ما أحلي الرجوع إليه .. العودة إلي -بيت العائلة-

سعد هجرس

2011 / 4 / 12

لا وجود للكاتب بدون وجود القاريء. ولذلك فان المحنة الكبري لأي كاتب ان يتم حرمانه من التواصل مع قرائه وقد تعرضت لهذه المحنة كثيراً في العهود السابقة وكان السبب دائماً هو ان هذا القلم لا يعرف الكتابة الا "خارج النص" المقرر.
ومن نافلة القول ان كاتب هذه السطور ليس "فريد زمانه" بل انه مجرد فرد واحد في ذيل طابور طويل جدا من كتاب مصر الذين رفضوا المشي إلي جوار الحائط وإيثار السلامة والتخلي عن شرف الكلمة تحت ضغط الترهيب والترغيب وسيف المعز وذهبه. وليس معني هذا ان هؤلاء الكتاب "المتمردين" يحتكرون الحكمة والصواب. فهم يقدمون اجتهادات فكرية وسياسية قد تصيب حينا وقد تخطيء أحياناً.
لكن المشكلة هي ان النظم الاستبدادية تكره هذه المدرسة التي ترفع شعار "دع مائة زهرة تتفتح.. ودع مائة مدرسة فكرية تتحاور وتتنافس وتتصارع سلميا".
ولهذا فانها تكره المثقف "المستقل". ومن ليس معها فإنها تعتبره "عدوا" يستحق الاستئصال والاستبعاد بصورة أو أخري وهي تطبق ذلك علي الاعلام والصحافة بوجه خاص. باعتبار ان هذا القطاع هو الأكثر تأثيرا علي الرأي العام.
وفي ظل هذه النظرة دأبت تلك النظم الاستبدادية علي إنشاء ناد إعلامي وصحفي". عضويته مغلقة. لا يدخله سوي أهل الثقة. أما معايير هذه الثقة فليس من بينها الكفاءة المهنية والنزاهة ويقظة الضمير المهني والوطني والانساني. وانما تعلي هذه المعايير من شأن الولاء السياسي وحتي الولاء الشخصي. سواء للحاكم أو للدائرة الضيقة من صناع القرار.. وأجهزة الأمن المعنية.
وبالمقابل ظهر في قلب الجماعة الصحفية والاعلامية فريق من زملائنا رؤساء التحرير الذين لا يهمهم سوي قاريء واحد.. هو ذلك الذي أصدر قرار تعيينهم ووضعهم في مقعد رئيس التحرير
أما ملايين القراء العاديين- مثلي ومثلك- فلا يوجد أدني اعتبار لهم أو لحقوقهم في الحصول علي خدمة صحفية غير مغشوشة.
وكنتيجة مباشرة لذلك تحولت هذه النوعية من الصحف إلي أبواق دعائية لتحالف الاستبداد والفساد. ونشرات ثقيلة الظل للترويج لبضاعة أمانة سياسات الحزب الوطني المضروبة.
وفي سبيل تقديم هذه النوعية الرديئة والمغشوشة من الصحافة. والاعلام. تم ضرب أصول المهنة بالحذاء. وارتكاب جرائم مهنية مخزية. وتحويل الصفحات الأولي من جرائد- لها تاريخ- إلي شوارع خلفية وحوار وأزقة يتم فيها تقديم وصلات "ردح" وسباب بذيء وهابط يتفوق علي قاموس العالم السفلي. بما يمثل تلوثاً بصريا للقراء والمشاهدين وإيذاء للذوق العام.. ناهيك عن خيانة أصول المهنة. الملزمة قانونيا ومعنويا. لكل من يعمل في بلاط صاحبة الجلالة.
فرأينا دمغ شخص نبيل مثل الدكتور محمد البرادعي بأقذع الصفات. ووصف كاتب بقامة محمد حسنين هيكل بكلمات بذيئة من قبيل "الأفعي" و"الكذاب" وخلافه. ووصف شخص مثل خالد سعيد تعرض للقتل والتصفية الجسدية بعد التعذيب والاهانة علي أيدي مجرمين ينتمون إلي أجهزة الأمن بأنه "حشاش".
وبالمقابل تم اسباغ صفات القديسين والملائكة علي الرئيس السابق حسني مبارك. وولده. وزعانفه.. حتي ان أحدهم لم يجد غضاضة في ان يقول ان مصر ولدت يوم ولد حسني مبارك!! إلي هذه الدرجة.. وصل النفاق ومسح الجوخ.. والابتذال.. والغثاثة.. والاستهتار بالرأي العام.. والذوق العام!!
ولم يكتف هؤلاء باقتراف تلك الجرائم في حق المهنة وحق الوطن.. بل أصروا علي قصف الأقلام المتمردة التي ترفض السباحة مع هذا التيار الرخيص.. وكان قلم كاتب هذه السطور.. أحد هذه الأقلام التي تم قصفها مع سبق الاصرار والترصد.
لكن ثورة 25 يناير اندلعت رغم هذا التضليل الاعلامي والكذب الصحفي. وأثبت الشعب المصري أنه أذكي من هذه العقول الاعلامية والصحفية الفاسدة التي تخيل من وضعوهم في كراسي القيادة أنهم قادرون علي غسل مخ جماعي للشعب. وأنهم يستطيعون تشكيل الرأي العام علي هواهم.
كل هذه الخرافات وتلك الأوهام سقطت في ميدان التحرير ورفع الثوار لافتات كثيرة. كان من بينها لافتات عبارة عن قوائم سوداء للقيادات الصحفية والاعلامية التي استماتت لتجميل وجه النظام السابق القبيح وتشويه وجه الثورة والثوار.
وكانت الفضيحة الأكبر ان هؤلاء الذين دأبوا علي نفاق النظام السابق ولعق أحذية رموزه. انقلبوا بين عشية وضحاها إلي مؤيدين للثورة ومطالبها!!
هذه الوقائع المخزية تدل علي أننا بحاجة إلي ثورة إعلامية وصحفية "تعيد الاعتبار إلي شرف المهنة وأصول "الصنعة".



https://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن