سيرة ظل

سعد محمد رحيم

2011 / 4 / 12

تبني نضال القاضي روايتها ( سيرة ظل/ المؤسسة العربية للدراسات والنشر 2009 ) بطريقة ما وراء السرد، أي تأسيس رواية حول رواية أخرى تكون بمثابة النواة للأولى، حيث الإطار الخارجي العام للسرد يتضمن إطاراً آخر في الداخل يتمثل، هنا، بالمخطوطة التي تعثر عليها الراوية في المنزل القديم.. تلك المخطوطة التي تحكي عن تاريخ العائلة، وعلاقاتها، عبر مئتي سنة. وهي تذكِّرنا بمخطوطات في روايات أُخر، في سبيل المثال؛ ( مائة عام من العزلة، الراووق.. ). بيد أن الرواية تظهر لنا، فنياً، في شكل لوحات.. تتفاوت ضربات ريشة الراوية، أو الرواة، في كل لوحة من حيث الشدة والرقة، مع غلبة واضحة للمسة الأنثوية الرهيفة والهادئة. ولا أقصد أن نضال القاضي تكتب رواية نسوية بالمعنى الإيديولوجي الضيق، غير أن من يقرأ الرواية لابد أن يشعر بأن هذا الإيقاع في السرد لا يمكن إلا أن يصدر عن منظور امرأة إلى العالم. وحتى المخطوطة تبدو وكأنها كتبت من قبل امرأة أو مجموعة نساء، على الرغم من أننا لن نتعرف على نصها الأصلي.. وفي هذه الرواية تتفاوت مناطق النور والعتمة/ الضوء والظل، لكن منطقة الظل تغطي المساحة الأوسع في كل لوحة سردية؛ "عين ماء وضربة ريشة خاطفة، لطخة سوداء تمتد فوق رؤوسنا يسمّونها الليل، العين محددة بباب خشبي ومجدولة حافاتها بأسلاك وطحالب.." هكذا تستهل نضال القاضي روايتها موحية منذ البدء بأنها إزاء تاريخ مملوء بالثقوب السود، ومحاصر من جهات عديدة، وعليها أن تقوم بمغامرة فتح الباب، وإدخالنا إلى موطن الأسرار، تلك التي تعدنا به الفنون السردية دوماً لترضي فضولنا. فثمة راوية تستعيد تاريخاً متقلباً لأناس عاشوا وغادروا من غير أن يتركوا آثاراً كبيرة وعلينا أن نثق بما تقول، بوجهة نظرها التي تستدعي الأحداث كما لو أنها شذرات من حلم مجلل بالأسود والأبيض، وربما ببعض الألوان الدكناء أيضاً. حتى أنها تتمادى أحياناً عابرة إلى وجهة نظر الراوي، كلي العلم، السارد بضمير الغائب، وعذرها أنها تتكئ على مخطوطة.
سيرة ظل رواية أجيال مختزلة، بحبكة متشظية، لكنها في النهاية تعطينا صورة عن تاريخ عائلة، ثم عائلات تتفرع وتعيش وتندثر؛ عائلات تعكس الفسيفساء العراقية أسماءً وتقاليد ومذاهب وأقداراً. وتاريخ بفراغات غير قليلة تستفز مخيلة القارئ. والكاتبة غالباً ما تختار التفاصيل الصغيرة التي قد تبدو، للوهلة الأولى، بلا أهمية كبيرة لكنها تعبّر عن جوهر النوع الإنساني في تحوّلاته بين الخير والشر، بين السمو والانحطاط، بين الإيثار والأنانية، بين الأمل واليأس، الخ.. وقد يُصاب القارئ غير الصبور، الباحث عن الإثارة والحبكة الواضحة والمتماسكة، بالملل أحياناً.
تنفتح الرواية في مكان ما على إشارات ورموز وصور وأخبار مخطوطة، أو لعل الراوية، وهي تشرع بالسرد تحاول إيهامنا بأنها تفعل ذلك في كل فصل/ لوحة سردية، لنقلل من ارتيابنا بما تخبرنا به. تختلط ما تقول به المخطوطة مع ذكرياتها وانطباعاتها وخيالاتها، وربما بما تحفظ من تاريخ العائلة كما تناقلتها الألسن والشائعات.
إن تاريخ العائلة/ العائلات هو تاريخ العراق نفسه، وهو تاريخ كما تقول الراوية غير سعيد بالمرة. تنعكس التحولات والمآسي السياسية التي تعصف بالبلاد على حيوات الشخصيات وتحدد مصائرهم، حتى وإنْ لم يكن لهم في تلكم الأحداث دور ما.
نلمس في الرواية مسحة من الغموض يتركها أسلوب الراوية في السرد، كما لو أنها تحدِّثنا عن أحلام، أو أطياف خيالات، أو تعرض صوراً فوتوغرافية قديمة بهتت ألوانها. وهي حريصة على تذكيرنا دوماً بأنها إنما تعتمد المخطوطة مرجعاً رئيساً في إخبار القصة، فنبقى، في مهب ذلك الفيض الشعري بين الارتياب واليقين؛ الارتياب اللذيذ ونحن عند الفالق بين الحقيقة والوهم، واليقين بأن ما نقرأ رواية تمتلك قوة الفن.



https://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن