المهام الانتقالية في الثورة التونسية نداء رقم 3

خالد عايد
kayedus@yahoo.com

2011 / 1 / 22

ثمة شبح يحوم فوق الوطن العربي، هو شبح الثورة الاجتماعية، حط رحاله مؤخرا في تونس الخضراء وتجسد في ثورتها العظيمة. لم تنزل الثورة مثل صاعقة من سماء صافية الأديم، بل تمخضت في رحم شروط ثورية كانت تنضج على نار هادئة بفعل عوامل متلازمة ومتوازية: عقود من الاستبداد والفساد والاستغلال والإذلال والتبعية في جانب، وعقود موازية زاخرة بالتراث والتقاليد والنضالات الوطنية والقومية والاجتماعية الثورية في جانب آخر. ولأسباب تتراوح بين عسف النظام وضعف المعارضة في أوساط الطبقات الشعبية وما بينهما من عوامل أخرى، ظلت الأداة/ الأدوات التنظيمية مهمشة وقاصرة- بل حتى غائبة – عن تسنم قيادة الحركة الشعبية الثورية على درب كفاحها المرير من أجل الحرية والتقدم والعدالة الاجتماعية والوحدة العربية.

لا تزال ثورة تونس العظيمة، يومياً، تعبر عن وعي جذري أعمق مما يتصوره كسالى النخب الفكرية في بروجهم العاجية، وتيتدع المزيد من الأشكال والأدوات التنظيمية والكفاحية التي تتجاوز بأشواط ما عهدناه حتى لدى قوى المعارضة التقليدية.وهي تتلقى الاحتضان الحميم من الشوارع العربية المقهورة والمكممة، وتسطر بالدم الزكي والعرق المالح أبلغ آيات اليطولة وأروع الصفحات في التاريخ العربي الثوري المعاصر، وتمنح أثمن العبر والدروس لكل من له عينان فيبصر وأذنان فيسمع، وسواعد فتية فترتفع، وحناجر فتصدح بأحلى أناشيد الحرية كاملة غير منقوصة، وقدمان لتسيرا على درب نظام عالمي ثوري جديد، وجميل.

*****

إننا نرى أن هذه الثورة التونسية قد قطعت حتى الآن أشواطا بعيدة في مسيرة الألف ميل، لكنها لم تقطع بعد بالكامل مع النظام القديم، ونحن نرنو الى أن تصب الدماء الزكية في مجراها الشعبي الطبيعي، وأن تندمل جراح المناضلين والمناضلات لتتفتح مرجا عبقا بأريج الحرية والعدالة الاجتماعية والكرامة يسرّ الناظرين، ونضع الثورة في حدقات عيوننا مخافة مجاميع السرّاق والانتهازيين والجلادين، ونحرص على ديمومة الثورة وتجذرها وانتشار فعلها قدوة حسنة ومثالا ملموسا لملايين الكادحين/ الكادحات المستضعفين والشباب والشابات من بناة الغد في وطننا العربي الكبير وفي العالم بأسره؛

...لهذا كله وغيره، نرى من واجبنا ( بل من أقل الواجب) التأكيد على منظومة من المهام الانتقالية للسير بالثورة قُدُماً الى الأمام على طريق مجتمع الحرية والكفاية والعدل المنشود:

- الحَذَر الحذرثم الحَذَر من فلول النظام المتهاوي بكافة تلاوينها وأشكالها التي لا تزال كامنة في جحورها تتربص بالتورة للغدر بها وبالمكاسب التي حققها الشعب بواسطتها، مدعومة في مخططاتها التآمرية من القوى الاستعمارية الغربية وربيباتها الدكتاتوريات العربية التابعة.

- استمرار الشعب الثائر باحتلال الشارع ، بالتظاهرات والحشود والمهرجانات ومعسكرات الاعتصام والمتاريس وسائر اشكال الاحتجاج والمقاومة التي تجترحها العملية الثورية الجارية الآن فوق التراب التونسي.والاستعداد دائما لأسوأ الاحتمالات.

- العمل الدؤوب المتواصل على تفكيك بنية نظام الاستبداد والاستغلال والتبعية بكافة رموزه ومؤسساته الأمنية والحزبية والاقتصادية والفكرية والإعلامية..الخ. ولا بد من التنويه هنا الى أن فرار الدكتاتور لا يعني بأي وجه انهيار الدكتاتورية، وأن بطانة الرئيس المخلوع لا تقتصر على حلقة ضيقة من الجلادين والفاسدين، ولا على نفر من الأصهار والمقربين(من عائلات الطرابلسي والمطيري وشيبوب حصراً) ، بل إن الحلقة هذه تمتد لتشمل مافيات " البيزنس" المالية جميعها التي سرقت قوت الشعب وكرامته، وامتصت دماء كادحيه وشغيلته، وحرمت شبيبته من الشغل الشريف المنتج طيلة عقود.ف"الفساد" في تونس ، كما في غيرها، ليس مجرد "تجاوزات " في مؤسسات نظام طاهرة ، بل هو بالأحرى مؤسسة النظام الأم، والصخرة التي عليها يبني هيكله.

- العمل على بناء مؤسسات سلطة شعبية ثورية بديلة، موازية لمؤسسات النظام السابقة أو الجديدة-القديمة.وذلك أساساً من خلال تحصين معاقل الثورة القائمة في الأحياء الشعبية والقرى والبلدات والمؤسسات التعليمية والنقابية والحزبية، لا سيما تطوير اللجان الشعبية الى سلطات محلية ثورية منظمة في مجالس شعبية تشرف على عمليات الدفاع الذاتي ، كما على مرافق الحياة اليومية المختلفة من صحية وتعليمية وغذائية وبيئية وغيرها.

- التشبث باستمرار حال التآخي بين الشعب والجيش، مع الحذر الشديد من قيام حفنة من ضباط العهد البائد بانتهاز فرصة الغفلة والارهاق للقيام بانقلاب عسكري يعود بتونس الى ربما ما هو أسوأ من نظام الاستبداد والاستغلال والتبعية الفارط.

- العمل على انعقاد هيئة تأسيسية منتخبة بالاقتراع الشعبي العام المباشر، تتولى وضع عقد اجتماعي جديد، مجسدا في دستور، يلغي كافة مفاعيل الدستور الحالي بكل ما تفرع عنه من قوانين ومؤسسات تشمل مختلف مناحي الحياة، ويرسي الأسس لمنظومة جديدة من القوانين والمؤسسات.
تتولى الإعداد لهذه الهيئة التأسيسية لجنة تحضيرية من كافة القوى والحساسيات والكفاءات العاملة من أجل التغيير الجذري الشامل للنظام في أفق الحرية والعدالة الاجتماعية والتنمية الشعبية( القائمة على أساس الانفكاك من إسار التبعية الاقتصادية، والاعتماد على الذات مع التكامل مع الاقتصادات العربية، وعلى العمالة الكثيفة والانحياز للفقراء وحقوق الإنسان بأوسع معانيها)، وإنهاء التبعية السياسية للغرب الاستعماري، والتموضع في متاريس الطبقات الشعبية في الوطن العربي والعالم بأسره.

تونس حرة ..

ثورة مستمرة..



https://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن