هل نحن أمام بداية النهاية لاستهداف مصر ودورها؟!-

محمد سيد رصاص
mariakm@gmail.com

2011 / 2 / 15

ظنَ الكثير من العرب بأن زيارة الرئيس المصري أنورالسادات للقدس(19تشرين ثاني1977)ستتبعها خطة أميركية – اسرائيلية لتعميم (التسوية)على العرب والفلسطينيين،وأنها لن تكون مقتصرة على المصريين:لم يحصل ذلك رغم أن اتفاقيات كامب دافيد(17أيلول1978)قد تضمنَت شقاً فلسطينياً حرص مناحيم بيغن كثيراً على جعله غامضاً وملتبساً،وعندما بدأت المفاوضات التفسيرية لماتم الاتفاق عليه في منتجع كامب دافيد تصلب الاسرائيليون كثيراً في الشق المتعلق بالموضوع الفلسطيني ،فيماتساهلوا في الشق المصري مماأدى إلى توقيع الاتفاقية المصرية- الاسرائيلية في يوم26آذار1979.
أوحى سلوك رئيس الوزراء الاسرائيلي ،ذاك،بأن الاستراتيجية الاسرائيلية هي في عقد تسوية مع"الرأس العربي"،لعزله وتحييده،من أجل أن يتم التفرغ لباقي"الجسم العربي"،لمعالجته والتعامل معه عبر وسائل أخرى غير التسوية،رغم كل ماجرى عبر(اتفاق17أيار1983اللبناني)و(اتفاقية أوسلو) و(معاهدة وادي عربة)،التي لم تكن في الاستراتجية الاسرائيلية ستؤدي إلى أي تسوية،وهو مابان عملياً على الأرض لاحقاً:لم يكن هناك أكثر من أسابيع ستة فصلت اكتمال الانسحاب الاسرائيلي من سيناء في25نيسان1982عن الاجتياح الاسرائيلي للبنان،الذي كان من الواضح أنه لايهدف إلى فرض تسوية على لبنان وسوريا وإنما للمحاولة،عبر السيطرة على المنصة اللبنانية،من أجل إعادة تشكيل آسية العربية برمتها،إن لم يكن جغرافياً على طراز ماجرى في(سايكس- بيكو)،فعلى الأقل سياسياً،وخاصة أن ذلك الإجتياح قد كانت سبقته بعشرة أيام بداية تقهقر القوات العراقية أمام الايرانيين وانتقال الحرب العراقية- الايرانية إلى داخل الأراضي العراقية.
لم تقتصر مفاعيل(كامب دافيد)على عزل مصر عن آسية الغربية والشاطىء الشرقي للمتوسط،وهو شيء غير مسبوق منذ أيام الفراعنة،وإنما بدأت تتكَشف سريعاً للرئيس السادات(اغتيل في 6تشرين أول1981) استحالة تكرارتلك الأدوار التي شجَعته عليها واشنطن خلال عام 1977في دعم الصومال أثناء حربه ضد الحليف الإثيوبي الجديد لموسكو أوفي زائير لدعم الرئيس موبوتو ضد انفصاليي اقليم (شابا) الجنوبي الغني بالماس،الذين دعمهم الحكم الماركسي الجديد في أنغولا المسنود من موسكو وهافانا.
اقتصر الدور المصري ،آنذاك،على نفوذ أقرب للرعاية على سودان جعفر النميري(أطيح به في يوم6نيسان1985):منذ ذلك اليوم الذي سقط فيه النميري لم تستطع القاهرة ممارسة أي نفوذ في الخرطوم،كالذي مارسته منذ استقلال السودان في اليوم الأول من عام1956،و الذي لم ينقطع حتى عندما حاولت قوى سودانية عكس ذلك كماجرى مع الانقلاب العسكري في17تشرين ثاني 1958بالخرطوم بقيادة الفريق ابراهيم عبود حيث استطاعت القاهرة بعد أربعة أشهر(4آذار)إزاحة الرجل القوي في (المجلس العسكري الأعلى) اللواء محمد عبد الوهاب الموالي للغرب وحزب الأمة عبر انقلاب أبيض نظمه ضباط موالين لمصر،وهو ماكان تمهيداً عند الرئيس عبد الناصر لتوقيع اتفاقية8تشرين ثاني1959مع السودان لتقاسم مياه النيل بين البلدين.وحتى عندما اجتمعت واشنطن والقاهرة على العداء والخصومة للحكم الاسلامي السوداني بقيادة الترابي والبشير(30حزيران1989-12كانون أول1999) فإن الأميركان قد اختاروا أفارقة (منظمة الإيغاد)،أي أوغندة وكينيا وإثيوبيا وإريتريا،من أجل تنفيذ أجنداتهم السودانية،واستبعدوا القاهرة ،وبالذات من مفاوضات حركة التمرد الجنوبي(1993-2005)مع الخرطوم التي رعتها بضوء أخضر أميركي تلك المنظمة،التي لم تقتصر دولها على رعاية حركة العقيد جون غارانغ،وإنما تحوَلت العاصمة الإريترية،بموافقة وتشجيع واشنطن،إلى مقر للمعارضة الشمالية التي جمعها تجمع سياسي في عام1995مع غارانغ أطلق عليه اسم(تجمع أسمرا).
أدى هذا إلى تهميش دور مصر في مفاوضات، وضح ،مع اتفاقية نيفاشا الموقعة في كينيا بيوم9كانون ثاني 2005وصولاً حتى استفتاء9كانون ثاني2011المقرر وفقاً لتك الاتفاقية بين حكومة الخرطوم وحركة التمرد الجنوبية،أنها سترسم مصير(أومصائر)السودان،الذي قال عنه حاكمه العام البريطاني ريجينالد ونجيت(1899-1916)بأنه"مادمنا نحتفظ بالسودان فإننا نحتفظ بمفتاح مصر لأننا نسيطر على منابع مياهها"(نقلاً عن:مدثر عبد الرحيم:"الامبريالية والقومية في السودان"،دارالنهار،بيروت1971،ص ص56-57).أيضاً،ومنذ اندلاع تمرد اقليم دارفور في شهر شباط2003،استبعدت مصر من المشاركة في مداولات العاصمة النيجرية أبوجا بربيع 2006،التي شاركت فيها الولايات المتحدة والجماعتان الأوروبية والافريقية والأمم المتحدة،والتي أسفرت عن اتفاق5أيار2006 بين الخرطوم وجناح مني أركو مناوي في (حركة تحرير السودان)الدارفورية،ثم لم يكن للقاهرة أي مشاركة أوحضور في مداولات2010حول دارفور في العاصمة القطرية.
امتد هذا التهميش الغربي الأميركي- الأوروبي لمصر إلى قضية لوكربي مع ليبيا، التي كان هناك دور افريقي بارز في حلها عام1999على خط واشنطن – لندن:كانت الحصيلة لهذا العزل لمصر عن أي دور في آسية العربية إثر(كامب دافيد)،ثم استبعادها من قضايا السودان وليبيا،مؤدية إلى عدم قدرة مصر على لعب أدوار،حتى ولوثانوية،في أحداث مفصلية مثل حرب2003الأميركية على العراق،فيما لعبت ايران آنذاك دوراً كبيراً هناك بالتعاون مع واشنطن ثم منذ آب2005لحسابها الخاص،وحتى عندما حاولت القاهرة بدءاً من عام2006أن تلعب دوراً في لبنان كان هذا الدور أضعف من أدوار دمشق وطهران والرياض .
يبدو أن هذا التهميش لمصر لايقتصر عند الغربين الأميركي والأوروبي على فعل وقائي،خوفاً من تكرار تجربتين ،كادتا ،من خلال محمد علي باشا وجمال عبدالناصر،أن ترسم صورة مصرية لمسرح اقليم الشرق الأوسط برمته ضد الإرادة الغربية،وإنما يمتد إلى ماهو أبعد:يوحي مايجري في سودان2011،مضافاً إليه مطالبة أفارقة منابع حوض النيل في نيسان2010بإعادة النظر في اتفاقية1929حول تقاسم مياه النيل،بأن هناك استهدافاً لمصر،لم يعد مقتصراً على تهميشها وعزلها عن محيطها شرقاً وجنوباً وغرباً ،وإنما الأمر أصبح ممتداً نحو استهداف داخلها عبر التحكم من خلال السودان بمفتاحها الذي اسمه النيل.هنا،لايمكن تسمية ماجرى في ليلة رأس سنة2011في كنيسة الاسكندرية بأنه "استهداف للمسيحيين"،وإنما يجب اعتباره في إطار استهداف مصر ،يمكن عبره ،وعبر إعادة تشكيل السودان ،انشاء أوضاع مصرية أكثر مؤاتاة للغربين الأميركي والأوروبي من أوضاع (مابعد كامب دافيد)،التي أظهرت أن "التطبيع"لم يتجاوز حدود الدائرة الرسمية المصرية إلى الدائرة المجتمعية خلال ثلث قرن من الزمن.
السؤال منذ25يناير2011:هل ستؤدي الأحداث المصرية إلى انشاء أوضاع داخلية تمنع وتعيق هذا الإستهداف الخارجي لأرض الكنانة،أم لا؟..



https://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن