قراءة في كتاب رياض العطار: إنتهاكات حقوق الإنسان في العراق

عبدالخالق حسين
Abdulkhaliq.Hussein@btinternet.com

2002 / 8 / 7

 

صدر إلى الأسواق حديثاً كتاب الناشط في حقوق الإنسان الأستاذ رياض العطار والموسوم ب (إنتهاكات حقوق الإنسان في العراق). والكتاب عبارة عن مجموعة مقالات ودراسات نشرها المؤلف في السنوات الماضية في الصحف العراقية في المهجر وكذلك في الصحف العربية، وتدور موادها حول معاناة الإنسان العراقي من جرائم النظام من إنتهاك لحقوقه كإنسان وكمواطن.

 

يمكن القول أن حقوق الإنسان والديمقراطية وجهان لعملة واحدة، إذ لا يمكن بناء نظام ديمقراطي ما لم تكن حقوق الإنسان مضمونة فيه وبدون أي تجاوز على هذه الحقوق. فعندما نتحدث عن حقوق الإنسان، لا يعني هذا فقط تحرير الإنسان من إضطهاد السلطة المستبدة، وإنما تحريره أيضاً من الخوف من جميع مصادر العسف والإضطهاد السياسي والإجتماعي والديني والعرقي وغيره، بمعنى منحه حقه في حرية  التفكير والتعبير والإنتماء السياسي، والفكري والآيديولوجي، والديني والمذهبي، وتحريره من الفقر والفاقة والجهل والمرض. فمصطلح (حقوق الإنسان) مصطلح واسع وله مدلولاته السياسية والإنسانية وعلى نطاق واسع. لذلك يضم هذا الكتاب طيفاً واسعاً من المواد التي تصب في هذا المجال.

قال فولتير: " أينما حل الظلم، فالكتاب هم المسؤولون عنه." وقد ذهب جان بول سارتر أبعد من ذلك عندما قال: "الكتاب مسئولون عن الظلم في أي مكان من العالم حتى ولو لم يسمعوا به ". بمعنى أن من أهم واجبات المثقف هو العمل على رفع وعي الجماهير لمقاومة الظلم وحماية حقوق الإنسان أين ما كان هذا الإنسان، أي أخذ إجراءات وقائية لمنع وقوع هذا الظلم.

ومن المؤسف القول أن الكتّاب العرب قد أهملوا هذا الجانب الثقافي في رفع وعي المواطن العربي بحقوقه الإنسانية وكمواطن له حقوق وعليه واجبات. لقد أهملت ثقافة حقوق الإنسان من قبل الجميع، السلطة والمعارضة، قوى اليمين واليسار على حد سواء. ولم ينتبهوا إلى هذا الجانب الثقافي المهم  إلا في وقت متأخر، وبعد أن حلت الكارثة واتسع الدمار وعم الخراب في كل مكان من الوطن العربي وشّرِدَ وهُجَّرِ أكثر من أربعة ملايين مواطن من العراق وحده، يعيشون في المنافي ومنهم صار طعاماً للحيتان.

فمن المعروف أن الظلم وحده لا يكفي لتثوير الإنسان والمطالبة بحقوقه وإنما الشعور بالظلم هو الذي يدفع الإنسان بالثورة ضد هذا الظلم والمطالبة بحقوقه وحقوق الآخرين. من هنا تأتي أهمية الوعي السياسي والتثقيف بهذه الحقوق. فلما حصلت الثورة الفرنسية يوم 14 تموز/يوليو 1789، لم يكن الملك لويس السادس عشر أظلم ملوك آل بوربون في فرنسا، العكس هو الصحيح، إذ كان أقلهم ظلماً، ولكن حصلت الثورة في عهده، لأن وعي الجماهير الفرنسية المضطهدة قد بلغت مستوىَ عالياً مما كان كافياً لتفجير الثورة وذلك بتأثير الكتاب الفرنسيين الكبار من أمثال جان جاك روسو وفولتير ومونتسكيو وغيرهم الذين عملوا على رفع وعي الجماهير وإيقاضهم من نومهم وأشعلوا فيهم روح التمرد على الظلم وتحريضهم على الثورة والمطالبة بحقوقهم كبشر أثمن كائن على وجه الأرض، لهم الحق في أن يعيشوا حياة حرة وكريمة خالية من الخوف والعوز والإضطهاد.

ومن نافلة القول أن ما يميز الإنسان عن الحيوان هو الوعي. فيمكن أن يقع الظلم على أي شعب، كما كان يحصل طيلة العهود القديمة في التاريخ ولحد الآن في العالم الثالث، ومنها شعوبنا العربية. وكانت الشعوب تسكت في الماضي عن هذه المظالم بسبب الخدر الذي أصاب وعيها، فكانت تعتبرها قدراً مكتوباً عليها وما لها سوى الإذعان والطاعة والخنوع للسلطان الجائر.

والجانب المشرق في منافينا هذه هو أن هذه المنافي قد وفرت للمثقفين المشردين، حرية التفكير والتعبير التي افتقدناها في أوطاننا، ومنحت الفرصة لإعادة النظر في كثير من الأفكار والمواقف السياسية والأيديولوجية وخاصة أولئك الذين عاشوا في الدول الغربية الديمقراطية ليراقبوا بأنفسهم عن قرب، وماذا تعني لهم الديمقراطية وحقوق الإنسان في المجتمع الغربي.

يبدأ الكتاب بمقدمة بقلم الدكتور أحمد الموسوي رئيس الجمعية العراقية لحقوق الإنسان-فرع سورية.  ويقع في ثلاثة أقسام:

القسم الأول ويضم تسع دراسات منها مثلاً التعذيب أداة لكسر أي تمرد ضد السلطة، جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية، المواثيق الرئيسية الخاصة بحقوق الإنسان، وغيرها. أما القسم الثاني فيضم أكبر عدد من هذه الدراسات وفي مختلف مجالات حقوق الإنسان. والقسم الثالث والأخير فيضم عهود ومواثيق مختلفة ومنها مثلاً إعلان الأمم المتحدة لحماية المدافعين عن حقوق الإنسان وهو عبارة عن مراجعة لمجموعة من قرارات الأمم المتحدة فيما يخص حماية حقوق الإنسان تزوِّد القارئ والباحث بمصادر مهمة لا يستغني عنها. كذلك إعلان برشلونة وعهد الشرف والميثاق العربي لحقوق الإنسان، إضافة إلى نبذة تاريخية عن ميثاق الشرف العظيم Magna Carta الذي تم إصداره عام 1215 في بريطانيا من قبل البارونات وفرضه على الملك جون بعد هزيمته في الحرب مع فرنسا. ويعتبر هذا الميثاق الخطوة الأولى في تطور الديمقراطية الحديثة. وله أهمية تاريخية بالغة. ثم يتطرق الباحث إلى القضاء في الإسلام والمحاولات في تحقيق حقوق الإنسان والتقريب بين المذاهب الإسلامية في العراق في وقت مبكر مثل مؤتمر النجف 11 كانون الأول(ديسمبر) 1743، ويعتبر هذا العمل من الإجراءات المهمة في سد الثغرات التي كانت تستغل من قبل الأجانب لإشعال الفتن الطائفية. إضافة إلى مواد أخرى في غاية الأهمية.

كما ويضم هذا القسم من الكتاب تعريفاً موسعاً لمصطلحات كثيرة تستخدم في مجال حقوق الإنسان مثل: العهد، ولاية المظالم، الهجرة (وهي مقالة قيمة بقلم الباحثة الدكتورة فيوليت داغر)، الإبادة الجماعية، الوقف. ويختتم الكتاب بتوصيات المقرر الخاص لحقوق الإنسان.

 

 والمؤلف شخصية وطنية، ناشط في الدفاع عن حقوق الإنسان. لمَ لا وهو أحد ضحايا إنتهاكات النظام الحاكم في بغداد لحقوق الإنسان. وقد عانى هو وعائلته كثيراً من العسف مما اضطر إلى مغادرة وطنه الذي أحبه كثيرا، ليعيش مع عائلته بعيداً عن الإضطهاد، ويسلم من بطش السلطان الجائر. وفي نفس الوقت، ساعد أخوته من المواطنين المشردين الآخرين.

فمنذ مغادرته العراق، قبل أكثر من عشرين عاماً، انخرط الأستاذ العطار في الدفاع عن حقوق الإنسان بنشاط منقطع النظير. فمد الجسور مع منظمات حقوق الإنسان في الوطن العربي والبلدان الأوربية وخاصة البلدان الإسكندافية وكذلك مع منظمة العفو الدولية في هذه البلدان ومكاتب منظمة اللاجئين للأمم المتحدة في بلدان الشرق الأوسط. ونتيجة لعلاقاته الواسعة مع هذه المنظمات استطاع مساعدة العشرات، إن لم أقل المئات، من العراقيين المشردين في الشتات من جور النظام الصدامي، والحصول لهم على حق اللجوء في البلدان الأوربية.

وفي نفس الوقت قد أبدى نشاطاً كبيراً في نشر ثقافة حقوق الإنسان في الصحف العراقية في المنفى وكذلك في العديد من الصحف العربية وله إهتمام واسع بالقانون الدولي. إضافة إلى حضوره الملحوظ ومساهماته القيمة في المؤتمرات والندوات التي أقيمت في العواصم الأوربية وعدداً من البلدان العربية.

والكتاب يقع في 328 صفحة بطباعة أنيقة وإخراج جميل، عبارة عن حصيلة جهود المؤلف في مجال نشر ثقافة حقوق الإنسان التي نحن بأمس الحاجة إليها… وهو جدير بالقراءة متمنين للأستاذ رياض العطار كل التوفيق والمزيد من النجاحات في هذا المجال والعودة المشرفة للعراق الديمقراطي.

 

الكتاب: إنتهاك حقوق الإنسان في العراق

المؤلف: رياض العطار،   الناشر: الجمعية العراقية لحقوق الإنسان- فرع سورية.

 

 



https://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن