محاولة في فهم الاسلام السياسي - الجزء 3

عبد الغني سلامه
sabdelghani@hotmail.com

2011 / 3 / 19

المشروع القومي / الوطني الذي بدأ أواخر القرن التاسع عشر على يد رواد النهضة العربية، والذي تواصل على امتداد الأرض العربية وخاض خلال أكثر من قرن المعارك والثورات في مواجهة الاستعمار وأدواته، وتعمّدَ بدماء الشهداء وتضحيات الجماهير الشعبية، يحْمِلُ في طياته مشروع الحداثة والتنوير، ويسعى لترسيخ أسس الدولة الديموقراطية المدنية الحديثة بمحتواها التقدمي والتحرري التعددي الذي يضمن حقوق الإنسان واحترام إنسانيته، ويناضل لإرساء دعائم مجتمع حضاري تتعايش فيه الطوائف دون تعصب ودون كراهية، وتتعايش فيه الطبقات دون استغلال لبعضها البعض، ويتحقق فيه العدالة الاجتماعية في توزيع الثروة وتقاسمها وتداول السلطة السلمي، ويسعى هذا المشروع لبناء المستقبل بعقلية منفتحة على العالم، ومنسجمة مع الحضارة الإنسانية، ومتصالحة مع إرثه الثقافي والفكري.
هذا المشروع يقف اليوم على النقيض المباشر في مواجهة مشروع آخر تمثله قوى رجعية ترتبط بالماضي أكثر من إرتباطها بالحاضر، وتسعى لإرساء دعائم مشروع أممي يتجاوز حدود الجغرافيا والقارات، ويقوم فكر هذا المشروع على مبدأ الولاء والبراء ومعاداة كل ما لا يشبهها، والتصادم مع كل من يختلف معها.
هذا المشروع بدأت إرهاصاته الفكرية منذ أيام إبن تيمية ( 1263 ~ 1328 م ) وإبن قيم الجوزية ( 1292 ~ 1349 م ) وتبلور على يد الشيخ النجدي محمد إبن عبد الوهاب ( 1703 ~ 1791 م ) ومن بعده بنـيه، ثم على يــد أبو الأعـلى المودودي ( 1903 ~ 1979 م ) وسيد قطب ( 1906 ~ 1966 م )، حتى تلقّفه شكري مصطفى وصالح سرية، ثم أمراء الجماعات الجهادية في السبعينات والثمانينات من القرن العشرين، وأخيرا الطالبان والظواهري وتنظيم القاعدة.
وهنالك رأي آخر مفاده أن أركان الأصولية في المجتمع العربي ظهرت مع تفكك الدولة العثمانية ومع تصاعد حركة التحدي الأوروبي ، وأنها جاءت كردة فعل ولملء الفراغ الذي خلّفه أفول الدولة التركية ومؤسسة الخلافة، وقد جاءت ردة الفعل هذه تحديدا من الحركات السنية السلفية، وكان أبرزها وأهمها الحركة الوهابية في السعودية، وهي التي تركت أثرا مهما ما يزال لاعبا محركا حتى اليوم، في حين أن حركة الأمير عبد القادر الجزائري ( 1832 ~ 1847 م ) وكذلك الحركة المهدية في السـودان ( 1881 ~ 1898 م ) والحركة السنوسـية في ليبيـا ( 1912 ~ 1925 م ) كانت جميعها ذات تأثير أضعف وأقل ولم تترك أثرا فكريا يُذكر.
وسنتعرف في سياق هذه الدراسة على الحاضنة الفكرية لهذا المشروع وتفريخاتها واشتقاقاتها، وتنوع أساليبها ورؤاها بين المعتدلين والمتشددين والأكثر تشددا، وبين من يريدون دولة دينية ثيوقراطية، ومن يريدون دولة إسلامية سياسية، وبين يعملون من خلال البرلمانات والانتخابات، ومن يعملون من خلال التفجير والتكفير، لنصل في النهاية أن الفرق بينهما هو في الكم والأسلوب واختيار التوقيت، أما الأهداف العامة فهي سيان، وتلتقي في محاربة مشروع الحداثة والديمقراطية والعلمانية وإجهاض محاولات التحرر من سطوة النصوص وقداسة رجال الدين.
فأغلبية هذه القوى تسعى في النهاية إلى إقامة دولة إسلامية ثيوقراطية، يتمتع فيها "الخليفة" بمزايا لا يحوزها أي رئيس آخر في أي نظام دستوري ديموقراطي، فالمكانة التي يحظى بها رأس الدولة تعفيه من أي مسائلة بل تحرم الخروج عليه طالما أنه يراعي بعض الشكليات، كما تسعى هذه القوى إلى أسلمة المجتمع من خلال فرض أنماط اجتماعية معينة عليه، هي في أغلبها شكلانية تمثل جوهراً للدين البديل الذي تعمل على خلقه بوعي وبدون وعي، أي الدين الموازي لجوهر الإسلام الحقيقي بمضامينه الحضارية التقدمية المرنة المتصالحة مع فطرة الإنسان، بحيث يكون هذا الدين البديل مجرد إطار شكلي يحقق للجماعات الأصولية أهدافها في الوصول للسلطة، ومن ثم تثبيتها بسطوة رجال الدين أنفسهم وقداسة النصوص التي يحتكرون تفسيرها.
ولكن قوى الإسلام السياسي ليست على شاكلة واحدة، وهي تختلف عن بعضها وتتباين في الرؤى والأسلوب ودرجة الإعتدال أو التطرف، ويلعب الجانب الفكري دورا أساسيا في تحديد التمايزات بينها، إلى جانب معايير أخرى يمكن أن تفيدنا في تصنيف تلك القوى مثل الأصول الاجتماعية أو تصوراتها السياسية أو أساليبها الحركية ، فمنها ما يعتمد على تربية النشئ وفق المنهج الإسلامي وتهيئة المجتمع لتقبل فكرها، وتعتمد لتحقيق ذلك أسلوب العمل الاجتماعي والجمعيات الخيرية والمدارس ورياض الأطفال والمساجد، إلى جانب العمل الإعلامي والتحريضي، بينما ترى جماعات أخرى أن الأولوية للجهاد ( مقاومة الاحتلال، مقاومة الأنظمة السياسية ) وهي ترى في هذا الترتيب الأسلوب الأنجع في تحقيق ما تريده الجماعات من النوع الأول، أي من خلال إستقطاب التأييد الشعبي لنهجها.
وهنالك الأحزاب التي تنتهج العمل السياسي وتشارك في الانتخابات وأحيانا في الحكومات ولديها قدر معين من البراغماتية، بينما على النقيض منها ستجد الجماعات التي حشرت نفسها في بوتقة ضيقة من الشعارات والأيديولوجيات المنغلقة التي تتسع لكل بلاغات الخطابة ولا تتسع لأية مناورة سياسية، وقد اقتصرت أعمالها على العنف بأشكاله المختلفة.
على كل حال تتفق أغلبية أحزاب الإسلام السياسي على طرح منظومة فكرية دينية شمولية تعتقد أنها متكاملة ومطلقة وتصلح لحل كافة القضايا، ويتفرع منها نظريات اقتصادية واجتماعية وسياسية تؤدي في النهاية إلى أسلمة كل ما هو في طريقها، وتختصر هذه المنظومة الشاملة بشعارات دوغمائية مثل: "الإسلام هو الحل" و "وتطبيق الشريعة"، و "الحاكمية لله"، و "تنصيب الخليفة"، "القرآن دستورنا".
وهي شعارات دوغمائية لأنها عمومية وسطحية وضبابية ولا تتضمن تفصيلات ولا آليات عمل، وهي ترتكز على فكرة خاطئة مفادها أن المسلمين كانوا موحدين وأقوياء في ظل دولة الخلافة، وهو تصور لا تاريخي وغير علمي وتُكَذِّبُهُ الإنقسامات والإنشقاقات والحروب الداخلية والإغتيالات والمؤامرات للإستيلاء على السلطة، إلى جانب صراع الدويلات والطوائف والإمارات والممالك الإسلامية طوال الفترة التي يسميها الإسلامويون "فترة الخلافة".
وأيديولوجيا الإسلام السياسي بشكلها الحالي مناهضة للديموقراطية ومعرقلة للتطور، ليس لأنها ضبابية ودوغمائية وحسب، بل لأنها تعترف صراحة في كثير من أدبياتها بأنها ترفض فكرة الحداثة والدولة المدنية ولا تقر بالديموقراطية وتعتبرها بضاعة غربية، أما مبدأ الشورى التي تدعي أنه البديل الإسلامي للديموقراطية فهو مختلف في كثير من أوجهه عن الديموقراطية لأنه مقيد بتحريم الإبداع ومقيد بالنصوص وهو لا يغدو عن كونه شكلا من الإستشارة التي وجدت في مجتمعات ما قبل الحداثة ، وأما شعار "القرآن دستورنا" فهو يعني استبدال الدستور الوضعي الذي صاغه البشر وتوافقوا عليه وضمّنوه التفصيلات اللازمة والشروحات والآليات المحددة التي تلائم بيئاتهم، بينما القرآن الكريم لا يتضمن تلك التفصيلات وفيه الكثير من العموميات التي تجعل منه "حمال أوجه" كما قال عنه الإمام علي بن إبي طالب، وبالتالي فإن الحاكم سيكون مطلق اليدين فيما يريد ويشتهي، خاصة إذا ضمن بطانة من وعاظ السلاطين تجيز له كل شيء وتفتي له بما يريد.
وحركات الإسلام السياسي الأصولي أيضا لا تؤمن بالقومية العربية وتصفها بالمقيتة والنتنة، ولا تؤمن بالنـزعة الوطنية وتعتبرها غريزة حيوانية، وتحارب العلمانية بوصفها لها شكلا من الكفر والتعدي على الدين، ولا تنظر للمسيحيين وللطوائف الأخرى كمواطنين بل كذميين يتوجب عليهم دفع الجزية، وتروح أحزابٌ أخرى إلى نهاية المدى فتُحَرِّم الحرية ، بل وتحرم ترديد هذه المصطلحات أو حتى النطق بها!
والأيديولوجيا التي يحملها هذا المشروع متزمتة منغلقة متأثرة بشكل كبير بالفكر السلفي النجدي، وليس خافيا على أحد أن الأحزاب التي تعمل على نشر وبث هذا الفكر السلفي إنما تعمل بحماية وتشجيع بعض الدول النفطية لتحقيق أهداف سياسية ودعائية معينة لها، في حين تتلقى قوى أخرى الدعم من إيران.
والهدف النهائي لمعظم أحزاب الإسلام السياسي هو الوصول للسلطة ، سواء تحت مسمى إقامة دولة إسلامية أو تنصيب الخليفة أو أسلمة المجتمع، وبغض النظر عن أسلوبها سواء كان يعتمد الإنقلاب أو العمل الدعوي السلمي، أو كان بالعنف والتفجير، وهذه الأحزاب في حقيقتها تمثل مشاريع تفكيكية للدولة الوطنية المعاصرة، فهي في سعيها لتحقيق هذه الهدف من خلال أسلمة المجتمع وإنشاء أي كيان سياسي خاص بها حتى لو كان دويلة أو إمارة لن تبالي بالوحدة الوطنية ولن تأبه للدولة الوطنية الواحدة، وهي لن تتورع عن البطش بخصومها والإستقواء بالقوى الخارجية التي توفر لها الدعم والتمويل والمساندة السياسية، من أجل مساعدتها على الإنفراد بالسلطة مقابل استمرار مصالح تلك القوى في المنطقة، والأمثلة على ذلك واضحة وكثيرة وأبرزها إمارة حماس في غزة وحزب الله في الضاحية والحوثيين في اليمن والمحاكم الإسلامية في الصومال ودويلة العراق الإسلامية في الأنبار والطالبان في أفغانستان والجماعات الدينية في الجزائر والباكستان الساعية لتكوين دويلات دينية .
والسلطة التي يسعون لها ستكون في النهاية حكما ثيوقراطيا استبداديا ليس فيه مكانة لحرية الرأي ولا حق الاختلاف ولا للتعددية وتداول السلطة ... وإن أظهرت بعض التسامح مع القوى والشرائح الاجتماعية الأخرى، فهو التسامح الذي يبادر إليه الأعلى للأدنى كممارسة إحسانية أكثر منها إنسانية، أي أنها تستند في تسامحها على كونها الأكثر معرفة ممن تتسامح معه ، وهذا الشكل من التسامح هو بديل عن المساواة التي في ظلها لا يدعي أحد احتكار الحقيقة، وسيكون لرجالات الدولة ووعاظها قداسة وسطوة تعيد للأذهان حقبة غابرة من الزمن تولى خلالها رجال الكنيسة مقاليد الحكم في أوروبا، واعتبروا أنفسهم آنذاك مفوضين إلهيا بالحكم، وكان لهم دورا كبيرا في نشر الإقطاع والتخلف والعبودية وجر شعوبهم إلى الضياع والجهالة لقرون طويلة، ومنطق التاريخ يؤكد على أن فساد رجال الدين أخطر بكثير من فساد رجال السياسة على مسيرة تطور الشعوب، ذلك لأن رجال الدين لهم سطوة وهيبة وقداسة وتأثير أكبر وأشد من تأثير رجال السياسة على عقول الناس وتحديد ميولهم واتجاهاتهم .
والمنهج الذي تتبعه أحزاب الإسلام السياسي في فهم التاريخ وتعاطيها مع الحاضر، يتناقض مع منطق الطبيعة ونواميس الكون ويتنافى مع قوانين التطور الطبيعي ويفتقر للبُعد الاجتماعي، فهي قامت بتطويع قراءة انتقائية للنصوص وبفهم مثالي لأحداث التاريخ ثم أقامت لنفسها بنيانا خاصا للفقه واعتبرته رافعة أيديولوجية لنشر دعوتها ، والمطب المعرفي الذي وقعت فيه، هو لأنها لم تقرأ مراحل التاريخ كسياق متصل ومتراكم وصاعد دوما نحو الأعلى ويسير بحركة دائمة للأمام، فحركة التاريخ التي لا تخلو من المنعطفات الكبرى والمفاصل الهامة، لا يوجد فيها حالة جامدة متوقفة عند مرحلة معينة، بحيث تكون منعزلة عن بيئتها وغير متواصلة مع مراحل سابقة أو تالية لها، كما هو الحال في فهم أحزاب اليوم لمرحلة صدر الإسلام، كما لو أنها معلقة في فضاء الزمن وثابتة ومطلقة ويمكن نسخها وتكرارها في أي وقت وأي مكان، دون الأخذ بعين الاعتبار المتغيرات الهائلة للتي حصلت خلال كل تلك االسنين .
والمشكلة أن أحزاب الإسلام السياسي تقلص العالم إلى ثنائية قاطعة بين ما هو حق وباطل وبين من هو مؤمن وكافر، وتنظر للقضايا السياسية والمدنية بمعيار الحلال والحرام، لا بمعيار الصح والخطأ أو الجمال والقبح أو اختيار التوقيت والمكان، أو بأي معيار نسبي بشري آخر.. فمعيار الحلال والحرام والحق والباطل هو معيار مطلق لا يصلح للسياسة، ولهذا فإن إقحام الدين معترك السياسة سيضر بالأمرين معاً، والتعامل بالسياسة بأدوات الدين يضعف المساحة السياسية لأصغر حد، إذ أن السياسة هي فن الممكن وفن خلق البدائل، بينما الأدوات الدينية مطلقة ربانية لا تحتمل الخطأ ولا يوجد لها بدائل.
ولا يكفي أن ننتقد هذا المشروع، ولا يجوز أن نكتفي بفهم أسبابه وملابساته، ثم نتوقف عند الإطار النظري للقضية، بحيث نظل معلقين في فضاء المثاليات، دون أن نتقدم خطوة للأمام، فالمعركة إبتدأتها تلك الجماعات، وهي تمارسها فعلا بلا رحمة ولا شفقة، وتداعياتها ستكون وبالاً على الكل ما لم يستفق ويصحو وينطلق، ولكن دون أن نقع في خطأ تلك الجماعات ونمارس أساليبها الفاشية، بل ينبغي أن نخوض المعركة بروحنا الإنسانية وعقليتنا المنفتحة وبأدواتنا الحضارية وأساليبنا السلمية، لنحمي أنفسنا وأجيالنا ومستقبلنا من هذا الخطر الذي تمثله قوى الظلام والتجهيل والتكفير.



https://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن