أينما كنت: إرفع راسك فوق ..إنت مصري

أيمن بكر

2011 / 4 / 27

دخل الدكتور عصام شرف رئيس وزراء مصر إلى مسرح عبد الله الجابر بجامعة الكويت، فانطلق بتلقائية الهتاف الوحيد الذي يعبر عن أعمق آلام المصريين في الخارج خاصة في دول الخليج:
إرفع راسك فوق إنت مصري.
لم أدر حقا لمن يوجه المصريون في القاعة نداءهم؛ هل إلى رئيس الوزراء الذي يرى البعض أنه جاء بغية تطمين دول الخليج حول توجهات الثورة المصرية فيما يتصل بالعلاقات المصرية الإيرانية وأثر ذلك على أمن الخليج، والحصول بالتالي على دعم دول الخليج لمصر اقتصاديا؟ هل أراد الشعب المصري المغترب في الكويت أن ينبه رئيس وزرائه إلى أن ما بعد الثورة غير ما قبلها في كل مكان؛ وعليه أن يرفع رأسه حين يتفاوض مع الأشقاء العرب حول مستقبل العلاقات الاقتصادية أو السياسية؟ أم أن الناس صرخوا بوجعهم الذي عانوا منه ويلات طويلة في الخليج وغيره: إرفع راسك فوق إنت مصري قالها المصريون بحرقة يمكن أن تكون إعلانا لانتهاء عصر المذلة التي اشتركت فيها السفارات والقنصليات المصرية بنصيب الأسد.
تكلم مقدم اللقاء أولا، هو أستاذ في جامعة الكويت يعرف مقدار مصر وحجمها ويقرر ذلك ببساطة العارف الذي لا يرى في مكانة مصر وريادتها انتقاصا منه ككويتي، قال مقدم الندوة إن فضل مصر ليس على العرب فقط وإنما على الإنسانية كلها، استشهد مقدم الندوة بأفضل جند الأرض من المصريين الذين أوقفوا التتار والصليبيين، واستشهد غيره من الكويتيين، بالحملات التعليمية التي درجت مصر على إرسالها للكويت ودول الخليج بما أسس للنهضة التعليمية في الكويت. كانوا كمن يرد على المتطرفين الذين يدعون إلى عزل الكويت واحتقار كل من يعمل فيها من عمالة عربية ألقتها الظروف للعمل خارج الوطن؛ فأخلصوا وتفانوا في العمل رغم ما يتعرضون له من عنصرية في كثير من دول العالم.
في المقابل هتف الجمهور المصري: مصر والكويت إيد واحدة، وشهدت سيدة مصرية في العقد الرابع من العمر بموقف دولة الكويت المشرف في تولي علاج ابنها المعاق، قالت بصدق إنها وجدت هنا ما لم تجده في أي مكان حتى وطنها (في ظل نظام مبارك طبعا).
بدأ الكلام أستاذ في جامعة الكويت داعيا المصريين إلى الاستثمار في وطنهم وتأجيل المليارات التي يتم صرفها على الحج المتكرر والعمرة المتكررة لعام واحد وتوجيه هذه المبالغ لبناء مصر.
الألم الأكبر الذي سيطر على وقت اللقاء كان هو الشكوى المرة من البعثة الدبلوماسية المصرية في الكويت بكل أفرادها وعلى رأسها السفير. بدأ الشكوى صراخ شاب يقول:
إحنا ما عندناش سفارة هنا ياريس
فهاجت القاعة مؤيدة كلامه. صرخ آخر: دول من رجال النظام السابق، فهاجت القاعة ثانية، حتى وصل الهتاف إلى نداء:
الشعب يريد تغيير السفير.
تعددت الشكاوى التي تؤكد عدم لعب السفارة لدورها في حماية المصريين، بل أكد الحضور أن السفارة كانت شريكا في إذلال المصريين، حتى إن أحد العمال البسطاء أصر على أخذ الكلمة وقال بوضوح مشيرا إلى السفير المصري:
اللي قاعد ده أخذت شهر بحاول أقابله وما عرفتش، ذلوني عشان أقابله، ياناس اللي شايف إن عندنا سفارة في الكويت يرفع إيده .. (لم ينطق أحد) ..أكمل الرجل بتلقائية مذهلة: طيب اللي شايف إن مافيش سفارة هنا يرفع إيده، فهاجت القاعة ورفع الجميع اليدين.
تعددت شكاوى المصريين وتساؤلاتهم؛ وكان من أهمها التساؤل عن كيفية مشاركة المصريين المغتربين في اقتصاد بلادهم، كيف يمكن أن تساعدهم الدولة في الحصول على تسهيلات وأراض. سأل احدهم: ما وضع الأراضي المصرية الآن؟ هل أصبح من حقنا كمصريين أن نطمع في الحصول على جزء من أرض وطننا لإقامة مشروع أو بيت نقضي فيه باقي حياتنا؟ تساؤل آخر طرحه أستاذ جامعي مصري بجامعة الكويت: أما آن للكفاءات المصرية في الجامعة وغيرها أن تعود لبلدها؟ تساؤل آخر لمستشار يعمل في مجال الاستثمار عن وضعية الصناديق الاستثمارية التي كانت تقابل معوقات روتينية كبيرة، مطالبة أخرى بضرورة تفعيل حق المصريين المغتربين في التصويت بدءا من الانتخابات القادمة. رأي آخر أيده كثيرون بضرورة سحب ترشيح الدكتور مصطفى الفقي لرئاسة جامعة الدول العربية عن مصر.
لكن كل هذه الأسئلة والأمنيات كانت كالاستراحات الصغيرة وسط حالة هياج عامة من أول اللقاء إلى آخره على السفارة المصرية في الكويت، حيث طالب الجميع تقريبا بأن يكون مجلس الجالية المصرية بالانتخاب وليس بالتعيين. لقد أجمع الحاضرون على أن أفراد السفارة المصرية في الكويت هم امتداد قبيح للنظام البائد، يتعاملون بنفس السلطوية والتعالي، والانفصال عن هموم الناس. أجمع الحاضرون على أن رجال السفارة لا يعون دورهم الخدمي، بل يظنون أن مواقعهم مجرد تشريف يجلب لهم مزايا بغض النظر عن نجاحهم كخدام لأقل عامل مصري خارج مصر.
من ناحية أخرى؛ بدا واضحا أن المصريين في الكويت شأنهم في ذلك شأن إخوانهم في باقي العالم، لا يصدقون أن صوتهم يمكن أن يسمع، أو أن يكون مؤثرا إذا فاتتهم هذه الفرصة، فتدافع كثيرون رغبة في الحديث، واضطر الدكتور شرف لإيقاف الكلام لارتباطه بموعد طائرة؛ لكنه وعد بأن يأتي مرة أخرى ليقضي وقتا أطول مع المصريين. لكن التدافع والحماس والإصرار على إدانة السفارة المصرية كل ذلك يعطي لرئيس الوزراء فكرة عن حجم الالتهاب المزمن الذي أصاب قلوب المصريين في غفلة دامت ثلاثين عاما من النظام الحاكم وأتباعه في السفارات والقنصليات المصرية، كما يعطيه ذلك فكرة عن المكبوت من الألم والمهانة والإهمال الذي تعرض له شعب مصر خارج وطنه.
أخيرا أكد رئيس الوزراء أن وضع الأمن المصري يتحسن بصورة واضحة، وستعود مصر بسرعة إلى حالة الأمان الاجتماعي التي اعتادتها، وطالب الجميع بنزول مصر دون خوف.
المدهش في الأمر هو أن الحاضرين -دون اتفاق- ودعوا رئيس وزراء مصر بالهتاف نفسه الذي استقبلوه به:
إرفع راسك فوق إنت مصري






https://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن