ومؤيدي حكومة الثورة، وانتشار الأفكار اليسارية في أوساط الأغلبية الشعبية.. وكانت صور علماء الدين الشيعة المناوئين لقاسم محمية في المناطق السنية، أكثر منها في المناطق الشيعية.. )([8]) فإن هذه الصورة لربيع بغداد والعراق في ذلك العهد الثوري، صادقة تماماً، ومعروفة للقاصي والداني وبتفاصيل مثيرة أخرى وضعت النظام الطائفي وكافة إفرازاته على كف عفريت، وكادت تنتقل بالعراق إلى عصر جديد يقوم على ديموقراطية اجتماعية جذرية ودولة علمانية محايدة طائفياً، ولكنه- العراق- أغرق في بحر من الدماء .

  إن ما لا يريد الخطاب الطائفي الجديد تصديقه والاعتراف به، هو أن يكون الشيعي شيوعياً، أو لنقل أنه يعتقد بأن الشيعي سيظل شيعياً طائفياً سواء صار بعثياً، أو شيوعياً، أو نازياً. فالانتماء للطائفة يشبه عنده الخروج من التاريخ ، والحال، فقد كان على انقلابيي 8 شباط 1963، ولكي ينفوا عن أنفسهم تهمة الطائفية، التي تصرخ اليوم : كانت تلك حرب على الشيعة لا على الشيوعيين. نقول كان على أولئك القتلة، أن يطلقوا الرصاص أيضاً على الُسنة في شوارع الأعظمية والرمادي والموصل لمراعاة  النسب الطائفية ! إن الخطاب الطائفي المنفلت من مأساته الخاصة، بوصفه صيحة عصر الانحطاط الأكثر دوياً، يلامس وفي أحوال كثيرة سقف الملهاة ! هل أردنا أن ننفي مقتل أعداد من الأبرياء- شيعة وسنة و..إلخ- في تلك المجزرة ؟ كلا قطعاً.ولكننا أردنا فضح محاولة اللعب بدماء الأبرياء لأغراض سياسية وطائفية .

وبالمناسبة فالكاتب أحمد الزيدي وهو البعثي  الشيعي القديم يبوح في هامش صغير في تلك الصفحة بما حرفه ( اشترك المؤلف في أحداث 8 شباط 1963 ولا تزال ذكريات أيامها الدامية ماثلة في ذهنه إلى اليوم) ([9]) والأكيد الأكيد، أن السيد العقيد لم يشارك في تلك الأحداث بوصفه مصورأً صحفياً، ولا حتى بائع مرطبات، فهل كان واحداً من أولئك الشيعة- الشيوعيين- الأبرياء ؟ إن سؤالاً كهذا قد نجد الإجابة عليه مستقبلاً في ساحة القضاء اللا طائفي وبعد أن تكون الطائفية قد تحولت إلى رماد على أيدي كادحي جميع الطوائف العراقيين.

تمييز طائفي مضاد :

إن نفي صفة المواطنة عن ابن الطائفة المقابلة والمخالفة، واحد من أخطر أهداف  الخطاب الطائفي الراهن ، ولكنه ليس هدفاً وحسب، بل هو وسيلة يتحول بواسطتها الكيان الطائفي الفائز بالسلطة وأدوات قمعها، إلى شعب ، أما مكونات الشعب الأخرى من طوائف وقبائل وأحزاب.. إلخ  ، فسوف يتم إخراجها من دائرة " شعب الطائفة النقي " عن طريق الهدف/ الوسيلة بشكل سافر ومباشر، لما قد يثيره من ردود أفعال من أطراف اللعبة الأخرى ، ولأنهم- القائمين على/ والقائلين بالخطاب الطائفي - محكومون بحركة وتعقيدات الواقع السياسي والاجتماعي، فهم يؤجلون تلك الأجزاء من برنامجهم، أو يلمحون إليها تلميحاً، حيث يجري استبعاد أحزاب سياسية معينة ولها وزنها وعراقتها لأسباب تتعلق بالكفر والإلحاد مثلاً، كما جرى للحزب الشيوعي العراقي وتنظيمات سياسية عراقية أخرى ، في اجتماع دمشق في العام الجاري (1996) لأسباب كتلك الآنفة .

 وهكذا يملي الواقع السياسي المتعفن نتائج مشابهة له نوعاً، وبدلاً من أن نرى الحزب المذكور يرفض الدخول في اللعبة الطائفية ويفضح أطرافها ويقاطعها رأينا ممثليه يطردون من قاعة الاجتماع . أما صاحب "البناء المعنوي " فقد قام بشيء مشابه حين تصدى للآلاف من المواطنين العراقيين يعرض بهم ويزدري عقائدهم ويحرض الجنود على الضباط الذين ينتمون لهم لسبب له مغزاه . فهؤلاء الآلاف ينتمون للطائفة " اليزيدية " أو لقبيلة كردية تسمى "الجرجرية" فيتهمهم بالانتهازية وبالقذارة والكفر. وهو يعتبر قول الجندي العراقي الشيعي كلمة "سيدي" للضابط العراقي اليزيدي أو الجرجري إهانة للشيعي وإساءة لمذهبه([10]). إن هذا الموقف المستفز لكرامة الناس، والذي ينفي في مؤداه صفة المواطنة عن آلاف العراقيين لكونهم ليسوا من طائفة المؤلف ، دليل على أن الخطاب الطائفي العراقي لم يغادر قط عصور الانحطاط التي أعقبت سقوط بغداد العباسية، وهو من هذه العصور بمثابة الجنين المسخ من الرحم المظلم.

فما هو الحل الذي يرتضيه السيد العقيد لحل هذه المشكلة- الكارثة- مشكلة وجود عدد من الضباط العراقيين من الطائفة اليزيدية في الجيش؟ هل يريد تشكيل جيش خاص بالشيعة وثان خاص بالسنة وثالث باليزيدية ورابع.. إلخ، ليتذابح الجميع على الطريقة الأفغانية أو اللبنانية !؟ أم أنه يفضل استئصال هؤلاء "الكفار القذرين " لتخلو الساحة له ولسواه من المؤمنين بحزب الطائفة الفلانية "المجاهد" ضد الطائفة المنافسة أو القوة السياسية الفاضحة ؟ إن الطائفيين  يعلنون اليوم وهم، خارج السلطة، عن تكفير اليزيديين وتقذيرهم ، فما الذي يمنعهم غداً وحين تكون المشانق طوع أوامرهم من تكفير العراقيين السنة ؟ خصوصاً وأن السنة من "دافعي الإمامة"، أي أنهم لا يعتقدون ولا يؤمنون بسلسلة أئمة الشيعة، والحكم بتكفيرهم راسخ وقديم، وقد ورد في الكثير من كتب الفقه الشيعي ففي (تلخيص الشافي) وكذلك في (مجموع كلام السيد المرتضى) نقرأ ما حرفه (إن دفع الإمامة كفر، كما أن دفع النبوة كفر لأن الجهل بهما على حدٍّ واحد، لأن منطلق الإمامة هو منطلق النبوة.. وامتازت الإمامة على النبوة بأنها استمرت بأداء الرسالة بعد انتهاء دور النبوة.. إن النبوة لطف خاص، والإمامة لطف عام )([11]) هذا بخصوص العراقيين السنة وهم مسلمون كالشيعة الذين يكفرونهم فماذا سيحصل للعراقيين المسيحيين واليهود ؟ وبالمناسبة فإن الطائفيين  السنة بدورهم يكفرون الشيعة على أساس القول الشائع والذي تأخذ به أغلب المذاهب والحركات السياسية السنية الحديثة، والقائل ( من كَفَّرَ الشيخين- أبا بكر و عمر - فقد كفر.) أو ( شاتم الشيخين كافر ). إن برميل البارود ممتلئ وجاهز فهل سيسمح العراقيون لزمر الطائفيين بإتمام رقصة حربهم حوله والشرر يتطاير من فتاويهم السوداء ؟

نحو خطاب مضاد للطائفية والطائفيين:

 إن الاعتراف بوجود الطائفة أو مجموعة الطوائف، بوصفها معطىً تاريخيا عمره مئات السنوات، لا تترتب عليه المطالبة بحقوق خاصة - على الرغم من أن الطائفيين لا يصرحون عموما بنوع هذه الحقوق – و امتيازات و أفضليات لهذه الطائفة أو تلك . فحقوق الطوائف وسيرورة الصراع عليها  ومن أجلها بين الطوائف تكرس الظاهرة الطائفية وتُصَفِّحُ صبواتها وأوهام القائمين عليها بقوة القانون والدستور فتتكرس بالتالي سيادة الخطاب الطائفي الفلاني على حساب الآخر المسيود .

   لقد لاحظنا في إحدى القراءات السالفة ،أن عدم الاعتراف بوجود الطائفة، لم يقد هو الآخر، إلى بناء خطاب مناهض ومناقض لهذه الظاهرة. بل انتهينا- مع حسن العلوي مثلاً- إلى مجموعة من العبارات الإنشائية الغامضة والفضفاضة من قبيل: أن الحل الصحيح هو الذي يخرج من طبيعة المرحلة! أو: إن الحل والعلاج يكمن في انتباه العراقيين إلى هذه الحقيقة والتخلي عن تمذهب الدولة. ويخامرنا الاعتقاد بأن الكاتب وقد اقترب كثيراً من تلمس ملامح الخطاب المضاد للطائفية والقائم على أساس ديموقراطي علماني، امتنع، ربما لأسباب خاصة ولا تعنينا ، عن الجهر بتلك الملامح والأسس .

إيجابية سارة من الزيدي :

أما العقيد أحمد الزيدي ، ومع أنه فاق أكثر  الطائفيين تطرفاً وعدوانية، فمنه جاءت المفاجأة السارة حين وضع يده في التفاتة عجيبة، على جوهر الحل. ففي فصل طويل من كتابه المنقود آنفاً، اختلط حابلُه ُبنابلِهِ ِ، كتب في لحظة صدق وصفاء:  ( وإلى أن نصل إلى المجتمع الذي يأخذ فيه كل ذي حق حقه ومكانه الطبيعي في حركة المجتمع.. وعندما يخلو المجتمع من تلك الترسبات التي يحملها القابعون خلف أستار اللعبة ، القادمون من أعماق التخلف والجاهلية.. وعندما ينحسر الإصغاء إلى هؤلاء وتحريضهم الدائم والمستمر على تمزيق الشعب وتحطيم الوطن فإنه يمكن القول بأننا استطعنا أن نصل إلى المرحلة التي يستطيع فيها الإنسان العراقي أن يقول بأنه مواطن له ما لغيره وعليه ما عليهم ، تحكم سيره قوانين وأنظمة ارتضاها الناس جميعاً وتطبق عليهم جميعاً ودون استثناء) ([12])  ورغم أن الكاتب لم يتخلص تماماً من الزغب الطائفي على جناحيه خصوصاً حين أسند تحقيق هذه المهمة إلى (  المخلصين من أبناء الوطن السنة والشيعة ) مستثنياً أبناء العراق من الطوائف الأخرى، نقول رغم ذلك فإننا لا نعرف السبيل لجعل القارئ يصدق بأن قائل هذا الكلام هو نفسه من أهان وعرَّض بالآلاف من مواطنيه لأسباب طائفية صريحة ومدانة شكلاً ومضموناً .

  لا سبيل إذن سوى العودة إلى الكتاب المذكور ومطالعة نصوصه. الأمر الهام في نظرنا هو أن هذا النص ، مأخوذاً بكليته وبعمومية القول، ينطوي على بذور حقيقية لخطاب مضاد للطائفية نسميه نحن الخطاب المعبر عن برنامج ديموقراطي علماني بوصفه الحل الصحيح الممكن والواقعي الذي يؤدي إلى تحويل أبناء هذه الطائفة وتلك وعداهما إلى ذوات إنسانية حرة ومستقلة ومنفصلة عن أية هيمنة سياسية وثقافية واجتماعية للطائفة. إنه البرنامج الذي يضمن فعلاً وقولاً حقوق جميع المواطنين بوصفهم شعب واحد منصهر أو في سبيله إلى الانصهار في ذات أو ماهية واحدة يلخصها اسم- الشعب العراقي- ويضمن حق هذا الشعب في اختيار الهيئة الحاكمة لدولة حديثة وصاحبة سيادة حقيقية، بأسلوب الاقتراع السري المباشر ولسنوات معلومة محدودة.

إن العداء للطائفية والطائفيين لا يعني ولا يترتب عليه إطلاقاً اضطهاد أية طائفة أو مجموعة مؤمنة ومنعها من ممارسة طقوسها وشعائرها الدينية، فالطائفة شيء والطائفية شيء آخر ومختلف تماماً. والناس، كما يقول طه حسين منصرفون بطبعهم إلى حياتهم اليومية، إنما الخوف كل الخوف من الطائفيين الذين أرادوا ويريدون اليوم امتطاء الطائفة وسوقها على درب العذاب والآلام لكي يصلوا إلى سدة الحكم قبل غيرهم من طائفيي الطرف الآخر.

  إن الخطاب المضاد للطائفية وللطائفيين، القائم على الخيار الديموقراطي العلماني " المحايد دينا وطائفيا " ، يعتبر ضرورة حياتية لازمة ولا مندوحة عنها للعراق والعراقيين. وإذا كان النظام القائم يبتز العراقيين جميعاً بقوله  : إما أنا أو الطاعون ! ملمحاً إلى إمكانية نشوب حرب أهلية طائفية في حال رحيله ، فإنه يؤكد حقيقتين خطيرتين: الأولى أن العراقيين في غالبيتهم الساحقة معادين للطائفية، أو في الأقل، لا طائفيين طبعاً وتطبعاً وهذا مما يبعث على الأمل. والثانية هي رعب النظام وخوفه القاتل من بروز وتجذر بديل ديموقراطي علماني قوي يفضح ابتزازه وكذبه، ويكون نده وعدوه الحقيقي. إن مسؤولية النظام عن ترسيخ و تفاقم الظاهرة الطائفية ثابتة و كبيرة، وخصوصاً خلال انتفاضة آذار 91 والتي أجهضتها ثلاثة عوامل: قمع النظام الدموي، وتخريبها داخلياً على أيدي بعض الطائفيين الشيعة والعناصر التي دسها النظام في جسم الانتفاضة ، و أخيرا تواطؤ الإمبريالية الأمريكية عدوة الشعوب  مع النظام الاستبدادي .

بؤس خيارات النظام :

  إن النظام الشمولي الحاكم  حين يشطب على البديل الديموقراطي ويخير العراقيين بين بقائه الذي دفع ويدفع الناس ثمنه دماً وخراباً، وبين الحرب الأهلية الطائفية، إنما يعترف وإن بشكل غير مباشر، بمسؤوليته الكبرى في تفاقم وتضخم الظاهرة الطائفية، رغم تشدقه المستمر بدستور لا طائفي حقاً، ولكنه مركون على الرف منذ يوم ولادته و تدسترته . وهو مسؤول أيضاً عن حرب أهلية طائفية قد يشعل فتيلها هذا الحزب الطائفي أو ذاك بدعم وتوجيه من الإمبرياليات الغربية ومحمياتها في المنطقة، من خلال استمراره في الابتزاز والقمع المعمم. لقد أصبح رحيل هذا النظام ضرورة حياتية منذ زمن بعيد ويجب على الوطنيين والديموقراطيين تشديد النكير عليه وعلى البديل الطائفي المحتمل ، وإذا كان العراق وشعبه قد ظلا موجودين رغم فداحة الفاجعة وغياب الديموقراطية فإنهما قد يزولان من الوجود، بلداً وشعباً ، في حال اندلاع حرباً أهلية طائفية! غير أن الرضوخ لابتزاز النظام جريمة هو الآخر بحق هذا البلد وشعبه. إن على رجال الدين المتنورين والمناهضين للطائفية تقع مسئولية ثقيلة وخاصة. ومن حق شعوبنا أن تأمل الخير كل الخير من نشاطهم ومواقفهم التي يمليها عليهم دينهم، وإذا كانت الأنظمة الرجعية قد استغلت بذكاء انحياز بعضهم للإنسان واحتوت مواقف بعضهم كما حدث مثلاً مع الشيخ خليل عبد الكريم الذي كتب يقول: ( وفي خصوص المشكلة الطائفية نبرز عدم صلاحية الحكومة الدينية أو ذات المنطلق أو التمحور الديني وتكون أشد وضوحاً لأن الأديان تدعو اتباعها إلى التمسك بتعاليمها وضرورة العض عليها بالنواجذ ويرى كل دين أنه هو وحده الدين الحق وغيره على ضلال.. والحكومة الدينية أو المتمحورة على الدين يروج لها كثير من حكام الدول الإسلامية في عصرنا هذا وأعضاء الجمعيات والجماعات الإسلامية يفعلون ذلك أيضاً ليجعلوا الدين سياجاً يحمي تصرفاتهم وسيفاً يشهرونه في وجه كل من تحدثه نفسه بمعارضتهم أو التصدي لهم بالنقد أو النصح أو التوجيه ويسمون ذلك مروقاً عن الملة وكفراً وإلحاداً وهرطقة وتجديفاً لأنهم يتصورون ذواتهم الإسلام نفسه ولا جزاء لذلك إلا القتل، ومن عجيب أنهم ينادون بذلك وهم خارج السلطة وأيديهم خالية من صولجان الحكم فما بالكم لو تحولوا إلى خلفاء و أمراء مؤمنين كما يحلمون"([13]). نقول إذا كانت الأنظمة قد كسبت إلى جانبها من يقول كلاماً كهذا فإن من حق الشعوب أن تطمح بما هو أكبر وأعظم، خصوصاً وأن هذه الشعوب هي نفسها التي أنجبت ثواراً ومقاومين  كمهدي الخالصي  في العراق، أو الراهب الشهيد "كاميلو توريز" في الأرجنتين، وهذا الأخير حمل بندقيته والتحق بالثوار الماركسيين ليقاتل الدكتاتورية العميلة للولايات المتحدة الأميركية في بلده حتى ُقتل في إحدى المعارك دفاعاً عن الفقراء .

 وختاماً نتساءل، إذا كان رجل دين مثل كامليو توريز قد أسس بدمه لقيم "لاهوت التحرير" فكيف بالأحرى يجب أن تكون مواقف الأحزاب والقوى السياسية التقدمية والديموقراطية ؟ ألا ينبغي على القائمين عليها أن يكفوا عن اللعب بالجمر الطائفي ومهادنة الطائفيين بل والسكوت عن برامج الخراب التي تقوم عليها  أحزابهم ؟ إن الخيار بين الطائفية والنظام القائم خيار باطل أصلاً لأنهما خيار واحد لا خيارين، وإن كان لابد من طرف يختاره الوطنيون العراقيون فليكن إذاً  الديموقراطية و مبادئ المواطنة الحديثة للشعب العراقي بكل مواطنيه الأحرار المتساوين في دولة ديموقراطية  ذات سيادة حقيقية.

تنبيه :

ستصدر هذه الدراسة  بنصها الكامل والموسع و الذي لم يقصقصه المحرر أو يحذف منه فقرات وهوامش عديدة في كتاب جديد  يحمل  عنوان  ((نقد المثلث الأسود .. )) خلال الشهر الجاري " آب / أغسطس 2002 وهو ثالث كتاب سياسي لكاتب هذه الدراسة  بعد كتابيه (( نصوص مضادة دفاعا عن العراق في 320 صفحة /سنة 2000 )) و (( كتابات ضد التيار في 306 صفحة /سنة 2001 )) عن دار الكنوز الأدبية / لبنان / بيروت / ص ب  7226-11 / هاتف فاكس 009611739696 .

يمكن الحصول على نسخة من هذا الكتاب أو غيره  بالكتابة الى دار النشر مباشرة وبسعر الجملة وأجور الإرسال البريدي على الدار ، كما يمكن الحصول على الكتاب من مكتبة النيل والفرات الإلكترونية وعنوانها هو :

Neelwafufat.com

  وسوف يتبرع المؤلف بحصته من العائدات المالية ،كما دأب على أن يفعل في جميع كتبه ، الى جمعية بغداد المشاعية / صندوق هادي العلوي للتضامن ، التي تقدم المساعدات الإنسانية للأسر و الأفراد العراقيين الذين يعانون من العوز والمرض والفقر .

 


 

 



([1]) المصدر السابق، ص76.

([2]) المصدر السابق، ص78.

([3]) المصدر السابق، ص79.

([4]) حنا بطاطو، العراق- الكتاب الأول، ص154، وما بعدها.

([5]) أحمد الزيدي، مصدر سابق، ص97.

([6]) حسن العلوي، مصدر سابق، ص 354.

([7]) أحمد الزيدي، مصدر سابق، ص80.

([8]) حسن العلوي، مصدر سابق، ص212.

([9]) أحمد الزيدي، مصدر سابق هامس، ص80.

([10]) المصدر السابق، ص126.

[11]) محمد عمارة، مصدر سابق، ص214.

([12]) أحمد الزيدي، البناء المعنوي، ص93.

([13]) الطائفية إلى أين؟، مجموعة مؤلفين، مصدر سابق، ص121، وما بعدها.

توضيح

1- إن هذا التوضيح  الذي أضفته لهذه الدراسة التي ظلت على صيغتها التي قرأها الأستاذ الراحل هادي العلوي ، يتعلق بالهامش التاسع حيث ورد سهواً و من قبلي أنا ، اسم الخليفة الواثق في المسودة الأولى للدراسة التي أرسلتها إليه ، فعلق الراحل بملاحظة نقدية قاسية ضد صاحب الكتاب المنقود أي أحمد الزيدي . والحقيقة فقد كان ذلك الكاتب بريئاً وكنت أنا المسؤول عن إيراد اسم الخليفة الواثق  سهوا في حين أن الأمر يتعلق بالخليفة "المعتصم" كما ورد في الكتاب المنقود وعليه فأنا أعتذر عن هذا السهو غير المقصود .



https://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن