بنتين من مصر

ديما أحمد صالح
newdimasaleh@yahoo.com

2011 / 5 / 20

عندما تُسيطر فكرة معينة على العقل البشري، تأسره وتجعله لا يرى إلا الجزئيات، لتكون شغله الشاغل فيصل إليها مهما طال الوقت، أو تُصبح شغله الشاغل، فلا يصل إليها أو لغيرها.

على الطاولة في كافتيريا المطار، جلستا متلاصقتان وكأنهما تشاهدان فيلم على شاشة السينما، ساهمتان، في الحال الذي وصلتا إليه. فداليا وحنان لم تأتيا إلى المطار بغرض السفر أو وداع أحداهما للأخرى.
كان الغرض من وجودهما في هذا المكان، أن هنالك عريساً جاء من أحد دول الخليج، حيث يعمل، ليختار عروس خلال يومين، يوم لرؤية والدته، و4 ساعات لإختيار شريكة حياة ا تؤنسه في غربته حت أخر العمر.. لذلك فقد قسم الوقت إلى 4 ساعات على 3 فتيات، ولو أنه طلب كتالوج للفتيات العازبات في مصر، لوفًر هذه الساعات الأربع للبقاء مع أمه أكثر. لكن حنان أصرت على أن تُقحم إبنة عمها داليا في هذا الموضوع، لربما يكون نصيب هذا العريس مع واحدة منهما، فلا يطير في حال نالت حنان إستحسانه.

"إذا رغبتي في أن تُصابي بالإحباط والنكد، فلتشاهدي فيلم بنيتن من مصر" هذا ما قالته لي صديقتي قبل مشاهدته. كان الوقت متأخر، ولم يكن بإمكاني أن أُشتريه، لذلك جلست أشاهده على اليوتيوب، وتحت رحمة الإنترنت السلحفائي.

يبدأ الفيلم بمشهد مياه تتسرب داخل سفينة ما، ثم تنتقل الصورة إلى مظاهرات، التحام بين المتظاهرين وقوات الأمن وإعتقالات. تظهر حنان على الشاشة وهي تُعد شاي الصباح وتنظر ببؤس وخوف إلى نافذة جارتها التي تعيش وحيدة، في الشقة المقابلة وهي تقرأ.
حنان فتاة في الثلاثين من عمرها، تعمل أمينة مكتبة في كلية الطب، وتحصل كل سنة على جائزة الموظفة المثالية. لها تجربة إرتباط (خطوبة) لم تكتمل وهي في السابعة والعشرين. هي وصديقاتها في العمل لم يتزوجن بعد، ويحلمن في هذا اليوم، لكنه لا يأتي.
تنحصر حياة حنان في فكرة واحدة وهي الزواج، وكلما جمعت مبلغ من المال، تشتري به قميص نوم، لتضيفه إلى الجهاز الذي تحضره لليوم الموعود، فيظهر على الغلاف البلاستيكي الذي يُحيط بالملابس، تواريخ الأيام التي بدأت فيها بهذه الهواية وهي في العام 2002.
في الجامعة، كلما جلسن فتيات المكتبة العازبات في الحديقة، وقت الإستراحة، يلاحظن أنه دائما ما توجد أعين لشباب، تترصدهن من نافذة مديرتهن المسؤولة. وما لا يعرفنه، أن هؤلاء الشباب، هم باحثين عن فتيات للزواج، يختلسون النظر إليهن من النافذة، كمُشتري يتنقل من واجهة محل للملابس إلى أخرى، لربما يجد السلعة التي تناسبه.
تتوق حنان للحب و العاطفة، فتقول في أحد الحوارات لطبيبتها النفسية: " إن كان على الحرمان الجنسي، مقدور عليه، المشكلة في في الحرمان العاطفي".
تحلم في الإستيقاظ صباحاً، لتجد بقربها شريك المستقبل، فيعوضها عن كل ماهي بحاجة له، وتنتظر اليوم الذي ستُصبح فيه أم.

لا تستطيع الفتاة أن تقولها بصراحة : " أريد أن أتزوج"، فعندها سيُقال عليها أنها يائسة..وحيدة..ضعيفة.. لذلك فإن المطلوب منها، أن تنتظر حتى يأتي الشخص المناسب الذي قد يرحمها ويتُوجها زوجة له. ففي مجتمعنا الشرقي، يستطيع الرجل في أي عمر لحظة أن يقول: " يلا يا زواج"، أن يجد الفتاة التي تقبل به، حتى وإن بلغ عمر الثمانين. و يحلل لنفسه ممارسة الحياة الجنسية بمطلق الحرية، وحينما يأتي الموضوع لشقيقته أو زوجته المستقبيلة، فإنه يفترض أن تكون بريئة كطفل رضيع.
بينما يُنظر إلى المرأة كمُنتج غذائي، تنتهي مدة صلاحيته خلال فترة محددة. فتجد التركيز على قدرتها الإنجابية المربوطة بسن معين، والتغييرات التي تطرأ على جسدها، كظهور الشيب، ترهل النهدين، وكأن الزمن لا يقترب من الرجل.
وهذا ما يكون هاجس حنان طوال الوقت، فهي تُراقب جسدها كل الوقت، وتنظر إلى الفتيات الصغيرات في الجامعة، تتستعمل كريم خوفاً من إرتخاء نهديها، فخوفها من تأخر سن الزواج والعمر، جعلها تعيش في دوامة من القلق والألم في الليل والنهار.

أما داليا، إبنة عم حنان وأقرب الناس إليها، فهي طبيبة ورسامة، في الثانية والثلاثين من عمرها، تتمنى أن تجد الإستقرار، لكنها في سعيها عن هذا الهدف، تختلف عن حنان، فهي تعمل على رسالة الماجستير، ترسم مشاعرها، وتتعامل مع رغبتها في الحب والزواج بإسلوب هاديء، كما أنها تُقدم حاجات أخيها الصغير الذي تخرج منذ 3 سنوات ولم يجد عمل، على حاجاتها. وبناءً على توصيات إبنة عمها في ضرورة الظهور في التجمعات الشبابية لكي يجدن فرص زواج، فإنها تندمج قليلاً في أنشطة المعارضة، والنضال ضد السلطة، فتتعرف على طبيب، تشعر نحوه بالإعجاب، إلا أنها تكتشف أنه يعمل كعميل مزدوج للسلطة، فتتخلى عنه. وتتجه بعدها إلى الملاذ الوحيد، الذي تلجأ إليه معظم الفتيات، وهو الإنترنت، حيث تلتقي في فضاء العالم الإلكتروني، مع شاب من شباب مصر الذين فقدوا الثقة والأمل في مصر، ولغى موضوع الزواج من حياته، خوفاً على أطفاله مما قد يحصل لهم في هذه الغابة. قتقوقع على نفسه وإنعزل عن المجتمع، وجعل كتابة المقالات الأداة الوحيدة للتعبير عن رفضه للوضع القائم، فيصف المجتمع المصري بالمجتمع "المعفن"، الذي جعل شبابه بسبب البطالة والفقر، يخلع إنسانيته وكرامته.
صار الشاب بعد التخرج يُعاني من البطالة لسنوات عديدة، وسعيد الحظ من يجد عقد عمل في أحد بلدان الخارج، وبوظيفة لا تناسب تحصيله العلمي. ومع كل هذه الظروف، كانت النتيجة تأخر سن الزواج للرجل وبالتالي المرأة، مما إنعكس في ظواهر أخرى مثل إنتشار الممارسات التي لا يتقبلها المجتمع الشرقي من طبيعة العلاقة بين الرجل والمرأة والزواج العرفي والمسيار الخ .. من هذه المسميات التي صنعها المجتمع بغرض تحسين صورة ماهو مرفوض أو مستهجن خاصة العلاقات الجنسية خارج إطار الزواج.

في نفس الوقت، تتردد حنان على طبيبة نفسية، وتنضم إلى مجموعة علاجية مكونة من الفتيات اللواتي صارت قضية تأخر سن الزواج تُشكل هاجس مرضي لهن. تظهر مخاوف كل فتاة في هذه اللقاءات، فهنالك من تتنازعها المخاوف من أن يمضي العمر فيها ولا تُجرب العلاقة الجنسية، وثانية تخشى ألا تسمع كلمة "ماما"، وثالثة أن ترى نفسها تفقد أفراد أسرتها واحد تلو الأخر، ورابعة تُسيطر عليها الفكرة فتخسر حياتها العملية أيضاً، وخامسة تُريد أن تتزوج لتحصل على مساحة من الحرية، خاصة أن للمرأة المتزوجة إمتيازات لا يمكنها الحصول عليها طالما لم تحظى بلقب مدام..

تتم خطوبة حنان لأستاذ في جامعة الحقوق، وكذلك داليا والتي تُخطب لمهندس زراعي يعمل على أرض زراعية في منطقة نائية عن العاصمة. ويبدو أن الفرح يضيق ذرعاً بالفتاتين، فيتخلى عنهن. حينما يتضح أن خطيب حنان إنسان معقد نفسياً حيث يُطالبها بإجراء فحص عذرية بحجة فقدانه الثقة في بنات حواء، ورغم الصدمة التي أصابت إبنة عمها داليا، وتوبيخهها لها حينما قالت لها: " عمرينو ما يطمن" إلا أن حنان تُصرً على إجراء الفحص إرضاء لخطيبها.
رغم ثبات عذرية حنان، إلا أن شكوكه تُسيطر عليه، فيتخلى عنها. أما داليا، فيضطر خطيبها للهرب إلى قبرص بسبب رفض المحكمة تمديد مدة القرض التي حصل على الأرض من خلالها، تاركاً إياها في حالة من الصمت والذهول.

يحصل شقيق داليا على عقد في الخارج، فتقدم له الدعم المادي والمعنوي له، حتى يعمل ويشعر أنه لازال حياً. إلا أنه يحدث ما لم يكن في الحسبان، عندما تغرق المركبة "العبًارة" التي تقًل الكثير من شباب مصر الذين ضاقت بهم الحياة، فطرقوا جميع الأبواب لكي يشعروا بإنسانيتهم وما كانوا يعرفون أن للأسماك حياة كريمة أكثر منهم. يغرق معظم الشباب الذين كانوا على ظهر العبارة، بينما ينجو شقيق داليا ويعود إلى المنزل، لكن على كرسي متحرك.

تعود داليا وحنان بنفوس منكسرة إلى نفس الحياة، مع فارق إصابة الأخيرة بورم في منطقة الرحم يستدعي ضرورة إجراء عملية لإستئصاله، فتتوسل الطبيب أن يعطيها مهلة لسنة ونصف لربما تتزوج وتُنجب طفل. بينما تفشل داليا في أن تحصل على شهادة الماجستير بسبب الأوضاع السيئة التي مرت ولا تزال تمر بها.

تنتهي قصة الفتاتين وهما تجلسان على الطاولة في كافتيريا المطار ساهمتان في البعيد، على أمل أن تبتسم الدنيا لهما، فتجدان الحب والزواج ..

شاهدت الفيلم أربع مرات، وتأثرت أربع مرات، وظللت أُفكر في الأحداث حتى هذه اللحظة، وسؤال يجول في خاطري، لو كتبت القصة امرأة، هل كانت الأحداث ستأخذ هذا المنحى؟ صحيح القصة تطرح مشاكل الفتيات وخوفهن من فوات قطار الزواج، وحاجاتهن العاطفية الإنسانية، لكن كان هنالك مبالغة في الموضوع، فلقد سُلط الضؤ على فئة الفتيات اللواتي سيطر عليهن موضوع الزواج وشلً تفكيرهن، في المقابل يوجد طرف غائب، وهو نموذج المرأة المستقلة التي وضعت قضايا أخرى ضمن أجندتها، غير موضوع الزواج. إضافة لنموذج ثالث، وهو الفتيات اللواتي يعشن حالة صعود وهبوط، فيحاولن الإرتباط ويفشلن، فيتجهن لمنحى أخر، ثم يحاولن الإرتباط مرة أخرى حيث لا تتوقف حياتهن عند نقطة معينة.
وأن يجعل الكاتب أحد البطلات مهوسة بجسدها، تراقب التغيرات التي تطرأ عليه كل الوقت، وكأن لا عمل لها إلا جسدها، فهذا أمر مبالغ فيه. والنظرة السوداوية تبرز بشكل أكبر، عندما تُصاب البطلة بورم في الرحم، مما يجعلها مضطرة لإستئصاله!! نعم يحدث، ولكن كم عدد هذه الحالات؟ وهنا تظهر الطروحات الذكورية المنتشرة في المجتمع، من أن للمرأة عمر معين، ولخصوبتها وقت قصير، كوردة إن لم تُقطف فإنها ستذبل وتموت.
وفي النهاية، أقول: دعوا المرأة وشأنها، فليست كل النساء ورود، وإن أعُطين الفرصة، فإنهن يستطعن أن يُصبحن بصلابة وقوة نبات الصبار.



https://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن