سجال حول الشرعية الأمريكية لضرب النظام الصدامي

عبدالخالق حسين
Abdulkhaliq.Hussein@btinternet.com

2002 / 8 / 24

يحتدم السجال هذه الأيام على ساحة الإعلام العراقي والعربي وحتى العالمي حول شرعية أمريكا لضرب النظام الصدامي وإسقاطه إلى الأبد. فعلى الساحة العراقية هناك عدد غير قليل من المخلصين العراقيين وضعوا أيديهم على قلوبهم يعربون عن قلقهم المشروع من هذه الضربة نتيجة لما حصل للعراق في الحروب السابقة من أضرار وما نجم عنها من دمار وبقاء النظام يمعن في اضطهاد الشعب. وقد استغلت مواقف هؤلاء الحريصين على وطنهم من قبل عملاء النظام ومرتزقته في البلاد العربية، مستغلين كل ما يمكن إستغلاله لإثارة المخاوف والعواطف وذرف دموع التماسيح على العراق وأطفاله وهم في قرارة نفوسهم يعلمون قبل غيرهم أنهم بعملهم هذا يخدمون الجلاد ويلحقون أشد الأضرار بشعب العراق. فالضربة إن حصلت، موجهة ضد النظام الفاشي وليس ضد العراق. وصدام لا يعني العراق.

 

حق التدخل الخارجي

يصدر البعض أحكامهم ضمن معايير قديمة لم تعد تصلح للوقت الحاضر في ظروف القطبية الواحدة . فما كان يعتبر من المحرمات في الماضي اصبح مطلوباً في الوقت الراهن وحسب ما يمليه واقع الحال. ومن بين هذه الأمور، يجوز التدخل الخارجي لإسقاط حكومة جائرة عندما تكون الشعوب منهكة وغير قادرة على الخلاص. فبعد انتهاء الحرب الباردة وانهيار الكتلة السوفيتية، وُضِعت قواعد وقوانين من قبل الشرعية الدولية، تسمح للتدخل الخارجي لخلاص الشعوب المضطهدة من مضطهديها، كما حصل في محنة شعوب البلقان وتيمور الشرقية وغيرها. وكانت نتائج هذه التدخلات جيدة جيداً وفي صالح الشعوب المضطهدة التي تم خلاصها من الجلادين.

ومن الأسباب الموجبة للتدخل الخارجي، جرائم إبادة الجنس وامتلاك سلاح الدمار الشامل وتهديد السلام العالمي من قبل الحكومة الجائرة. هذه الأمور لم تعد من الشؤون الداخلية بل أصبحت من واجب المجتمع الدولي التدخل لمنع الكارثة. كل هذه الصفات متوفرة في النظام البعثي الحاكم في العراق ولا نريد تعداد جرائمه لأنها معروفة. لذلك فهناك تخويل صريح من مجلس الأمن الدولي الذي يسمح  للتدخل الأمريكي لشن حرب على حكومة صدام حسين.

 

قرار دولي جديد

يطالب بعض الأخوان العراقيين، وعن حسن نية طبعاً، أنهم ليسوا ضد الدعم الأجنبي النزيه، بما فيه الدعم الأمريكي لإسقاط النظام، ولكن على شرط أن يصدر قرار جديد من الأمم المتحدة أو مجلس الأمن يخولهم بذلك، وبعد أن يفرضوا على النظام شروطاً معينة لتنفيذها مثل قبول المراقبين الدوليين لنزع أسلحة الدمار الشامل واحترام حقوق الإنسان في العراق..الخ، أي مطالبة العراق  باحترام قرارات الأمم المتحدة من اجل إزالة أسباب الهجوم.
إن هذا السجال له قيمة أكاديمية فقط، وليس له أي تأثير على أرض الواقع. فصدام لم ولن يحترم حقوق الإنسان في العراق ولا يلتزم بقرارات الأمم المتحدة. فهناك قرار 688 القاضي بحماية الشعب العراقي من جور النظام، فرفض صدام تطبيقه منذ صدوره عام 1991. كذلك رفض النظام تطبيق 23 قراراً من مجموع 27 من القرارات الصادرة من مجلس الأمن الدولي من ضمنها القرار المرقم 687 الصادر في تشرين الثاني 1990، الذي يخول أمريكا وغيرها "لإستخدام كلما عندها من وسائل لتطبيق قرار 660 الصادر عام 1990، وما تلاه من قرارات من أجل الحفاظ على السلام العالمي والأمن في المنطقة". فالنظام لم يلتزم بهذه القرارات ولذلك يقول خبراء قانونيون مستشارون لتوني بلير رئيس الحكومة البريطانية، أن أمريكا وبريطانيا لا تحتاجان إلى قرار جديد من مجلس الأمن الدولي لشن حرب ضد حكومة صدام حسين.

ولنفرض جدلاً أن تمت الموافقة من قبل غالبية الأعضاء في مجلس الأمن الدولي لصدور قرار جديد لضرب العراق، فهناك إحتمال إستخدام روسيا أو الصين أو حتى فرنسا لحق الفيتو (النفض) للقرار وبذلك يعتبر نصراً لصدام وهزيمة لأمريكا، وهذا ما لم تسمح به أمريكا أن يحصل وهي تتمتع بما عندها من قرارات تخولها أن تعمل ما تريد مسبقاً. وعليه فمطالبة مجلس الأمن بإصدار قرار جديد ما هو إلا ضياع للوقت ونصيبه من النجاح صفر.

 

لمن الأسبقية فلسطين أم العراق؟

يطالب البعض وبحجة القضية الفلسطينية، أنه يجب حل القضية الفلسطينية قبل حل الأزمة العراقية والغرض من ذلك هو إطالة عمر النظام ومده بالحياة لفترة أطول للإمعان في قمعه للشعب العراقي. يقول هنري كيسنغر بهذا الخصوص: " … يجب ان ترفض الادارة الاميركية ما ظل يتردد باستمرار حول ضرورة أن يكون التدخل في العراق مسبوقا بحل القضية الفلسطينية، إذ ليس صحيحا إن الطريق إلى بغداد يمر عبر القدس، بل الطريق إلى القدس يمر عبر بغداد في الغالب. الرئيس الاميركي أعلن التزام ادارته ببرنامج لمدة ثلاث سنوات لاقامة دولة فلسطينية وأبدى عزما واضحا لتحقيق تقدم في القيد الزمني الخاص بهذا البرنامج، بيد أن هذا البرنامج يجب ألا يستخدم في إرجاء القرارات الملحة والعاجلة.".

 

تدخل أجنبي لإسقاط الحكومات

يخبرنا التاريخ القريب أنه ليس غريباً على أمريكا التدخل المباشر لإسقاط حكومة جائرة. فخلال عقدي الثمانينات والتسعينات نفذت القوات الأمريكية عدة حملات من هذا النوع: أسقطت حكومة هادسون أوستن العسكرية اليسارية في غرانادا عام 1983، وحكومة بنما عام 1989 واعتقلت مانويل نورييغا ونقلته إلى السجن في الولايات المتحدة. كما أجبرت الجماعة العسكرية الحاكمة في هايتي عام 1994 على التنحي وأعادت جان برتراند أرستيد رئيس البلاد الشرعي المنتخب إلى الرئاسة. وأخيراً وليس آخراً، أسقطت أمريكا حكومة الطالبان في أفغانستان عام 2001 . هذه أمثلة حديثة على التدخل الإمريكي العسكري ضد حكومة أجنبية. فلماذا نستغرب من تدخلها في إسقاط حكومة جائرة مثل حكومة دولة المنظمة السرية في العراق.

كذلك إذا استخدم أعداء الشعوب أمريكا لإسقاط حكومات وطنية تتمتع بشعبية واسعة مثل حكومة مصدق وسوكارنو وعبدالكريم قاسم أيام الحرب الباردة، فلماذا لا يجوز الإستفادة من الدور الأمريكي في خلاص الشعوب من حكوماتها الجائرة؟ لذلك نقول لأولئك الذين يدافعون عن النظام بحجة تدخل أمريكي، أن النظام الفاشي في العراق جاء إلى الحكم على القطار الأمريكي ولا يمكن إزاحته إلا بالقطار الأمريكي. ولا ننسى أن لينين قد انتقل من منفاه في سويسرا إلى موسكو لقيادة الثورة البلشفية بالقطار الألماني. كذلك انتصر ديغول على حكومة فيشي بدعم الحلفاء. وليس هناك أية حركة وطنية تحررية في العالم انتصرت بالإعتماد على إمكانياتها الذاتية فقط، في تحرير أوطانها من الحكومات الجائرة بدون الدعم الخارجي ، فلماذا يطالبون المعارضة العراقية أن تتخلى عن هذا الدعم وهي تواجه أشرس نظام دموي جائر عرفه التاريخ.؟

 

من سيحكم بعد صدام؟

كما يطرح المعارضون لإسقاط النظام، سؤالاً طالما أعادوه مراراً وتكراراً إلى حد الملل، ألا وهو من الذي سيحكم العراق بعد صدام؟ الجواب بسيط كبساطة الحقيقة. فنقول من كان يعرف الذي سيحكم ألمانيا قبل سقوط هتلر؟ أو يحكم إيطاليا قبل سقوط موسيليني؟ وهل  كنا نعرف من الذي يحكم أفغانستان قبل سقوط الطالبان؟ وعليه، فالذي يحكم العراق سنعرفه بعد سقوط نظام صدام حسين. وسوف يحكم العراق أبناءه المخلصون وعندها سنعرف أسماءهم والشعب العراقي لم يصاب بعقم لإنجاب قادة نجباء مؤهلين لحكم بلادهم واحترام شعوبهم كما حدث في ألمانيا وإيطاليا وأفغانستان وغيرها من قبل. فلماذا هذا الإلحاح وفرض الشرط المستحيل اللاواقعي على المعارضة العراقية وحدها؟

 

معارضة الدول الإقليمية

يحاول البعض إثارة المخاوف من معارضة الدول الإقليمية ووقوفها إلى جانب صدام. نقول، هذه المخاوف غير مبررة وغير واقعية وليس من حق أية دولة بالتدخل في منع شعبنا من طلب المساعدة في خلاصه من حكامه الجائرين. فهذا القرار يخص الشعب العراقي ومعارضته الوطنية. ونحن نعرف أن من مصلحة الدول الإقليمية أن يسقط هذا النظام الشاذ الذي كان سبباً لزعزعة الأمن والإستقرار في المنطقة نتيجة لحروبه العبثية. وبسقوط هذا النظام وقيام دولة ديمقراطية في العراق سيعم السلام والإستقرا والإزدهار في المنطقة وليس هناك أية دولة عربية أو غير عربية ستذرف الدموع على صدام حسين ونظامه المتهاوي. ونحن نعرف أن ما تصرح به حكومات الدول الإقليمية في العلن يختلف عما تقوله في السر. وكلما تريده هذه الدول هو التأكيد من أمريكا أنها جادة في نواياها لإسقاط النظام. وقد أكد دونالد رامسفيلد وزير الدفاع الأمريكي لقادة المعارضة العراقية في لقائه معهم في واشنطن يوم 11/8/2002، أن تجربة عام 1991 سوف لن تتكرر. ويقول جيمس هوغلاند حول مواقف الدول الإقليمية:

"…. في أعقاب تقارير نشرت على مواقع إيرانية رسمية على الانترنت أشارت إلى أن طهران رفضت، مؤخرا، مناشدات شخصية من صدام حسين لاعادة الطائرات العراقية التي حطت في إيران طلبا للأمان خلال حرب الخليج، ولبيع العراق أسلحة ومعدات عسكرية أخرى لمواجهة هجوم الولايات المتحدة الوشيك. ويضيف هوغلاند: "والمؤسسة العسكرية التركية مقتنعة أيضا برؤية دكتاتور العراق وهو يتلوى في العاصفة. فتقارير أنقرة تشير إلى أن زيارة مساعد وزير الدفاع الاميركي بول وولفوفيتس في يوليو (تموز) الماضي، حققت تفاهمات غير رسمية بشأن تعاون عسكري تركي ـ أميركي للاطاحة بصدام حسين. ويضع سياسيو تركيا، الذين يشقون طريقهم عبر أزمة اقتصادية، بلادهم في موقع الاستعداد لحرب الشتاء المقبل."

إذَنْ أية دولة إقليمية مستعدة أن تدافع عن صدام حسين؟ هل هي الكويت أم الأردن أم السعودية، تركية أم إيران؟. لذلك نقول أن صدام حسين يعتبر من عداد الساقطين وأي جدل خلافاً لذلك ما هو إلا جدل سفسطائي ومضيعة للوقت.

 

*-نشرت في المؤتمر، العدد 317 يوم 22/8/2002

 

 



https://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن