تشتت العرب وتشرذمهم

ادوارد سعيد

2002 / 8 / 20

يكمن وراء معظم ما توصل اليه (تقرير التنمية الانسانية العربية للعام 2002) الذي اصدره برنامج الامم المتحدة الانمائي, الغياب المذهل للتنسيق بين البلدان العربية. وتوجد مفارقة كبيرة في حقيقة ان النقاش يدور حول العرب ويشار اليهم في هذا التقرير ومواقع اخرى كمجموعة, على رغم انهم, كما يبدو, نادراً ما يتحركون كمجموعة, إلاّ بشكل سلبي. لذا فإن التقرير يقول بصواب انه لا توجد ديموقراطية عربية, وان النساء العربيات غالبية مضطهَدة, وانه على صعيد العلوم والتكنولوجيا تتخلف كل دولة عربية عن بقية العالم. ولا وجود بالتأكيد لتعاون استراتيجي بينهم, ولا شيء من ذلك اطلاقاً في المجال الاقتصادي. أما بالنسبة الى قضايا اكثر ملموسية مثل السياسة تجاه اسرائيل والولايات المتحدة والفلسطينيين, وعلى رغم وجود موقف مشترك يتصف بالحيرة المربكة والعجز المخزي, يشعر المرء بأن هناك اولاً وقبل كل شيء تصميم بدافع الخوف على تجنب إغضاب الولايات المتحدة, وعدم الانخراط في حرب او في سلام حقيقي مع اسرائيل, وعدم التفكير اطلاقاً بجبهة عربية مشتركة حتى على صعيد قضايا ذات تأثير على مستقبل العرب او امنهم ككل. ومع ذلك, عندما يتعلق الامر بإدامة وجود كل نظام, تقف الفئات الحاكمة العربية موحدة في الهدف ومهارات البقاء.

هذا الوضع المزري من الجمود والعجز هو, في قناعتي, اهانة متعمدة لكل عربي. وهو ما يفسر خروج هذا العدد الكبير من المصريين والسوريين والاردنيين والمغاربة وآخرين الى الشوارع تأييداً للشعب الفلسطيني الذي يعاني كابوس الاحتلال الاسرائيلي, فيما تكتفي الزعامات العربية بمراقبة ما يجري وعدم القيام بأي شيء. فالتظاهرات في الشوارع ليست تظاهرات تأييد لفلسطين فحسب, بل هي ايضاً احتجاجات على حال الشلل الناجمة عن تشتت العرب. ومن المؤشرات الاكثر بلاغة الى مشاعر الاحباط الشائعة المشهد التلفزيوني المتكرر والمحزن بقوة لامرأة فلسطينية تتفقد انقاض منزلها الذي هدمته الجرافات الاسرائيلية, وهي تنتحب وتشكو الى العالم كله: (يا عرب, يا عرب). ولا توجد شهادة على خيانة العرب من جانب زعمائهم (غير المنتخبين في الاغلب) ابلغ من هذه الادانة التي تعني القول: (لماذا لا تفعلون, ايها العرب, شيئاً لمساعدتنا?). هكذا, على رغم وفرة المال والنفط, لا يوجد سوى الصمت المطبق لمتفرج غير مكترث.

وحتى على مستوى الفرد, ادى التشتت والتشرذم, للأسف, الى شل المساعي الوطنية واحداً تلو الآخر. لنأخذ اكثر الامثلة ايلاماً: حالة الشعب الفلسطيني. اذكر انني كنت اتساءل خلال ايام عمان وبيروت لماذا كان ضرورياً ان يكون هناك من ثمانية الى اثني عشر تنظيماً فلسطينياً, يتصارع كل منهم على قضايا ذات طابع اكاديمي عقيم تدور حول الايديولوجيا والتنظيم, بينما كانت اسرائيل والميليشيات المحلية تستنزف قدراتنا كلياً. وعند المراجعة وتأمل تلك الفترة في لبنان التي انتهت بشكل مريع في صبرا وشاتيلا, ما هي الغاية التي خدمها القتال بين الجبهة الشعبية وفتح والجبهة الديموقراطية - اذا اشرنا الى ثلاثة تنظيمات فقط -, ورفع شعارات استفزازية على نحو لا ضرورة له من قبل قادة داخل (فتح), مثل (الطريق الى تل ابيب يمر عبر جونية) حتى في الوقت الذي تحالفت فيه اسرائيل مع الميليشيات اللبنانية من اجل تدمير الوجود الفلسطيني لخدمة غايات اسرائيل? وما هي القضية التي خدمتها تكتيكات ياسر
عرفات بخلق تنظيمات وجماعات صغيرة وقوى امنية تحارب بعضها البعض خلال عملية اوسلو فيما ترك شعبه من دون حماية ومن دون تهيئة في مواجهة حملة اسرائيل لتدمير البنية التحتية للمنطقة (أ) واعادة احتلالها?

انه دائماً الشيء نفسه. التشرذم والتشتت وغياب الهدف المشترك, الذي يدفع الناس العاديون في النهاية ثمنه معاناةً ودماً ودماراً لا ينتهي. وحتى على مستوى البنية الاجتماعية, يكاد يكون شيئاً مألوفاً ان يتقاتل العرب في ما بينهم اكثر مما يقاتلون من اجل هدف مشترك. يقال من باب التبرير أننا فردانيون, متجاهلين حقيقة ان مثل هذا التشتت والتشرذم الداخلي يلحق الاذى في النهاية بوجودنا ذاته كشعب. وليس هناك ما يبعث على الاحباط أكثر من النزاعات التي تنخر منظمات العرب المهجر, خصوصاً في اماكن مثل الولايات المتحدة واوروبا, حيث تحيط بالجاليات العربية الصغيرة نسبياً بيئات معادية وخصوم متطرفون لا يمتنعون عن القيام بأي شيء لتشويه كفاح العرب. ومع ذلك, بدلاً من السعي الى التوحد والعمل معاً, تمزق هذه الجاليات صراعات ايديولوجية وفئوية عبثية تماماً, لا صلة مباشرة او ضرورة لها اطلاقاً بقدر ما يتعلق الامر بالبيئة التي تحيط بها.

قبل بضعة ايام, افزعني برنامج حوار في تلفزيون (الجزيرة) خاض فيه مشاركان ومقدم برنامج بدا استفزازياً على نحو لا ضرورة له, نقاشاً عنيفاً حول نشاط الاميركيين العرب خلال الازمة الحالية. وكرس احدهم, اسمه السيد دلبح وقُدّم بشكل مبهم بوصفه (محلل سياسي) في واشنطن (من انتماء واضح او ارتباط بمؤسسة), كل وقته للاساءة الى سمعة المنظمة الاميركية العربية الجدية الوحيدة, (اللجنة الاميركية العربية لمكافحة التمييز) (أي دي سي), التي اتهمها بالعجز واتهم قادتها بالذاتية والانتهازية والفساد. واعترف المشارك الآخر, الذي لم التقط اسمه, بأنه لم يمض على وجوده في الولايات المتحدة سوى بضع سنوات قليلة, وبدا أنه لا يعرف الكثير عما يجري, سوى المجادلة بالطبع بأن لديه افكاراً افضل من كل زعماء الجالية الآخرين. وعلى رغم انني لم اشاهد سوى الجزئين الاول والاخير من البرنامج, فقد احسست بخيبة كبيرة وحتى بالعار لهذا النقاش. سألت نفسي, ماذا كان الغرض من ذلك? وأي فائدة ترجى من تشويه سمعة منظمة تنجز الى حد بعيد احسن عمل في بلد لا يواجه فيه العرب تفوقاً عددياً وتنظيمياً من قبل المنظمات الصهيونية الكثيرة الاكبر حجماً بكثير والممولة بسخاء فحسب, بل حيث يبدي المجتمع ذاته ووسائل اعلامه ايضاً عداءً قوياً تجاه العرب والاسلام وقضاياهم عموماً? لا شيء اطلاقاً, بالطبع. لكن هذا الحدث يقدم للمرء مثالاً على التشرذم المهلك الذي يسعى من خلاله العرب, بدأب يكاد يكون انعكاساً لا ارادياً, الى ايذاء وإعاقة احدهم الآخر بدلاً من التوحد وراء هدف مشترك. فاذا لم يكن هناك مبرر لمثل هذا السلوك في العالم العربي بالذات, لا يوجد قطعاً ما يبرره في الخارج حيث يُستهدف الافراد العرب وجالياتهم ويهددون باعتبارهم غرباء غير مرغوب فيهم وارهابيين.

وكان برنامج (الجزيرة) مسيئاً اكثر لما تضمنه من عدم دقة غير مبررة وما سبّبه من اساءة شخصية للراحلة هالة سلام مقصود التي وهبت حياتها عملياً لقضية (اللجنة الاميركية العربية لمكافحة التمييز), ولرئيسها الحالي الدكتور زياد عسلي, وهو طبيب محب للمصلحة العامة تخلى طواعية عن عيادته الطبية ليتولى ادارة المنظمة على اساس خيري. ودأب دلبح على التلميح الى ان كلا هذين الناشطين كانا يتحركان بدافع الكسب المالي الشخصي, وانه اياً كان أداء المنظمة فهو أداء سيء. وفضلاً عن عدم صحة مثل هذه الادعاءات التي تبلغ حد الافتراء, فإن تقولات دلبح التافهة والخبيثة - وهي لم تكن اكثر من ذلك - ألحقت الأذى بقضية العرب المشتركة, مخلّفة وراءها غضباً ومزيداً من التشرذم. بالاضافة الى ذلك, ينبغي ان يشار الى انه اخذاً بالاعتبار البيئة السياسية الاميركية غير المؤاتية تماماً للقضية العربية, فإن (أي دي سي) حققت نجاحاً كبيراً في واشنطن وعلى المستوى الوطني كمنظمة ترد الاتهامات الموجهة ضد العرب في وسائل الاعلام, وتحمي الافراد من اضطهاد الحكومة في اعقاب احداث 11 ايلول (سبتمبر), وتديم مشاركة الاميركيين العرب في الجدل الوطني. وبسبب هذا النجاح الذي تحقق تحت قيادة عسلي, انتقلت عدوى التشرذم الى موظفي المنظمة الذين شرعوا فجأةً بحملة تشويه للسمعة الشخصية تحت غطاء جدل ايديولوجي. لكل شخص, بالطبع, الحق في ان ينتقد, لكن لماذا ينبغي ان نتمزق ونضعف انفسنا بهذا الشكل ونحن نواجه مخاطر كالتي نواجهها في الولايات المتحدة, في الوقت الذي نرى بوضوح ان المستفيد الوحيد هو اللوبي المؤيد لاسرائيل? ان منظمات مثل (أي دي سي) هي اولاً وقبل شيء منظمات اميركية ولا يمكن ان تتخذ موقفاً منحازاً في صراعات من النوع الذي يذكّر بتلك التي شهدتها الفاكهاني في منتصف السبعينات.

ربما كان السبب الرئيسي وراء التشرذم العربي على كل مستوى في مجتمعاتنا, في الداخل والخارج, هو الغياب الملحوظ للمُثل والنماذج التي يُحتذى بها. فمنذ وفاة جمال عبد الناصر, اياً كان ما يعتقده المرء بشأن بعض سياساته الاكثر ايذاءً, لم تبرز شخصية تأسر خيال العرب او كان لها دور في اطلاق كفاح تحرري شعبي. انظروا الى كارثة منظمة التحرير الفلسطينية, التي انتهى بها الحال من ايام مجدها الى رجل مسن غير حليق, يجلس الى مائدة بالية في ما يشبه المنزل في رام الله, يحاول ان يبقى بأي ثمن, سواءً قدم تنازلاً او لا, وسواءً تفوه باشياء مضحكة او لا, وسواءً كان ما يقوله يعني شيئاً او لا. (قبل اسبوعين نُقل عنه قوله انه يقبل الآن خطة كلينتون التي عرضها عام 2000, على رغم ان المشكلة الوحيدة هي ان الزمن الآن هو 2002 ولم يعد كلينتون رئيساً.) مضت سنوات منذ ان كان عرفات يمثل شعبه ومعاناته وقضيته, وهو مثل بقية نظرائه العرب يرفض التخلي عن موقعه مثل ثمرة نضجت منذ زمن طويل من دون هدف او موقف فعلي. لذا لا يوجد مركز اخلاقي قوي في العالم العربي اليوم. واخلى التحليل المقنع والنقاش العقلاني مكانه للخطاب العاطفي الفارغ المتعصب, واُختزل العمل المنظم من اجل التحرر الى هجمات انتحارية, وتلاشت ببساطة حتى فكرة النزاهة والصدق ناهيك عن ممارستها. وبلغ ما ينضح به العالم العربي من إفساد حداً يجعل المرء لا يعرف لماذا يحالف النجاح بعض الاشخاص بينما يُلقى بآخرين في السجن.

وكمثال فظيع دعونا نتأمل مصير عالم الاجتماع المصري سعد الدين ابراهيم. فبعدما اطلقت سراحه محكمة مدنية قبل بضعة اشهر, جرت محاكمته وتمت ادانته وصدر بحقه حكم قاسي غير مبرر من قبل محكمة امن الدولة عن تلك (الجرائم) ذاتها التي سبق ان حوكم بسببها ثم اُفرج عنه. اين هو المبرر الاخلاقي لمثل هذا العبث بحياة شخص ومهنته وسمعته? قبل اشهر خلت كان مستشاراً موثوقاً للحكومة وعضواً في مجالس ادارة لمعاهد ومشاريع عربية عدة. وها هو الآن يعتبر مجرماً مداناً. اية مصلحة تخدم معاقبته غير المبررة بهذه الطريقة, سواءً كان ذلك استناداً الى الوحدة الوطنية, او استراتيجية متماسكة, او قاعدة اخلاقية? مزيداً من التشرذم, ومزيداً من التفكك, ومزيداً من الاحساس بالضياع والخوف, وشعور سائد بعدالة محبطة.

حُرم العرب من الاحساس بالمشاركة والمواطنة من قبل حكامهم منذ وقت طويل لدرجة ان معظمنا لم تعد لديه القدرة على فهم ما يمكن ان يعنيه الالتزام الشخصي بقضية اكبر من انفسنا. ان كفاح الفلسطينيين معجزة جماعية, حسب اعتقادي, اذ يتحمل شعب مثل هذه الوحشية المتواصلة من اسرائيل ومع ذلك لا يستسلم. لكن لماذا لا يمكن جعل دروس المقاومة الحية (في مواجهة المقاومة الانتحارية والعدمية) اكثر وضوحاً, وجعل الاقتداء بها ممكناً اكثر? هذه هي المشكلة الحقيقية. انها, في ارجاء العالم العربي وفي الخارج, تكمن في غياب زعامة على اتصال مع شعبها, ليس عبر البيانات الرسمية التي تعبر عن استخفاف, يبلغ حد الازدراء, بهم كمواطنين, بل عبر الممارسة الفعلية للتفاني المنظم وضرب المثل الشخصي. ومع عجزهم في تغيير موقف الولايات المتحدة وتأييدها اللاشرعي لجرائم اسرائيل, يكتفي الزعماء العرب باطلاق اقتراح (سلام) (هو ذاته) تلو الآخر, ليلقى كل منها رفضاً ساخراً من قبل اسرائيل والولايات المتحدة معاً. وفيما يواصل
بوش وتابعه المضطرب عقلياً رامسفيلد تسريب الانباء عن غزوهم الوشيك لـ (تغيير النظام) في العراق, لم يتمكن العرب حتى الآن من التعبير عن موقف رادع موحد ضد هذا الجنون الاميركي الجديد. وعندما يحاول افراد ومنظمات مثل (اللجنة الاميركية العربية لمكافحة التمييز) القيام بشيء باسم قضية ما, يجري استهدافهم من قبل مشاغبين ليس لديهم ما يفعلوه سوى التخريب والازعاج.

لا ريب ان الوقت قد حان كي نبدأ التفكير بأنفسنا كشعب يملك تاريخاً واهدافاً مشتركة, وليس كمجموعة من المذنبين الجديرين بالازدراء. لكن هذا الامر يرجع الى كل فرد, ولا يجدي نفعاً الاكتفاء بالقاء المسؤولية على (العرب). فالعرب هم نحن العرب في نهاية المطاف.



* استاذ الانكليزية والادب المقارن في جامعة كولومبيا.

الحياة (19/8/2002 )


https://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن