علاقة الحرب بالثقافة البصرية. . أمسية ثقافية تجمع بين القراءة المُمسرحة والخطاب البصَري

عدنان حسين أحمد
adnanahmed9@hotmail.com

2011 / 3 / 20

نظّمت مؤسسة "الكلمة الحرّة" في لندن أمسية ثقافية بعنوان "الثقافة والحرب" جمعت بين القراءة المُمسرَحة، والعروض الفنية البصَرية. سوف نتوقف عند الفقرات الثلاث بحسب التسلسل الذي اقترحه القائمون على الأمسية. ففي فقرة "القراءات المُمسرحة" أطلّ الكاتب المسرحي العراقي حسن عبد الرزّاق، الذي يكتب بالإنكليزية، بعملٍ جديد مازال قيد الكتابة والانجاز يحمل عنوان "النار المتوهّجة". وقد سبق لهذا الكاتب المبدع أن قدّم عملاً مسرحياً ناجحاً أسماه "عرس بغداد" أخرجته الفنانة ليزا غولدمان عام 2007 على خشبة مسرح "سوهو" في لندن. وقد أثار هذا العمل، الذي يتناول تجارب ثلاثة عراقيين منفيين يعودون إلى العراق بعد سقوط نظام صدّام حسين، ردود أفعال طيبة، إذ كتب عنه العديد من النقاد البريطانيين في معظم الصحف البريطانية، كما تناوله نقّاد عرب بالدراسات النقدية والتغطيات في الصحف العربية التي تتخِّذ من لندن مقرّاً لها. أما مسرحيته الثانية "النار المتوهجة" التي هي قيد الإنجاز كما أشرنا فهي تتناول عدة قضايا درامية تتعلّق بالوطن والمنفى غير أن الكاتب حسن عبدالرزّاق قد إختار منها الثيمة التالية التي تتمحور حول عودة "رنا"، الفنانة التشكيلية العراقية المقيمة في لندن إلى العراق عام 2007 لكي تلتقي بعلي، زوج خالتها السابق الذي كان منتمياً إلى الحزب الشيوعي العراقي، ويشعر بالحزن العميق لما حلَّ بوطنه من محن وكوارث، ويريد أن يغادر العراق، غير أن "رنا" كانت تتوق للقاء الفنانين العراقيين الذين يعملون داخل الوطن ولا يتطلعون لمغادرته أبدا.
تتجه رنا وعلي إلى شارع المتنبي في اليوم الذي حدثت في عملية التفجير الانتحارية التي أصبحت رمزاً لاستهداف الثقافة العراقية، ومحاولة يائسة لحزّ عصبها النابض في شارع المتنبي. جسّدت دور "رنا" الفنانة البريطانية سيرين سابا "من أصل لبناني"، فيما لعب دور "علي" الفنان البريطاني رعد راوي "من أصل عراقي" وكلا الفنانَين لهما حضور واضح في المشهد المسرحي البريطاني. وعلى الرغم من أن المَشاهد المُقتطفة من هذه المسرحية تتمحور حول شارع المتنبي، محور هذه الأمسية، إلا أن المسرحية تتناول موضوعات عدة من بينها الحِجاب الذي سوف ترتديه "رنا" حينما تعود إلى العراق، وسبب العودة الذي يكاد يقتصر على مساعدة الفنانين العراقيين في الداخل، ومحاولة إقامة معرض فني لهم في لندن أو برلين. كما أن الكاتب يناقش سبب عودة بعض العراقيين ويجد أنها تتراوح بين الجشع والشعور بالذنب. وعلى الرغم من هيمنة الجانب السايكولوجي على شخصية "رنا"، إلاّ أن كاتب النص يكشف لنا جزءاً من ملابسات الجانب السياسي المتمثل بشخصية "علي" الشيوعي الذي اتخذ من "بشتاشان" ملاذاً له في أثناء مقارعته للنظام الدكتاتوري السابق، كما يسلّط الضوء على المواقف الزئبقية لبعض الرموز السياسية في العراق، إذ يرد اسم السيد جلال الطلباني الذي عقد صفقة مع الدكتاتور السابق وشنَّ هجوماً واسع النطاق على منطقة "بشتاشان" حيث فقدَ المدافعون أربعين شخصاً، والأخطر من ذلك أنهم فقدوا إرادتهم. وها هو الآن جلال الطلباني رئيساً للجمهورية العراقية تلتقيه أبرز القنوات التلفازية والإذاعية العالم وتتحدّث معه بحميمية، ولا تشير حتى من طرفٍ خفي إلى حرب الأخوة الأشقاء وماذا فعل أحدهم بالآخر؟
ركّز كاتب هذه المسرحية على شخصيات مثقفة لها حضورها الفاعل في المجتمع. فـ "رنا" التي تُعني بالفنون البصرية الحديثة تبذل قصارى جهدها من أجل أن تقيم معرضاً للفنانين التشكيليين العراقيين في لندن، وقد سبق لها أن جمعت شهادات وأدلةً وبياناتٍ كثيرة من العراقيين المقيمين في لندن، وعلّقت صور الضحايا على حيطان ثلاث غرف مُدوِّنةً أسباب موت الضحايا الذين فارقوا الحياة إمّا في جبهة الحرب مع إيران، أو تحت التعذيب على أيدي المُحققين البعثيين، أو تحت أنقاض صاروخ أميركي، أو بسبب نقص العلاج الكيمياوي المحظور تصديره إلى العراق أو بسبب سوء التغذية وما إلى ذلك أسباب يصعب حصرها في هذا المجال الضيّق. يتوقع المتابعون لتجربة الكاتب حسن عبدالرزاق أن يحقق نجاحاً موازياً لما حققه في مسرحيته الأولى "عرس بغداد"، وربما يتفوق عليها في نصه الجديد الذي أسماه مؤقتاً بـ"النار المتوهجة".
تحدثت المُصوِّرة يوجيني دولبيرغ في الفقرة الثانية من الأمسية عن تجربتها في توثيق أحداث فيلم "العراق. .عدسات مفتوحة" للمخرجة العراقية ميسون باججي، المقيمة في لندن. يتناول هذا الفيلم حياة مجموعة من النساء العراقيات اللواتي لم يمارسن مهنة التصوير من قبل، لكنهنّ أحببن هذا العمل حينما أشرفت على تعليمهن المصورة الفوتوغرافية المحترفة يوجين دولبيرغ حيث استأجرت لهن منزلاً في دمشق، وأعطت لكل واحدة منهنّ آلة تصوير، وطلبت منهن أن يوثقنَ حياتهنّ في خمس مدن عراقية. تركز حديث دولبيرغ على القاصة العراقية إرادة الجبوري التي تبنّت هذا المشروع بعد أن تركت وظيفتها كأستاذة جامعية، وحرصت على أن تنقل الحقيقة المروّعة التي تعيشها المرأة العراقية في ظل الاحتلال والعنف والحصار الاقتصادي. لقد حقق هذا الفيلم نجاحاً كبيراً لأنه يهّز أعماق المتلقي في كل مكان من هذا العالم.
أما الفقرة الثالثة والأخيرة فقد كانت مخصصة للفنان البريطاني جيريمي ديللر، الحائز على جائزة تيرنر عن عمله الفني الموسوم "ذاكرة دلو" الذي أنجزه عام 2004. تحدث ديللر عن عدد من أعماله التكوينية التي أنجزها عن شارع المتنبي خاصة، وعن تأثير الحرب على الثقافة العراقية بشكل عام. وقد تنقّل هذا المعرض، الذي يتكون جُلّه من سيارات مقصوفة، في أكثر من بلد من بينها الولايات المتحدة الأميركية. ولاشك في أن ديللر ينتقد فكرة الحرب جملة وتفصيلاً، ويحذّر من اندلاعها في أي مكان من هذا العالم لأنها لا تخلّف إلاّ الخراب والدمار، إضافة إلى تداعياتها الخطيرة على الكائن البشري والطبيعة على حد سواء. وفي ختام الأمسية الثقافية قدّم عازف العود إحسان الإمام قطعتين موسيقيتين نالت إعجاب الجمهور العربي والبريطاني.



https://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن