الزي الكاكي لا يحمي الفاسدين

أحمد مُعِز
ahmadmoez@hotmail.com

2011 / 5 / 28

عندما نطلب عهد جديد ممتلئ بالشفافية و الحرية و قمع الفساد ما أمكن، عندما يخرج الملايين إلى الشوارع من أجل محاسبة المفسدين و المخطئين، و عندما يُفرض علينا فرضا أعضاء من المؤسسة العسكرية ليحكموننا في الفترة التي تتشكل فيها مصر من أجل المائة سنة القادمة، يصبح من الواجب أن تطول المحاسبات و التحقيقات كل فرد تورط في قضايا الفساد في هذا البلد مهما كان موقعه و مهما كانت صفته، سواء كان يرتدي زيا مدنيا أو عسكريا .. الزي الكاكي لا يحمي الفاسدين، يجب أن يكون هذا هو شعارنا.



إن تواجد رموز من المؤسسة العسكرية تحوم حولهم شبهات الفساد و التورط في قضايا الكسب الغير مشروع، و ذلك بسبب تواجدهم لفترات تصل إلى 20 سنة على رأس المؤسسة التي تتلقى سنويا معونات باهظة من الولايات المتحدة وحدها، تواجد هذه الرموز على رأس الدولة المصرية الآن يجعلنا نتساءل: ما هي طبيعة المجتمع المصري الجديد الذي يتشكل الآن، و الذي ضحى أفراده من أجل الحرية و ضد الفساد، في الوقت الذي يرأس الدولة شخصيات لا تبدو أياديهم نظيفة ، و بدون أي بادرة أمل في وجود حساب لهؤلاء في المستقبل القريب، حيث يبنون متاريس و سُبُل دفاعية لأنفسهم بعدم محاكمة الفاسدين و المجرمين من أمثال مبارك، زكريا عزمي، مفيد شهاب و سرور و غيرهم ممن زكموا أنوف المصريين بفسادهم و جرائمهم طوال 30 سنة من نهب منظم للشعب المصري.



لا أحد ينبغي أن يكون فوق القانون .. إن إرساء قاعدة الاستثناءات القانونية للعسكريين إنما هو إعادة استنساخ للفساد القديم، الاستثناءات تتوسع و تتغول، و العدالة –كما رسمها لنا قدماء المصريين- عمياء لا ترى الألوان و لا تميز الزي الكاكي من الزي الملكي. إن استنساخ نفس قواعد النظام القديم لن يؤدي بنا إلا إلى نظام مشابه، و أخطاء مماثلة، و هنا نكون قد أضعنا كل ما فعلناه في الانتفاضة المصرية العظيمة-25 يناير.



المطالبة بمحاسبة و مراجعة سجلات أعضاء المجلس العسكري، وتحديد مدى تورطهم أو عدمه في قضايا الفساد، ينبغي أن يكون هدفا و مطلبا واضحا للمصريين. لن تقوم لنا قائمة و لن يكون هناك إصلاح حقيقي إذا كان من يحكمنا لص أو مرتشي أو فاسد.

إن تواجد العسكريين على رأس الدولة الآن – الأمر الذي فرضه علينا مبارك فرضا- ينبغي أن يكون دافعا أكبر لنا للمطالبة بالمحاسبة، فالسمكة تفسد من رأسها.



لن ترهبنا أساليب المجلس العسكري الإرهابية في محاولة كتم أنفاس الناس و منعهم من الكلام و الانتقاد بحجة حماية الجيش المصري و أن الجيش المصري خط أحمر. نحن نسلّم بأن الجيش المصري هو ملاذنا الأول و الأخير، كان كذلك منذ نشأت الدولة المصرية آلاف السنين قبل الميلاد، و لن تتغير هذه الصفة أبدا. إن محاسبة رأس الدولة، مبارك، لا تعني إهانة الدولة المصرية، إطلاقا، إنما يعني تتطهيرها من الأدناس التي وسّخ بها مبارك وجه الوطن. بالمثل، المطالبة بمحاسبة رؤوس المؤسسة العسكرية لا يعني إهانة المؤسسة العسكرية، إنما يعني تطهير المؤسسة العسكرية من الفساد و الأدناس التي طالته بالتأكيد في عصور الظلام. لا يمكن أن تدخل منجما للفحم بدون أن تتسخ ثيابك!



محاولة بعض العسكر التمسّح بالجيش لنيل الحصانة من خلال محاول التوحد معه هي محاولة بائسة و تدل على خوف دفين من المحاسبة.



الحرية الآن و ليس غدا، الشفافية الآن و ليس غدا .. هذا هو ما خرجنا من أجله في يناير ، و هذا ما ينبغي أن نصر عليه، و لا ينبغي أن نقبل أن تجبرنا الأساليب الإرهابية لأعضاء المجلس العسكري على أن نتنازل عن أحلامنا شيئا فشيئا .. فطعم الموت في أمر عظيم ، كطعم الموت في أمر حقير، هكذا قال المتنبي و أقول وراءه: آمين. ينبغي أن نكون واقعيين، فأحلامنا لابد أن تكون بلا سقف، و إلا فنحن لا نحلم. الحلم بلا حدود، الحرية إرادة.



الفساد في المؤسسة العسكرية ليست شأنا داخليا، المؤسسة العسكرية جزء من الوطن، و هي كما نقول خط الدفاع الأول عن الوطن، و إن فسد خط الدفاع عن الوطن سقط الوطن بالكامل، و لهذا فهي قضية تهم كل مصري و لا ينبغي السكوت عنها.

ينبغي أن يكون المواطن "مصري" هو الخط الأحمر الجديد للدولة المصرية الوليدة، و ليس أي شئ آخر. أليس هذا هو الهدف من وجود دولة؛ أمان المواطن؟ أم أن الدولة و المواطنين، و الجيش موجودون لحماية و أمان أعضاء المجلس العسكري؟



الإرهاب ليس الحل، سجن أي منتقد لن يخرس الألسنة، الحل هو إجراء تحقيق شفاف في ثروات أعضاء المجلس العسكري، فإن كانت تهمة الفساد افتراء عليهم سنقول ظهر الحق، و إن كانت تهمة الفساد ثابتة سنقول أيضا ظهر الحق .. و سيكون للشعب الكلمة في هذا: هل سيرضى أن يحكمه مجموعة جديدة من المرتشين الفاسدين، أم سيرغب في حرية و شفافية حقيقية؟



https://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن