بعضي يمزق بعضي

أيمن بكر

2011 / 7 / 12

اختلف إحساسي بالصورة الشعرية التي يغنيها عبد الحليم حافظ وأبدعها الرائع كامل الشناوي حين قال "بعضي يمزق بعضي" . أحسستها الآن جزءا من بكاء عميق على مصر الوطن الأبي الحر الذي قاد أمته العربية بمقولات العلم والعزة والكرامة، ثم قام نظام مبارك بتجهيل أهله وسحق كرامتهم؛ أركز تحديدا على الجهل وسحق الكرامة لأنهما من أخطر الصفات التي إذا اجتمعت في شخص فإنه يتحول إلى كيان رخو، لزج، قابل لأن يقف ضد نفسه، وضد أهم مصالحه لأنه لا يعرفها. ولأنه مسحوق الكرامة فهو قابل لامتصاص المهانة وعدم الشعور بها ولا تعريفها بوصفها مهانة، بل يصيبه ضجر سريع من التمسك بكرامته كأنها سبة أو مزايدة لا معنى لها، أو كأنها شيء تافه لا يستحق العناء. للأسف لم يقم مبارك بتجريف العقول وتجهيل أهل المحروسة بصورة منظمة فحسب، بل قام كذلك بتجريف الكرامة وهتك أفكار العزة والأنفة والإباء.
هكذا ارتفع معامل الإهانة لدينا، أي ارتفعت قدرتنا نحن أبناء مصر الكريمة على احتمال الإهانة التي تصل أحيانا حد المذلة، ومن يريد أن يعرف فليختبر وضع العمالة المصرية البسيطة في الخارج خاصة في دول الخليج منذ ثلاثين سنة. من يريد أن يعرف فليختبر الصمت المهين والتخاذل المنكسر لكثيرين يجلسون في بيوتهم مبررين ضعفهم وخذلانهم بمقولات التعقل والتريث والحكمة وعدم المبالغة، واللي نعرفه أحسن من اللي ما نعرفوش. لا يعلم هؤلاء أنه ينطبق عليهم قول الإمام علي بن أبي طالب :"الناس من خوف الذل في الذل"؛ فقد توارثوا ثقافة تجنب المذلة حتى وقعوا فيها ولم يعد أحد منهم يراها أو يشعرها.
لكن الجهل وانسحاق الكرامة لدى البعض وصل إلى حدود فاجرة، فبسبب لزوجة التكوين وانعدام الوعي والكرامة معا تم تحويل بعضنا ليهاجم بعضنا؛ هكذا تدميني الآن جملة كامل الشناوي "بعضي يمزق بعضي". المدهش والمخزي في الوقت نفسه أن من تتم مهاجمته هو من يريد استعادة كرامتنا وحقوقنا المنهوبة. وصل الأمر إلى حد مهاجمة الشرفاء أصحاب الوعي والكرامة، الذين نجحوا في الإفلات من نظم مبارك التعليمية والتربوية، تجلى ميراث الجهل وانعدام الكرامة في اتهام الثوار الشرفاء بالعمالة والخيانة وخدمة مصالح أجنبية وتعطيل مصالح الشعب وإهدار ثروته ورفع كلفة الثورة. المهاجمون أنفسهم هم من وقفوا صامتين حين كان نظام مبارك يسحقهم لثلاثين عاما ويتفنن في إذلالهم كل يوم وفي كل المجالات؛ في الصحة والتعليم والغذاء والعمل، كانت المذلة والمهانة قرينة أي نشاط يقوم به المصري في الشارع والبيت، في المصالح الحكومية وفي ملاعب كرة القدم، في السفر خارج مصر وفي العودة.. في كل شيء بلا استثناء. الذين اجتمع فيهم ميراث الجهل وفقدان الكرامة هم أنفسهم من بقي صامتا حين دهست عربات الشرطة أبناءنا واصطادهم رصاص قناصتها. من مات فداء أفكار الكرامة والشرف والعزة هم أبناؤنا الذين خرجوا بوعي يقظ ليعيدوا لنا كرامتنا، طبيعي أن يصمت الصامتون لأنهم لا يعرفون عن الكرامة والعزة شيئا، هم ضحايا نظام وورثته في الوقت نفسه؛ نظام لم يكن فيه لمثل تلك المعاني مكان.؛ بل على العكس يتجلى ميراث عصر مبارك في معاني مثل "التطنيش" و"تمشية الحال" و"الصبر على جار السوء" و"إن نزلت بلد بتعبد العجل حش وارمي له"، و"الإيد اللي ما تقدرش تقطعها بوسها"، و"طاطي للريح" و"تروح فين يا صعلوك بين الملوك" ..الخ. هذه هي خلاصة عصر مبارك على مستوى الكرامة والوعي كليهما.
أخيرا أقول بأسف وصدق إن التجهيل الذي نجح عصر مبارك فيه كما لم ينجح في شيء آخر هو بالأساس سبب انعدام الكرامة؛ فلا كرامة بلا علم ومعرفة بالذات، لا كرامة لمن أظلمت جنبات عقله وأخذت من المعرفة اليسير والسطحي والتافه، لا كرامة لمن انغلقت عليه أسباب المعرفة والعلم بوضعه تحت ضغط ضرورات الحياة من طعام وشراب. وهنا أدعو القارئ الكريم أن يتأمل معي وصف عبد الله بن المقفع لخطورة الجهل وضرورة تجنب الشخص الجاهل، فالجاهل كالنار التي لن ينجو من حريقها أي شخص يقترب منها، كما أن الجاهل عند الجوع كالوحش المفترس وعند الشبع صلف متكبر وعليك أن تهرب منه هربك من سم الثعابين أو الداء الذي لا شفاء منه، عليك أن تهرب من الجاهل هربك من الحريق أو من مذلة الديون. يقول ابن المقفع:
"لا يؤمنَنَّكَ شرَّ الجاهل قرابةٌ ولا جوارٌ ولا إلفٌ. فإن أخوفَ ما يكون الإنسان لحريق النار أقربُ ما يكون منها، وكذلك الجاهل إن جاورك أنصبك، وإن ناسبك جنى عليك، وإن أَلِفَكَ حمل عليك ما لا تطيق، وإن عاشرك آذاك وأخافك. مع أنه عند الجوع سَبُعٌ ضارٍ، وعند الشبع ملكٌ فظّ، وعند الموافقة في الدِين قائد إلى جهنم. فأنت بالهرب منه أحق منك بالهرب من سم الأساود والحريق الَمخُوف، والدَّيْن الفادح والداء العَيَاء" (عبد الله بن المقفع/ الأدب الصغير والأدب الكبير).



https://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن