ديمقراطية الجهلاء .. أهلا!

أميرة عبد الرازق
amira.abedelrazik@gmail.com

2011 / 3 / 22

قال لي قبل استفتاء 19 مارس أنه غير مقتنع بمضمون المواد المعدلة في الدستور، لكنه سيصوت بنعم حرصا على الاستقرار السريع وعودة الجيش المنهك إلى ثكناته العسكرية. لم أفهم وقتها إصراره العجيب لإقناعي أن التصويت بنعم يحمل الحل السحري للديمقراطية التي سلنحظها في انتخابات مجلس الشعب السريعة على طريقة التيك اواي.
ويوم الاستفتاء سألته لماذا تصر على التصويت بنعم وأجاب بكل فخر، لأنني مع الجماعة ولا أستطيع مخالفة رأيها .. والمقصود طبعا جماعة الإخوان المسلمين!

وشبيه بهذا الموقف تعليق الشيخ السلفي محمد حسين يعقوب على اكتساح حملة نعم للتعديلات الدستورية فقال: عندما يقول لك الشيخ قل نعم، تقول نعم .. حتى لو كان ذلك على خلاف هواك، وسوف يكون منظرك سيء وأنت تخالف الشيوخ، لأنهم لن يختاروا لك شيئا يخالف الدين!
هل تناسى الناس أن الله في القرآن الكريم يقول" وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا" ولم يقل وما آتتكم المشايخ فخذوه وما نهتكم عنه فانتهوا.

هكذا يمارس أصحاب السلطات الدينية سياسة القطيع مع أتباعهم، فالناس عندهم عوام لا تفهم بل الشيوخ بيدهم مفاهيم كل شيء حتى السياسة الذين تبرؤوا منها في عهد أمن الدولة .. لا يتركوا فرصة للناس كي تفكر فالشيوخ يقرئون لهم ويفسرون لهم ويفكرون بدلا منهم، ويعطون لهم الدين في قوالب جامدة تزيد عقول الناس كسلا وجمودا، ليطأطئوا رؤوسهم لكل كلمة تطلع من فم ذي لحية تماما كما كان يصفق رجال الحكومة لكل كلمة تطلع من فم الرئيس.

ثم بدأوا بالشماتة في فريق ال "لا" مستخدمين مصطلحات لا يؤمنون بها ليعلوا صوت الشيوخ أليست هذه هي الديمقراطية التي تريدونها .. بيننا وبينكم الصناديق، والصناديق قالت نعم للدين!

والحقيقة أن هؤلاء لا يعرفون ما هي الديمقراطية، وهم لا يعرفونها لأنهم لا يعترفون بها ويرونها ضد الشريعة، ويفسرون مبدأ الشورى في الإسلام على أنه استشارة الفقهاء ورجال الدين في أمور الدولة!

الدميقراطية ليست حرية الاختيار فحسب، ليست أن تستغلوا جهل بسطاء المعرفة ليقتنعوا برأيكم تحت تأثير التعاطف مع الدين أو الخوف من مخالفة أوامره .. ليست أن تغصبوا الناس على أن يقولوا "نعم" وهم غير مقتنعين بها كي لا يخالفوا المشايخ.

أنتم تضحكون على أنفسكم يا سادة، وتصدقون كذبة صنعتموها بقصد أو بغير قصد، فالديمقراطية هي أن تترك الآخرين ليقولوا وليفعلوا ما يريدون بإرادتهم الخالصة وليس تحت تأثير الترغيب أو الترهيب بل تحت تأثير الوعي التام والمعرفة الموضوعية.

حقيقة لقد كشفت لنا أحداث 19 مارس أن الديمقراطية لا تصح مع الجهل، وأننا لا نحتاج لتزوير الانتخابات كي نخدم مصالح فئة معينة، ففي العهد الجديد عندنا وسيلة جديدة وهي تزوير العقول .. لا أنتقد من قالوا "نعم" بمحض إرادتهم ووعيهم السياسي فلهم كل الاحترام، لكن حسرتنا جميعا على هؤلاء الذين ضحك عليهم باسم مصالح من يسمون أنفسهم أهل الدين، وما لم يتعلم الشعب من أرقى مثقف فيه إلى أقل أمي كيفية ممارسة الديمقراطية فلنترحم على البلد من الآن، فحرية الاختيار لابد أن تقترن بالفهم للاختيارات المطروحة وتحمل المسئولية الكاملة عنها، أما ديمقراطية الجهلاء بدون فهم لما تفعله أو تختاره فأنت عرضة لأن يضحك عليك كل من هب ودب، ثم تطأطئ رأسك انبهارا بسحر كلامه وما هو إلا دجال!

مالم يتعلم الشعب ويخرج من قفص الأمية الصدئ فرحمة الله عليك يا مصر .. نحن لا نواجه مشكلة تطرف أو تصاعد للمصالح باسم الدين، لكن نواجة قضية شعب جاهل، غالبيته لا يعرف كيف يفك الخط، والجهل بالطبع قرين الخرافة، والخرافة في هذا العصر ليست قرينة الدجل والشعوذة ولكنها قرينة الضحك على الناس واستغلال جهلهم عن طريق عملية الترهيب باسم الدين ... إن عقل الأمي غير الواعي لا يختلف كثيرا عن عقل الإنسان البدائي الذي انساق وراء الخرافات وعبد النار لأنه خافها!

لقد كتب علينا جميعا أن نكون شهودا على مرحلة خطيرة من التاريخ، بل أن نكون صناع هذا التاريخ، وإذا اكتفينا بالثورة السياسية ولم نتحرك بقوة نحو ثورة فكرية وتعليمية شاملة ضد تغييب العقول، فسنقدم مصر مشوهة لنا ولأبنائنا، وستمضي الأيام ونمضى معها وتبقى مصر الجريجة لتلعننا على صفحات تاريخها لأننا كنا جزءا من نظام الفساد.



https://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن