عفن في أميركا

حازم صاغيّة

2002 / 7 / 27

 

حلف الأصوليات الثلاث الحاكم في الولايات المتحدة يتقدم. يقضم العقل ومصالح الناس موقعاً موقعاً. يهدد الديموقراطية.

بعض (انجازات) الأيام القليلة الماضية:

أصولية الدين: نجحت في وقف الدعم الحكومي لبرنامج الأمم المتحدة في تنظيم الأسرة.

أصولية الأمن: (لوموند) الفرنسية تحدثت عن دور (سي. آي. أي) في كتابة سيناريوات الأفلام لهوليوود. الهدف: تجميل صورة (البطل) - موظف الوكالة. الادارة تخطط لبناء (نظام للمعلومات عن الارهاب ومنعه) حيث سيتم (توظيف ملايين الاميركان للتجسس على زملائهم الاميركان, مع ايداع هذه المعلومات قاعدة معلومات مركزية), بحسب افتتاحية لـ(نيويورك تايمز) عنونتها (أمةٌ من جواسيس?). الصحيفة دعت الى وقف هذه الخطة (قبل أن تبدأ).

وزير المواصلات الأميركي نورمن ميناتا أطلع أعضاء مجلس النوّاب على نيّة الادارة اعادة النظر بمعارضتها السابقة للسماح للطيّارين المدنيين بحمل مسدسات. مجلس النوّاب كان صوّت في 10 تموز (يوليو) الجاري لصالح تسليح الطيّارين المدنيين.

الأصوليتان الأمنية والدينية تكادان تحرمان واشنطن ديبلوماسيتها. تكادان تحرمانها القدرة على الديبلوماسية: وزير الخارجية كولن باول, المصاب في الأيام الأخيرة بهزيمتين موجعتين في الشرق الأوسط وتنظيم الأسرة, اضطر أن يقول للصحافيين, ما بين جد ومزاح: (لا أنوي أن أستقيل). هذا لم يمنع الصحافة من أن تعلّق: لكن نزاعه مع صقور اليمين الجمهوري أسوأ النزاعات التي تشق ادارةً أميركية منذ خلاف كاسبار واينبرغر وجورج شولتس, أوائل الثمانينات, في عهد رونالد ريغان.

أصولية السوق: الجديد هنا ارتفاع التوقعات بالعبور من أزمة البورصة, أي الاقتصاد الافتراضي, الى أزمة الاقتصاد الفعلي. جسر العبور هو توقعات البيزنس التي تنخفض ومعنوياته الهابطة. هذا ما قد لا يصح: لأن التشريع الذي مرره مجلس النواب وسيوقّعه الرئيس كقانون, هو (الأعنف) منذ الكساد الكبير في تقييد قدرة مديري الشركات ومحاسبيها على خداع المستثمرين. ولأن المستهلك الأميركي, على رغم تقلّص مدخراته واستثماراته, قد يُقبل على مزيد من الاستهلاك. وأخيراً, لأن الشركات الصغرى لا تزال مصدر ثلاثة ارباع الربح الصافي الذي توفّره فرص العمل الجديدة, وفيها لا يزال يُستخدم 45 في المئة من قوة العمل الأميركية.

لكنْ في المقابل: ادارة
بوش لا تعبأ برأس المال المتوسط والصغير. تجاهلت تمثيله في الحكومة بقدر ما ضيّقت فرص إقراضه. أهم من ذلك ما يتناوله روبرت سمولسن في (واشنطن بوست): قبل 15 أو 20 سنة, كانت البورصة على هامش الاقتصاد, وكان صعودها وهبوطها يؤشّران الى مجرد اتجاهات اقتصادية, من دون ان تكون القاعدة الدافعة لإجمالي الحركة الاقتصادية. اليوم لم تعد الحال هكذا: قرابة نصف الأسَر الأميركية تمتلك الآن حصصاً وأسهماً في البورصة. في 1980 كان 13 في المئة فقط على صلة بالبورصة. مع الريغانية. مع حرية السوق المطلقة وقيمها. مع التهليل, من دون تحفظ, لـ(الرأسمالية الشعبية), راحت النسب تتصاعد.

الآن: أصولية السوق لا تجد للأسف من يتحداها في ظل 11 أيلول (سبتمبر), كما في ظل الافتقار الى أية روزفلتية عاقلة وقوية (تصحح الرأسمالية). لكن الأمور قد تنفلت عفوياً إذا ما تحقق فعلاً الانتقال من أزمة بورصة الى أزمة اقتصاد. لهذا تزداد الرغبة, دفعاً للأزمة المحتملة, بالتعويل الآحادي على الارهاب وسيناريوات الحروب. من هذا القبيل, نقلت (نيويورك تايمز) خبراً صغيراً ذا مغزى: غضبت ادارة بوش لأن بعض الشبكات التلفزيونية كانت تنقل حركة البورصة في أسفل الشاشة, بينما كان الرئيس بوش يخطب في أعلاها! الرسالة الرسمية: إسمعوا الخطاب وانسوا الأرقام.

منعاً لسوء الفهم: هذا لا يعني أن أميركا موشكة على الانهيار. ولا أن العرب بألف خير. انه يعني أن أميركا ليست في حال جيدة. وهذا خبر سيء لأميركا والعالم بما فيه العرب: العرب الذين لا يزال مطلوباً منهم الكثير الكثير لكي يصلوا الى سويّة الوقوع في الأزمات التي تقع فيها أميركا.

حازم صاغيّة (27/7/2002 )
 


https://www.ahewar.org/
الحوار المتمدن