اللجان الشعبية كأداة تنظيمية أهلية وقت الثورات والأزمات!؟

سليم نصر الرقعي
elragihe2007@yahoo.co.uk

2011 / 1 / 31

قد يعتقد بعض من لا يملكون معلومات كافية عن أحداث الثورات التاريخية الكبرى عبر التاريخ أن فكرة (اللجان والمجالس الشعبية) فكرة جديدة !.. أعني هذه اللجان الأهلية العفوية التي شكلها الأهالي والمواطنون في خضم ثورة الشارع التونسي والشارع المصري حاليا ً.. وقد يحدث لبس لدى بعض الليبيين حول هذا المصطلح – أي اللجان الشعبية - إذ هو مصطلح متداول عندنا في ليبيا منذ عقود فيما يسمى بتجربة السلطة الشعبية المزعومة أو الموهومة فيعتقد أن فكرة السلطة الشعبية المباشرة قد إنتقلت للشعب التونسي والشعب المصري!.. وسبب هذا اللبس هو عدم إدراك الخلفية التاريخية لهذا المصطلح أي (اللجان والمجالس الشعبية) والتنظيمات والأطر الأهلية التي يلجأ إليها المواطنون عند غياب وإنهيار أجهزة الدولة لسبب من الأسباب كحدوث كارثة طبيعية ضخمة مفاجئة تشل مؤسسات وأجهزة الدولة أو حدوث ثورة شعبية أو حرب أهلية واسعة النطاق تؤدي إلى إنهيار الدولة أو عجز كبير في أداء وظائفها العامة وحصول حالة من الفراغ الحكومي والأمني الكبير والخطير عندها يلجأ الناس في كل الأحياء والمناطق إلى تنظيم صفوفهم في أطر وتنظيمات أهلية ولجان ومجالس شعبية تعمل على سد هذا الفراغ الناشئ عن غياب الدولة وخصوصا ً فيما يتعلق بحفظ الأمن في الأحياء وحراسة الممتلكات الخاصة والعامة! ... وقد ظهرت مثل هذه اللجان والمجالس الشعبية – ربما لأول مرة - في خضم أحداث الثورة الفرنسية وكذلك برزت بشكل كبير فيما بعد في خضم الثورة الروسية قبل ركوب "البلاشفة الشيوعيين" لموجة هذه الثورة الشعبية والإستيلاء عليها لصالحهم وصالح برنامجهم الحزبي الإيديولوجي الجذري!.


والشاهد هنا أن فكرة اللجان والمجالس الشعبية التي يشكلها الأهالي أو المواطنون أو الثوار كأطر تنظيمية لتوحيد الصفوف والجهود في وقت الأزمات الإجتماعية الحادة والكبيرة والتغيرات السياسية الخطيرة التي تؤدي إلى إنهيار الدولة بالكامل أو غيابها وعجزها عن أداء مهامها الأساسية وخصوصا ً مهمة حفظ الأمن العام وأمن المواطنين هي "أدوات أهلية بدائية وبسيطة" يضطر الناس إلى اللجوء إليها في وقت الضرورات القصوى والأزمات الكبرى وعند غياب الدولة بإعتبارها الجهاز الحكومي العام للمجتمع الوطني كما حدث في الثورة الفرنسية والثورة الروسية وكما حدث في ثورات أوروبا الشرقية ضد النظم الشمولية الشيوعية وكما يحصل الآن في تونس ومصر!.. فمثل هذه "الأدوات التنظيمية البدائية والبسيطة" وهذه (التنظيمات الأهلية الشعبية) هي أدوات تفرضها الضرورة في وقت الأزمات الكبرى والثورات فقط أي عند غياب الدولة وعجزها عن أداء مهامها الأساسية التي نشأت مؤسسة الدولة عبر القرون لأجلها وكذلك في حال غياب مؤسسات المجتمع المدني القوية والقادرة على تعبئة هذا الفراغ الحكومي المفاجئ كعدم وجود أحزاب سياسية كبيرة لها فروع في كل المناطق .. ولا يصح بالتالي لعاقل أو لعارف بطبيعة الدولة وطبيعة المجتمع البشري وطبيعة مثل هذه الأدوات الشعبية البدائية البسيطة أن يجعل من مثل هذه الأدوات الطارئة والمؤقتة هي الأساس التنظيمي للحياة العامة في المجتمع البشري أو كبديل عن الدولة كجهاز حكومي وكبديل عن المجتمع المدني والسياسي المستقل عن السلطة!!!.. فلا أحد طالب بهذا ونظر له إلا دعاة المذهب الفوضوي اللاحكومي منذ الثورة الفرنسية والذين يعتقدون أن الجهاز الحكومي جهاز قهر عام يجب تحطيمه بالكامل وإحلال محله التنظيمات الشعبية والمجتمعات (الإشتراكية) المحلية غير المركزية (الكومونات)!.. بل حتى الشيوعية كمذهب إقتصادي تلتقي مع الفوضوييين في هذه الغاية النهائية وهي التخلص من الدولة كجهاز حكومي!.. وهي الأفكار التي تأثر بها كاتب الكتاب الأخضر – أيا ً كان صاحبه! - فمثل هذه النظريات الشعبوية الطوباوية لا أساس لها من الصحة ولا العلم السليم كما أنها غير قابلة للتحقيق الفعال والمفيد في الواقع العملي للبشر وإذا أصر البعض على تطبيقها فالنتيجة معروفة سلفا ً وهي حلول الفوضى وشيوع الغوغائية أو تحولها إلى مجرد شعارات فضفاضة وأطر شعبوية شكلية مضللة وخادعة للجماهير ظاهرها الحكم الشعبي الجماهيري وحقيقتها الحكم الفردي والشمولي المتسربل بمثل هذه الشعارات الشعبوية الكاذبة والزائفة وهو ما حدث في "ليبيا" خلال كل العقود الماضية حيث يحكم القذافي البلد بطريقة فردية مطلقة ومستبدة تحت شعار (الشرعية الثورية) ومن وراء أكذوبة ومسرحية السلطة الشعبية الجماهيرية ثم يدعي أنه خارج السلطة وأن السلطة للشعب!.


فوجود الدولة كجهاز حكومي سلطوي أمر ضروري وحيوي للمجتمعات البشرية ووجود سلطة مركزية عليا للبلد في أية صورة كانت وتحت أي مسمى - "حكومة" أو "إدارة" أو"رئاسة" أو"قيادة" – هو أمر ضروري وطبيعي وحتمي لا يمكن تجاوزه بأي حال من الأحوال وإلا فهي الفوضى ولكن يبقى السؤال الكبير والحاسم هنا : هو من الذي يتولى أمر هذه السلطة القيادية العامة للدولة التي تقود سفينة البلد والمجتمع؟ وعلى أي أساس يتم إختيار الشخص الذي يتولاها؟ هل يختاره أفراد الشعب (المواطنين) بمحض إرادتهم الحرة من خلال إنتخابات جماهيرية عامة أم يفرض عليهم من فوق من خلال القفز على السلطة في الظلام والناس نيام بواسطة إنقلابات عسكرية داهمة وطامة!!؟.. هذا هو السؤال وفي إجابته الفرق الكبير بين الديموقراطية والديكتاتورية وكذلك الفرق بين مجتمع المواطنين الأحرار الرشيد ومجتمع العبيد التابعين للزعيم الملهم والفريد!!.



https://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن